أولا وقبل كل شيء،
أتوجه بالتهاني والتبريكات لكل إخواننا المسيحيين في الوطن العربي
بمناسبة عيد الميلاد المجيد وأعاده على الجميع بالمحبة والمودة
والسلام والتآخي.
هناك رغبة جامحة وتحيز صارخ لافت للنظر للمرشح
الرئاسي محمود عباس يظهر في الخارج والداخل. كنا نأمل أن تكون الانتخابات
والترشح لها وسيلة يعبر فيها الشعب الفلسطيني عن إرادته الحرة دون توجيه
أو تأثير من الداخل أو الخارج. لقد تقاطر الوافدون والزائرون على
المقاطعة بنسبة لم تعهدها منذ قبع فيها الرئيس الراحل حبيسا. بقدرة قادر
خرج المجتمع الدولي عن صمته وتقاطرت قياداته إلى رام الله تزكية لأبي
مازن ويتعاملون معه على أنه الرئيس القادم دون منازع وتصرف هو كذلك في
اتخاذ القرارات والقيام بالزيارات وعقد الاتفاقات وإطلاق التصريحات
والاعتذارات مع وجود رئيس للسلطة ورئيس للوزراء كان من المفروض أن يضطلعا
بهذا الدور ولكن المرشح الرئاسي تجاوزهما وتصرف محاكيا دور الرئيس الراحل
رحمه الله.
ناهيك عن تزكية الإدارة الأمريكية مرارا وتكرارا في
شخص الرئيس بوش ووزير خارجيته المستقيل في تصريحاتهما ومن خلال زيارة
الأخير إلى أريحا ومن خلال تصريحات القيادات الصهيونية وكذلك التزكية
الصريحة من قبل الرئيس المصري وملك الأردن والسعودية ودعم البلدان الأخرى
التي خطط (بضم الخاء وكسر الطاء) لأبي مازن أن يزورها. هذا مفهوم على
الصعيد الخارجي والإقليمي لما لأبي مازن من حظوة بسبب أفكاره وطروحاته
المعروفة وموقفه من الانتفاضة والمقاومة وما إلى ذلك من مواقف لم تعد
خافية على أحد. فالرجل صريح وما فتئ يردد ذلك آناء الليل وأطراف النهار
على لسانه ولسان الجوقة المستوزرة.
كان من المؤمل أن يتم التركيز على البرنامج السياسي
لكل مرشح لا التركيز على الأشخاص كي يكون للناخب الفلسطيني الفرصة في
الاختيار الذي يعتقد أنه يخدم المصلحة الوطنية العليا ومصالحه كمواطن.
أما أن تقود وسائل الإعلام حملة انتخابية لشخص واحد دون غيره هذا بعينه
الانحراف عن هدف الانتخابات وهو إتاحة الفرصة للناخب أن يختار دون تأثير
ودون إجبار. لقد صورت هذه الوسائل أن محمود عباس هو الأمل وهو الملاذ
الأخير وهو جمل المحامل وإلا ستكون الطامة الكبرى في طريقها إلينا. لقد
توالت الاستطلاعات، التي ثبت عدم صدقيتها في حالة الانتخابات البلدية،
التي وضعت محمود عباس في المقدمة وحتى قبل انسحاب المناضل مروان البرغوثي.
كان الأمل أن تتعامل وسائل الإعلام الفلسطينية، لا
كما فعلت وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بحيادية وشفافية في التعامل
مع البرامج السياسية لا تزكية شخص بعينه. وليس ذلك فقط وإنما تعدى الأمر
إلى حد الغمز من قناة المرشحين الآخرين والتندر عليهم من قبل بعض الزملاء
الذين نجل ونحترم وخاصة بالمرشح (مصطفى البرغوثي) الذي لم تشر له أي
صحيفة أو وسيلة إعلام بصورة جدية رغم امتلاكه لرؤية وبرنامج جديرين
بالاهتمام.
لقد ذهبت إحدى الصحف إلى تجريح هذا المرشح والتهكم
عليه بطريقة لا تليق بالديموقراطية التي ننشدها. لقد عنون (بفتح العين
وفتح الواو) أحد الزملاء مقاله بعنوان "أحد المرشحين يعتدي على مواطن"
وهو يقصد (الدكتور المناضل مصطفى البرغوثي) وعندما تقرأ الخبر كاملا ترى
أن الأمر لا يتعدى مساجلة أو نقاشا بين المرشح وجمهوره. وفي نفس الوقت
يمتدح المرشح الأوحد (أبو مازن) الواثق والمبتسم دوما في مقابلاته وفي
مؤتمراته الصحفية دون الإشارة إلى برنامجه. له كل الحق في ذلك أن يمدح من
يشاء ويزكي من يشاء ولكن ليس من الحكمة أن يسخر أو يتهكم على مرشح آخر.
كان من الأجدر أن يطرح برامج المرشحين الانتخابية كلهم للنقاش والتحليل
ولا يتم الحديث عن الأشخاص.
أما بالنسبة للإعلام الأجنبي،على سبيل المثال، نجد
النيويورك تايمز الأمريكية تتعقب تصريحات محمود عباس ومقابلاته لتنقل عنه
ما يسر العدو ويغيظ الصديق (بالاعتذار للشاعر عبد الرحيم محمود الذي أراد
حياة تسر الصديق وإلا فممات يغيظ العدا). بلا مبالغة إن كل حركة أو نأمة
أو تصريح لهذا الرجل إلا وتصدرت وسائل الإعلام الأجنبية كلها. وكأن لسان
حال هذه الصحف يقول: إنه رجل المحامل ورجل المهمات الصعبة وأنه الأمل
والملاذ الأخير لكم أيها الفلسطينيون.
ما نتمناه من الرئيس القادم للسلطة الفلسطينية بغض
النظر عمن يكون أن يمتلك برنامجا سياسيا واضحا لا لبس فيه خاليا من اللون
الرمادي الذي يتيح للمارقين والفاسدين أن يخوضوا في مياهه العكرة. فلا
يكون هناك مجال لمحادثات أو اتفاقيات تأتي من مواخير جنيف أو أوسلو أو أي
مدينة أخرى قد تطفو على السطح في قادم الأيام.
ولا يسعنا إلا أن نتفق مع خطيب الجمعة في مسجد الشيخ
زايد في غزة في دعائه: "اللهم ارزقنا بمن يتمسك بثوابتنا وحقوقنا
الوطنية".
وإلى ذلك الحين نتمنى على الأخوة المحللين والصحفيين
أن يتحلوا بروح الأمانة والشفافية وأن يتقوا الله في المصلحة الوطنية
العليا لا أن ينجروا وراء خلب (بضم الخاء وفتح اللام).
saadehkhalil@yahoo.com
|