|
زيجا: عندما يعلن أحد الناس نفسه أناركيا، فهو أساسا يخبرنا عن القليل مما
يستلهمه وما يطمح إليه –مسألة الوسائل والغايات. وهذا وحده يؤكد الحقيقة
القديمة بأننا لا نستطيع تعريف الاناركية كنقطة تكتفي بذاتها، ولكن بالأحرى
كموزاييك يتكون من نقاط عديدة مختلفة أو من آراء سياسية مختلفة (وطموحات) –
خضر، أو دعاة مرأة، أو سلاميين، الخ. مسألة الوسائل والغايات هذه هي جزء من
الخيال الملهم للأناركية على مستوى النظرية ولكن في بعض الأحيان جزء من
الاحباط والكبت على مستوى الممارسة العملية. هل تعتقد أن هذا التنوع يجعل من
الأناركية كيانا من الأفكار عديمة الجدوى، والتي لا ترتبط بعلاقة سببية مع
بعضها البعض، او بالأحرى يجعل من الأناركية قابلة للتكيف بشكل شامل؟
شومسكي: الأناركية شريحة عريضة جدا؛ إنها تعني الكثير من الأشياء
المختلفة بالنسبة للناس المختلفين. الفصائل الكبرى في الأناركية كانت تهتم
بشكل عميق بالوسيلة. كانوا يميلون بشكل دائم إلى محاولة إتباع الفكرة التي
عبر عنها باكونين، وهي أنك يجب أن تبني بذرة مجتمع المستقبل من داخل المجتمع
القائم، وقد انخرطوا بشكل مكثف في العمل التعليمي، وفي تنظيم وتشكيل
التعاونيات، تعاونيات صغيرة وأخرى كبيرة، وأنواع أخرى من المنظمات. كانت
هناك فرق أخرى تسمي نفسها أناركية، والتي كانت هي الأخرى مشغولة جدا بموضوع
الوسيلة – لذا، أي نوع من المظاهرات يجب أن ننفذه، وأي نوع من العمل المباشر
هو الملائم والسليم وهكذا دواليك. لا أعتقد من الممكن أن نسأل هل هذا مفيد
أم لا. هناك طرق مختلفة للمضي قدما في العمل، تكون مجدية في الظروف
المختلفة. ولم توجد حركة أناركية متحدة كان لها موقف تتحدث عنه. يوجد
العديد من الفصائل المتنازعة التي تختلف غالبا مع بعضها البعض بشكل حاد
تماما. لم يحدث ان تواجد الكثير من الأناركيين، لحد علمي، وضعوا على أرض
الواقع للتنفيذ ما يسمونه التدابير الإصلاحية من داخل المجتمع القائم – مثل
تحسين حقوق المرأة، صحة العمال... هناك ايضا أناركيون آخرون كانت مواقفهم مع
الحياة البدائية (Primitivist)،
الذين أرادوا شطب التكنولوجيا والعودة إلى الأرض..
زيجا: علم السياسة النظري يستطيع بشكل تحليلي تمييز تصوران رئيسيان للأناركية
– ما يسمى الأناركية التعاونية (Collectivism)
مع باكونين، وكروبتكين، وماخنو كشخصيات رئيسية والتي كانت مقصورة على اوروبا،
ومن الناحية الأخرى ما تسمى الأناركية الإنفرادية (Individualistic)
التي كانت مقصورة على الولايات المتحدة. هل توافق على هذا الفصل النظري، ومن
هذا المنظور، اين ترى البدايات التاريخية (الجذور) للأناركية في الولايات
المتحدة.
شومسكي: الأناركية الانفرادية التي تتحدثين عنها، شتيرنر والآخرون، هي
أحد الجذور – من بين جذور أخرى – وهي ما تسمى في الولايات المتحدة بالحركة
"التحررية" (libertarian).
وهذا يعني إخلاصا لرأسمالية السوق الحر، ولا علاقة لها بباقي الحركة
الأناركية الدولية. في التقاليد الأوروبية، يسمي الأناركيون بشكل عام أنفسهم
الاشتراكيين التحرريين، بمعنى مختلف تماما عن مصطلح "التحرريين". وإلى الحد
الذي تصل إليه رؤيتي، حركات العمال، والذين لا يسمون انفسهم أناركيين، هي
أقرب إلى التيار الكبير من الأناركية الأوروبية أكثر من العديد من الناس
الذين يسمون أنفسهم أناركيين في الولايات المتحدة. لو عدنا إلى الوراء إلى
الكفاحات العمالية في الأيام الأولى للثورة الصناعية، إلى ضغوط الطبقة
العاملة في خمسينات القرن التاسع عشر، وهكذا، فقد حصلت الطبقة العاملة على
فصيل أناركي حقيقي بين صفوفها. لم يكونوا وقتها قد سمعوا بالأناركية
الأوربية ابدا، ولم يكونوا قد سمعوا بماركس، أو أي شيء من هذا القبيل. لقد
كانت حركة تلقائية. لقد أخذوا كأمر مسلم به ان العمل المأجور يختلف قليلا عن
العبودية، ولهذا يجب ان يمتلك العمال المعامل، وإن النظام الصناعي يدمر
المبادرة الفردية، والثقافة الفردية، وهكذا، وأن عليهم ان يكافحوا ضد ما
يسمونه "روح العصر الجديدة" في خمسينات القرن التاسع عشر: "اربح الثروة، انس
كل شيء سوى نفسك". تلك الاصوات كانت اكثر ألفة. وكان الشيء نفسه صحيحا مع
الحركات الجماهيرية الأخرى – فلنأخذ حركات اليسار الجديد. بعض الفصائل نسبت
نفسها الى الأناركية التعاونية التقليدية، التي كانت دائما ترى في نفسها فرعا
من الاشتراكية. ولكن التحررية في الولايات المتحدة ولحدود ما التحررية
البريطانية كانت شيئا مختلفا تماما وكانت تطورا مختلفا تماما، في الواقع، لم
يكن لديها أي اعتراض على الطغيان طالما انه طغيان خاص. وكان ذلك مختلف بشكل
جذري عن الأشكال الأخرى للأناركية.
زيجا: أين في التاريخ الطويل والغني لكفاح الشعب في الولايات المتحدة ترى
الإلهام الأكبر للأناركية المعاصرة في الولايات المتحدة؟ ما رأيك في مذهب
انتقال المعرفة بما وراء الخبرة عبر الأجيال (Transcendentalism)
كإلهام من هذا المنظور؟
شومسكي: قد تكتشفين شيئا ما في بحثك على هذا الموضوع، ولكن شعوري هو إن
حركة انتقال المعرفة بما وراء الخبرة، التي هي في الغالب حركة مثقفين، قد
تكون امتلكت بعض التأثير على الأناركية الانفرادية، ولكنها لم تتصل، على حد
معرفتي، على أي صورة مع حركات الطبقة العاملة الجماهيرية، التي كانت تماثل
على نحو اكبر أناركية باكونين وكروبتكين والثوريين الأسبان والآخرين.
زيجا: معظم الطاقة الخلاقة للسياسات الراديكالية – بالنسبة لحركة الحركات
الجديدة، أو التي تسمى بالحركة المناهضة للرأسمالية، أو حتى المناهضة
للعولمة، هي هذه الأيام تأتي من الأناركية، ولكن فقط قليل من الناس ينخرطون
في حركات هي فعليا تطلق على نفسها "أناركية". أين ترى السبب الرئيسي وراء
ذلك؟
شومسكي: اعتقد أن ذلك كان صحيحا دوما. معظم النشطاء، الناس التي تناضل
من أجل حقوق الإنسان، ومن اجل حقوق المرأة، والكفاحات العمالية، وهكذا، لا
يطلقون على أنفسهم انهم أناركيون، لم يصدروا عن أي معرفة أو فهم بالتقاليد
الأناركية. ربما هم في الولايات المتحدة قد سمعوا بإما جولدمان، ولكنهم
طوروا لأنفسهم احتياجاتهم، وما يشغلهم، وطباعهم وانتماءاتهم الطبيعية. أنا
لا أعتقد أن من واجبنا في الولايات المتحدة أن نبذل جهدا شاقا حتى نأتي
بالناس الاعتياديين هنا، الذي لم يسمعوا في عمرهم أبدا بالأناركية الصحيحة،
ونقدم لهم المساعدة حتى يصبحوا على درجة معقولة من التفهم الذي كانت عليه
المرأة الشابة في المزارع وكان عليه العمال في الأحياء العشوائية حول المدن
من أواسط القرن التاسع عشر، كانوا معتمدين على أنفسهم. في أواسط القرن
التاسع عشر عندما كان العمال في معامل بلوويل ومدينة سالم، يطورون ثقافة
مليئة بالحيوية وعلى درجة كبيرة من النشاط للطبقة العاملة، لا أظن أنهم كانوا
يعرفون أي شيء عن أتباع مذهب انتقال المعرفة بما وراء الخبرة عبر الأجيال،
الذين خرجوا مباشرة من نفس الأحياء وظهروا أيضا في نفس الفترة.
زيجا: الناس الاعتياديون يخلطون غالبا ما بين الأناركية والفوضى مع العنف،
ولا يعرفون أن الأناركية (لا رئيس -
an archos)
لا تعني حياة أو حالة للأمور بدون قوانين، ولكنها بالأحرى، ترتيب اجتماعي
عالي التنظيم، حياة بدون حاكم، "رئيس -
Principe
". هل هذا الاستخدام الذي يحط من قدر الكلمة
[الأناركية] قد يكون نتيجة مباشرة لواقع أن الفكرة التي تقول باستطاعة الناس
الحياة بحرية كانت وما تزال فكرة يخشاها هؤلاء الذين هم في السلطة؟
شومسكي: لقد كان هناك عنصرا داخل الحركة الأناركية يهتم بمسألة "الدعاية
عن طريق الأفعال"، غالبا باستخدام العنف، وهو الأمر الطبيعي تماما أن تتصيده
مراكز السلطة في محاولة لنسف أي محاولة للاستقلالية والحرية، عن طريق دمغها
بأنها عنف. ولكن هذا ليس صحيحا فقط فيما يتعلق بالأناركية. حتى
الديموقراطية يخشونها أيضا. لقد أصبحت هذه الحقيقة مستقرة بعمق للدرجة التي
عندها أصبحت الشعوب لا تحس بهذا الفقدان للديموقراطية. لو نظرت مرة على
صحيفة بوسطن جلوب في الرابع من يوليو – بالطبع الرابع من يوليو هو يوم
الاستقلال، يوم مدح الاستقلال، والحرية والديموقراطية – فإننا نكتشف مقالة في
الصحيفة تتحدث عن محاولة جورج بوش الحصول على بعض الدعم من أوروبا، لإصلاح
الأحوال بعد الصدام. عقدوا مقابلة مع مدير السياسة الخارجية لمعهد كاتو
"التحرري"، يسألونه لماذا ينتقد الأوروبيون الولايات المتحدة. كان رده أشبه
بذلك: المشكلة هي أن ألمانيا وفرنسا لديهما حكومتان ضعيفتان، إذا ما ذهبتا ضد
إرادة السكان، فلسوف يدفعان ثمنا سياسيا غاليا. هذا هو حديث معهد كاتو
التحرري. خشية الديموقراطية وكراهيتها عميقة حتى أنه بالكاد لا يلحظها أحد.
في الحقيقة كل الهوس حول أوروبا القديمة وأوروبا الحديثة العام الماضي كان
دراميا جدا، خصوصا واقع أن معيار العضوية مع واحدة أو أخرى كانت غير ملحوظة
على نحو ما. المعيار كان حادا على نحو متطرف. إذا ما اتخذت الحكومة نفس
الموقف الذي يتخذه الغالبية الكاسحة من السكان، فهي حكومة سيئة: "أوروبا
قديمة – أولاد سيئون". أما إذا ما اتبعت الحكومة الأوامر القادمة من
كراوفورد بتكساس وشطبت على أغلبية أعظم من السكان، فمن ثم هي أمل المستقبل
والديموقراطية: برلسكوني، واثنار، وشخصيات نبيلة أخرى. ويسير الأمر على هذا
النمط بشكل منتظم على طول مدى الطيف، كأمر مسلم به. الدرس كان: لو بين يديك
حكومة قوية فلن تدفع ثمنا سياسيا غاليا لشطب السكان عندك. وهذا رائع. وهذا
هو ما خلقت الحكومات من أجله – تخطي رغبات السكان والعمل من أجل الأقوياء
والأغنياء. إنه أمر عميق ومستقر للدرجة التي لا يلحظها أحد.
زيوجا: ما هو رأيك في "إشكالية" الوسائل – الثورة في مقابل التطور الاجتماعي
والثقافي؟
شومسكي: حقيقة، أنا لا أراها إشكالية. فمن المستساغ في أي نظام للهيمنة
والسيطرة، أن تحاول التغيير بأقصى حد ممكن داخل الحدود التي يسمح بها
النظام. ولو اشتغلت ضد هذه الحدود التي هي حواجز غير مسموح بتجاوزها، فمن ثم
ربما سيكون السبيل الوحيد للاستمرار هو الصدام، والكفاح والتغيير الثوري.
ولكن ليست هناك حاجة للتغيير الثوري أن يحدث من اجل تحسين لوائح السلامة
المهنية والصحية في المصانع، مثلا، لأنك تستطيع أن تدفع في اتجاه هذه
التغييرات حتى تحدث من خلال الوسائل البرلمانية. لهذا فأنت تحاول دفعها
للحدوث على قدر أقصى ما يمكن أن تستطيعه. الناس غالبا حتى ما لا يدركون وجود
أنظمة للظلم والسيطرة. يجب على الناس محاولة الكفاح من أجل الحصول على
حقوقهم من داخل النظام الذي يعيشون فيه قبل أن حتى يستشعروا أن هناك ظلم.
الق نظرة على حركة المرأة. واحدة من أولى الخطوات في تطور حركة المرأة هي ما
تسمى "جهود رفع الوعي". حاول أن تجعل النساء يشعرن إنها ليست حالة طبيعية
تلك التي يكون عليها العالم بالنسبة لهن وهن خاضعات ومقيدات. جدتي لم يكن
لها أن تنضم لحركة المرأة، حيث أنها لم تكن تشعر بأي ظلم، بمعنى من المعاني.
تلك كانت الطريقة التي عليها الحياة، مثل أن الشمس تشرق في الصباح. حتى
يستطيع الناس إدراك إن الأمر ليس مثل شروق الشمس، يمكن عندئذ التغيير، وأنه
ليس عليك إتباع الأوامر، وأنك غير ملزم بأن تخضع للقهر، حتى يستطيع الناس
استشعار أن هناك شيئا ما خطأ في ذلك، وحتى يمكن التغلب على ذلك، لا تستطيع
الاستمرار دون حدوث ذلك. وأحد الطرق لصنع ذلك هو محاولة الضغط من أجل
إصلاحات من داخل النظام القائم للقمع، وفورا أو بعد حين سوف تجد أنك قد غيرت
هذه الأشياء.
زيوجا: هل تعتقد أن ذلك التغيير يجب أن نحصل عليه من خلال سياسة مؤسسية
(حزب)، أو بالأحرى من خلال وسائل أخرى مثل العصيان، وبناء إطارات أخرى للعمل،
ووسائل إعلام بديلة، الخ؟
شومسكي: من المستحيل التحدث عن قوانين عامة بهذا الخصوص، لأنها أمور
تعتمد على الظروف والأحوال. أحيانا يكون أحد التكتيكات صحيح، وأحيانا تكتيك
آخر يكون هو الصحيح. الحديث عن التكتيكات يشبه نوع من أنواع اللغو الفارغ،
ولكنه ليس كذلك. الاختيارات التكتيكية هي الاختيارات التي تمتلك تبعات
إنسانية حقيقية. نستطيع الذهاب إلى أبعد من الاختيارات الاستراتيجية العامة
– بشكل تكهني وبعقل مفتوح – ولكن وراء ذلك نذهب إلى العموميات المجردة.
تتعلق التكتيكات بما يجب اتخاذه من قرارات حول ما يجب الإقدام عليه تاليا،
وهذه التكتيكات لها آثار وتبعات إنسانية بالغة. لهذا على سبيل المثال، دعنا
نتناول المؤتمر الوطني الجمهوري القادم. لو مجموعة واسعة من التي تطلق على
نفسها أناركيين تصرفت بطريقة تدعم أنظمة السلطة ووقفت ضد الجمهور، فهم بذلك
يضرون بقضيتهم نفسها. ولو اكتشفوا تصرفات تجعل الناس يفهمون أهمية معنى تحدي
أنظمة الديموقراطية الرسمية الفارغة من المضمون، سيكونوا ساعتها قد التقطوا
التكتيك السليم. ولكنك لن تستطيع أن تراجع كتابا أو تنقب في نصوص من أجل أن
تجد الإجابة. الإجابات تعتمد على تقييم الحالة القائمة بعناية، وحالة الفهم
لدى السكان، والنتائج المترتبة على الأرجح لما نقوم به، وهكذا.
زيوجا: للولايات المتحدة تاريخ طويل من اليوتوبيا – من المحاولات نحو أوضاع
اجتماعية بديلة. أنصار مذهب انتقال المعرفة بما وراء الخبرة ذاع صيتهم ايضا
بسبب تجاربهم في مزرعة بروك التي أنشأوها ومزرعة أرض الفواكه. كتب المفكر
الفرنسي برودون ذات مرة أن: الحرية هي الأم، وليست ابنة النظام". اين ترى
الحياة بعد أو ما وراء (الأمة) الدولة؟
شومسكي: شعوري هو أن أي تفاعل فيما بين البشر فيما هو أكثر من شخصي – ما
يعني أنه يأخذ أشكال مؤسسية من هذا النوع أو الآخر – في طائفة اجتماعية، أو
مكان العمل، أو العائلة، أو المجتمع الأكبر، مهما يكون، يجب أن يكون تحت
سيطرة المشاركين فيه. لذا سوف يعني ذلك مجالس العمال في الصناعة،
والديموقراطية الشعبية في المجتمعات، والتفاعل فيما بينهما، وهيئات حرة في
الجماعات الأكبر، ويرتفع حتى تنظيم المجتمع الدولي. تستطيعي ذكر التفاصيل
بطرق كثيرة، ولا أرى بقدر كبير نقطة ما في ذلك. وهنا أنا لا أتفق مع بعض من
أصدقائي؛ أنا أعتقد أن ذكر تفاصيل كثيرة عن أشكال المجتمع أو مستقبله يذهب
بالأمور فوق قدرتنا على الفهم. بالتأكيد سوف يكون هناك كثير من التجريب –
نحن لا نعرف ما يكفي عن البشر والمجتمعات، واحتياجاتهم وحدود قدراتهم. هناك
الكثير مما نجهله، وهكذا كثير من البدائل التي يجب تجريبها.
زيوجا: في مناسبات كثيرة يسألونك النشطاء، والمثقفين، والطلاب عن رؤيتك
المخصصة للمجتمع الأناركي وعن خطتك التفصيلية جدا للوصول إليه. ذات مرة كانت
إجابتك "أننا لا نستطيع أن نتخيل ما هي المشاكل التي سوف تنشأ إذا لم نجربها
من خلال هذا المجتمع". هل لديك فكرة أيضا عن أن كثير من مثقفي اليسار يفقدون
كثيرا من طاقتهم خلال المناقشات النظرية حول الوسائل والغايات السليمة
الملائمة، حتى أن هذه الطاقة تعوزهم عند محاولة حتى البدء في "تجربة الوسائل
والغايات التي تتمخض عنها المناقشات" في الواقع العملي.
شومسكي: كثير من الناس يرونه بالغ الأهمية ويجدون أنهم لا يستطيعون
التصرف، دعنا نقول، كمنظمين في مجتمعاتهم إذا لم يكن لديهم رؤية تفصيلية
للمستقبل الذي سوف يحاولون بلوغه. حسنا، هذه هي الطريقة التي يدركون بها
العالم ويحسون بها أنفسهم. ولا أتخيل أني سوف أخبرهم أنهم مخطئون، ربما يكون
ذلك صحيحا بالنسبة لهم، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لي. كثير من الزهور لها كامل
الحق في أن تتفتح. يقوم الناس بأمور كثيرة بطرق مختلفة.
زيوجا: مع وصول عملية العولمة الاقتصادية إلى أوضاع أقوى فأقوى يوما بعد يوم،
كثير من اليسار هم محبوسون في إشكالية – إما يستطيع المرء أن يعمل لتدعيم
سيادة الأمة-الدولة كحاجز دفاعي ضد سيطرة الرأسمال الكوكبي والأجنبي؛ أو
يستطيع المرء أن يسعى نحو بديل غير قومي للشكل الحالي من العولمة والذي يكون
بالتساوي عولميا. ما هو رأيك في هذه الأحجية؟
شومسكي: كالعادة، أنا لا أراه تضاربا. ذلك يحمل معنى كاملا لاستخدام
الوسائل التي توفرها الدولة الأمة من أجل مقاومة الاستغلال، والظلم،
والهيمنة، والعنف وهكذا، ومع ذلك، وفي نفس الوقت محاولة تجاوز هذه الوسائل
بتطوير البدائل. ليس هناك تضارب في ذلك. عليك استخدام أي وسائل مهما كانت
وتكون متاحة لك. ليس هناك تضارب بين محاولتك الإطاحة بالدولة واستخدام
الوسائل التي تتوفر في مجتمع ديموقراطي جزئيا، والوسائل التي تتطور من خلال
الكفاحات الجماهيرية عبر القرون. يجب أن تستخدمهم وأن تحاول المضي ورائهم،
وربما تحطم المؤسسة. وسائل مثل الميديا. أنا سعيد تماما بكتابة عواميد
تعتمدها نقابيا النيويورك تايمز، والتي أقوم بها، وأنا أكتب لمجلة زي (Z).
هذا ليس تناقضا. في الواقع، دعنا نلقي نظرة على هذا المكان (MIT).
لقد كان مكانا طيبا جدا لي للعمل؛ أكون قادرا فيه على صنع الأشياء التي أريد
القيام بها. أنا هنا منذ خمسين عام، لم أفكر في مغادرته أبدا. ولكن هناك
أشياء عنه غير شرعية بشكل لا أمل فيه. مثلا، إنه جزء من لب الاقتصاد الصناعي
المرتبط بالعسكرية. وهكذا أنت تعمل من داخله وتحاول تغييره.
زيوجا: يعارض الكثيرون "الديموقراطية" حيث أنها لا تزال شكل من الطغيان –
طغيان الأغلبية. إنهم يعارضون فكرة حكم الأغلبية، معلقين على أن آراء
الأغلبية لا تتفق دائما مع الرأي السليم أخلاقيا. لذلك، ليس علينا أي التزام
بالتصرف طبقا لما يمليه ضميره، حتى ولو أن الأخير يسير ضد رأي الأغلبية،
والقيادة التي تسود، أو قوانين المجتمع. هل تتفق مع هذه الفكرة؟
شومسكي: من المستحيل أن أقول. إذا ما أردت أن تكون جزءا من المجتمع،
عليك القبول بقرارات الأغلبية من داخله، عموما، إذا لم يكن هناك سببا قويا
لأن تفعل عكس ذلك. إذا ما كنت أقود سيارتي عائدا إلى بيتي ليلا، وهناك ضوء
أحمر، سوف أتوقف، لأن هذا قرار مجتمعي. لا يهم إذا كانت الثالثة بعد منتصف
الليل وأنني أستطيع كسر الإشارة المرورية دون أن يلحظني أحد. لو كنت عضوا من
المجتمع، أنت تقبل بنمط سلوكي ربما لا تتفق معه. ولكن قد تنشأ نقطة عندما
يكون ذلك غير مقبول، عندما تشعر أن عليك التصرف تحت اختيار ضميرك الخاص وأن
قرار الأغلبية هو قرار غير أخلاقي. ولكن مرة أخرى، أي واحد يبحث عن صيغة
لذلك فلسوف يكون ذلك محبطا جدا. في بعض الأوقات عليك أن تقرر في معارضة
لأصدقائك. أحيانا سوف يكون ذلك شرعيا، وأحيانا لا. ببساطة ليس هناك صيغة
لمثل هذه الأشياء ولن تقوم مثلها صيغة. الحياة الإنسانية معقدة جدا، وذات
أبعاد متعددة جدا جدا. لو أردت أن تتصرف منتهكا الأعراف المجتمعية، يجب أن
يكون لديك أسبابا قوية بشكل كاف. عبء البينة يكون عليك أن تظهره حتى تثبت
أنك سليم، وليس مجرد: "ضميري يحدثني هكذا". هذا لا يكفي أن يكون سببا.
زيوجا: ما رأيك فيما يسمى الأناركية "العلمية" – محاولات تثبت بشكل علمي أن
افتراضات باكونين أن البشر لديهم فطرة الحرية. ذلك أننا ليس لدينا فقط ميل
نحو الحرية ولكن أيضا احتياجا بيولوجيا لها. بعض من الأشياء التي كنت أنت
ناجحا جدا في إثباتها مع النحو العام (اللغة)...
شومسكي: إنه أمل بشكل حقيقي، إنها ليست استنتاج علمي. القليل هو المفهوم
عن الطبيعة البشرية التي لا يمكن أن تخرج منها بأي استنتاج جدي. إننا حتى لا
نستطيع إجابة أسئلة عن طبيعة الحشرات. إننا نخرج باستنتاجات – استنتاجات
مغرية – من خلال تجميعات لتكهناتنا وآمالنا، وبعض الخبرات. بهذه الطريقة
نستطيع أن نخلص إلى استنتاج أن البشر فطروا على الحرية. لكن يجب ألا نتظاهر
أنها مستخلصة من معرفة علمية وفهم علمي. إنها ليست كذلك ولا يمكن أن تكون.
لا يوجد علم للكائنات البشرية وتفاعلاتهم أو حتى للكائنات الأبسط التي تصل
إلى أي مكان هنا أو هناك.
زيوجا: سؤال أخير. هنري ديفيد ثوريو يفتتح مقاله "العصيان المدني" بالجملة
التالية: "تلك الحكومة هي أفضل ما حكمت أقل أو لا تحكم على الإطلاق".
التاريخ يعلمنا ان حريتنا، حقوق العمال، المستويات البيئية لم تمنح لنا أبدا
من القلة الثرية وذات النفوذ، ولكنهم دائما انتزعهم بسطاء الناس من خلال
الكفاح – العصيان المدني. ماذا يجب أن يكون في هذا المقام الخطوة الأولي
التي نخطوها نحو عالم مختلف، أفضل؟
شومسكي: هناك عديد من الخطوات لإحراز الأهداف المختلفة. لو أخذنا
المشكلات المباشرة في الولايات المتحدة، من المحتمل أنها المشاكل الرئيسية
الداخلية التي نواجهها هي انهيار نظام الرعاية الصحية، التي هي مشكلة خطيرة
جدا. الناس لا يستطيعون الحصول على الدواء، ولا يستطيعون الحصول على الرعاية
العلاجية، والتكلفة فوق الطاقة بلا سيطرة، وأنها تسير إلى الأسوأ فالأسوأ.
إنها مشكلة كبرى. وذلك لا يمكن، من ناحية المبدأ وأعتقد من الناحية العملية،
التعامل معها من داخل إطار عمل المؤسسات البرلمانية. في استطلاعات الرأي
الأخيرة 80% من السكان يفضلون برامج أكثر معقولية، بعضها من التأمين الصحي
الوطني، الذي يكون أرخص كثيرا وأكثر فاعلية وسوف يمنحهم المزايا التي
يريدونها. ولكن النظام الديموقراطي فاسد على هذه الدرجة التي تجعل 80% من
السكان لا يستطيعون حتى وضع موقفهم هذا في الأجندة الانتخابية. ولكن ذلك
يمكن التغلب عليه. خذ البرازيل مثلا، التي لديها عوائق أكثر من هنا، ولكن
الناس كانوا قادرين على إرغام حلول تشريعية جعلت البرازيل رائدة في توفير
أدوية الإيدز (AIDS)
بعشر ثمنها في أي مكان آخر في العالم وبطريقة انتهكت الأحكام التجارية
العالمية التي تفرضها الولايات المتحدة والبلاد الغنية الأخرى. لقد فعلوها.
لو استطاع الفلاحون البرازيليون أن يفعلوها، نستطيع نحن القيام بذلك. خلق
مؤسسات نظام رعاية صحية معقول هو واحد من الأشياء التي يجب القيام بها،
وتستطيع التفكير بآلاف الأشياء غيره. لا يوجد طريق آخر لترتيب أولوياتهم؛
ليست هناك خطوة أولى. يجب القيام بهم كلهم. تستطيع تقرير أن تشتبك في هذا
الأمر أو ذلك أو البعض الآخر، أينما يكون اهتمامك الشخصي، وانتماءك، وطاقتك.
كلها تتبادل التأثير والتأثر ببعضها البعض، وتدعم بشكل متبادل بعضها البعض.
أنا أقوم بأشياء أظن أنها هامة، وأنت تقومين بأشياء تظنين أنها كذلك، وهم
يقومون بما يظنون أنه هام، كلهم يستطيعون أن يكونوا وسائل من أجل تحقيق نفس
الغايات بصورة أو بأخرى. يستطيعون مساعدة بعضهم البعض. الإنجاز في أحد
الميادين يساعد تحقيق إنجازات في ميادين أخرى. ولكن من أكون أنا حتى أقول ما
هي الخطوة الأولى؟
زيوجا: هل تذهب إلى صناديق الاقتراع/ هل تدلي بصوتك؟
شومسكي: أحيانا. مرة أخرى، هذا يختلف سواء هل هناك اختيار يستحق أن تقدم
عليه، وسواء هل للتصويت تأثير له وزنه بشكل يكفي يستحق الوقت والمجهود المنفق
فيه. في القضايا المحلية أكاد أدلي بصوتي بشكل دائم. مثلا، كان هناك مؤخرا
استفتاء في المدينة التي أعيش فيها يتجاوز قيود ضريبية مضحكة، وقد أدليت
بصوتي في هذا الموضوع. اعتقدت أن من الهام بالنسبة للبلدة أن يكون لديها
مدارس، ومحطات إطفاء، ومكتبات وهكذا. عادة ما تصنع الانتخابات المحلية بعض
الاختلاف، وما وراء ذلك... ربما لو كانت الولاية (ماساشوستس) ولاية مرجحة في
الانتخابات الرئاسية، كنت سوف أصوت ضد بوش.
زيوجا: وماذا عن الانتخابات القادمة؟
شومسكي: حيث أنها ليست ولاية مرجحة، ليست هناك اختيارات أخرى. قد يكون
لدى المرء أسبابا للتصويت لصالح رالف نادر، أو لصالح حزب الخضر، الذي يرشح
أيضا مرشحين بعيدا عن الرئاسة. هناك أنواع من الاختيارات الممكنة، تعتمد على
ما هو تقييم المغزى.
نعوم شومسكي هو مؤلف الهيمنة أو
البقاء: نزوع أمريكا نحو الهيمنة الكوكبية (موجود الآن في طبعة شعبية من
دار اويل/متروبوليتان).
زيجا فودوفنيك باحثة مساعدة/ شابة في قسم العلوم الاجتماعية، جامعة
لوبليانا، سلوفينيا، أوروبا.
|