- الديموقراطية -

كم هم صامتون، غزاة كسوفو "الإنسانيون" هؤلاء؟

جون بيلجر

11 ديسمبر 2004.

ترجمة : احمد زكى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 حزب الحرب "الإنسانية" الدولي، وقد أخرستهم شواهد الكارثة الأنجلو أمريكية في العراق، من المطلوب استدعاءهم إلى الحساب على حملتهم الصليبية المنسية في كوسوفو، نموذج توني بلير الخاص بـ "مسيرة التحرير المتقدمة".  بالضبط كما تمزقت العراق إلى قطع متناثرة بواسطة قوى الإمبراطورية، هكذا مزقت يوغوسلافيا، الدولة متعددة العرقيات التي رفضت بشكل متميز كلا الجانبين أثناء الحرب الباردة.

أكاذيب كبرى كأكاذيب بوش وبلير استعرضها كلا من كلينتون وبلير في اقترانهم بالرأي العام من اجل هجوم لم يستثيره أحد، وغير شرعي على بلد أوروبي.  مثل الأكاذيب التي بنوها من اجل غزو العراق، تغطية الميديا في ربيع 1999 كانت سلسلة من المبررات المزيفة، تبدأ من ادعاء وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين بأنه "لقد رأينا الآن حوالي 100 الف شيخ [الباني] مفقودين... ربما قتلوا".  ديفيد شيفر، سفير الولايات المتحدة السامي لجرائم الحرب، أعلن أن عددا بلغ "225 الف ألباني يتراوح عمرهم بين 14 و59" ربما تم قتلهم.  استدعى بلير ذكرى الهولوكست "وروح الحرب العالمية الثانية".  واتبعت الصحافة البريطانية طريقتها في التلميح.  نشرت الديلي ميل "الفرار من التطهير العرقي".  "أصداء الهولوكست"، هذا ما تبادلت الصياح به كلا من الصن والميرور.

بحلول يونيو 1999، وقد تم الانتهاء من القصف، بدأت فرق الطب الشرعي في إخضاع كوسوفو للفحص الدقيق.  وصل مكتب التحقيقات الفدرالي لاستكشاف ما كان يسمى "أوسع ميدان جريمة في تاريخ مكتب التحقيقات الفدرالي الشرعي".  بعدها بعدة أسابيع، ولم يجدوا قبرا جماعيا واحدا، قفل مكتب التحقيقات الفدرالي عائدا إلى الوطن.  الفريق الأسباني للطب الشرعي قفل هو الآخر عائدا إلى وطنه، واشتكى قائد الفريق بشكل غاضب من انه وزملائه أصبحوا جزءا من "لعبة دوارة بواسطة ماكينة الدعاية الحربية، لأننا لم نجد قبرا جماعيا واحدا – ولا واحد".

في نوفمبر 1999، نشرت صحيفة الوول ستريت نتائج تحقيقاتها الخاصة، التي تنفي "هوس القبور الجماعية".  بدلا من "حقول القتلى الهائلة التي كان المحققين تحت الإيعاز بتوقعها... كان النمط هو [غالبا] قتلى متفرقين في الأماكن التي كان ينشط فيها جيش تحرير كوسوفو الانفصالي".  استخلصت الصحيفة إن الناتو صعد ادعاءاته حول حقول قتل الصرب لأعدائهم عندما "شاهدت الصحيفة فيلقا مجهدا من الصحافيين ينساق إلى القصة المعاكسة: مدنيون قتلتهم قنابل حلف الأطلنطي... الحرب في كوسوفو كانت" قاسية، مرة، وحشية؛ ولكن التطهير العرقي، لم تكن كذلك".

بعدها بعام، المحكمة الدولية لجرائم الحرب، وهي هيئة ساهم الناتو بشكل فعال في إنشائها، أعلنت إن الإحصاء النهائي للجثث التي اكتشفت في القبور الجماعية في كوسوفو كانت 2788.  وتضمن هذا الرقم المقاتلين من كلا الجانبين والصرب والروم الذين قتلهم جيش تحرير كوسوفو الألباني.  مثل أسلحة الدمار الشامل العراقي الملفقة، الأرقام التي استخدمتها حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا وردد صداها الصحافيون كانت اختراعا – بالتوازي مع حكاية "معسكرات الاغتصاب" الصربية وادعاءات كلينتون وبلير إن حلف الناتو لم يقصف المدنيين متعمدا في أي مرة.

ما كان يسمى اسما كوديا بـ "المرحلة 3"، تضمنت الأهداف المدنية التي قصفها حلف الناتو المواصلات العامة، والمستشفيات، والمدارس، والمتاحف، والكنائس.  قال جيمس بيسل، السفير الكندي في بلجراد أثناء الهجمات، "كانت معلومات شائعة إن الناتو انتقل إلى ’المرحلة الثالثة‘ [بعد أسبوعين من القصف]".  "على نحو آخر، لما كانوا يقصفون الجسور أيام الآحاد بعد الظهر، ولا الأسواق".

عملاء الناتو كانوا هم جيش تحرير كوسوفو.  قبلها بسبع سنوات، تم تصنيف جيش تحرير كوسوفو بواسطة وزارة الخارجية كمنظمة إرهابية في عصبة مع تنظيم القاعدة.  تم تكريم عصابات جيش تحرير كوسوفو؛ سمح لهم وزير الخارجية توماس كوك ان يتصلوا به على هاتفه النقال.  "تلاعب بنا ألبان كوسوفو مثل ستراديفاريوس"، هذا ما كتبه قائد قوات الأمم المتحدة في البلقان، الميجور جنرال لويس ماكينزي، في ابريل الماضي.  "لقد دعمناهم ماليا وبشكل غير مباشر دعمنا حملتهم الدموية من اجل كوسوفو نقية عرقيا.  لم نلومهم أبدا على اقترافهم أعمال العنف في بدايات التسعينات واستمر إظهارنا لهم على انهم ضحايا اليوم برغم وجود الأدلة على العكس".

السبب الذي أطلق عملية قصف يوغوسلافيا كان، طبقا لأقوال الناتو، فشل الوفد الصربي في التوقيع على مؤتمر رامبوييه للسلام.  ما جرى دون أن يذاع عن أغلبه أي تقارير، هو أن اتفاقيات رامبوييه كان لديها ملحق ب السري، الذي أضافه وفد مادلين اولبرايت في اليوم الأخير.  طالب هذا الملحق بالاحتلال العسكري لكل يوغوسلافيا، البلد الذي يحمل الذكريات المرة عن الاحتلال النازي.  كما أفشى فيما بعد وزير الخارجية البريطاني لورد جيلبرت للجنة الدفاع المختارة في مجلس العموم، أن الملحق ب قد زرع قصدا لاستثارة رفض حكومة بلجراد.  البرلمان المنتخب في بلجراد، الذي تضمن بعض من أكثر خصوم ميلوسيفتش شراسة، صوت باكتساح ضد الاتفاقية، بينما كانت تسقط أولى قنابل القصف.

الفصل الذي يتعامل مع اقتصاد كوسوفو فقط كان هو أيضا كاشفا لكثير من الحقائق.  دعا هذا الفصل من الاتفاقية إلى "اقتصاد سوق حر" وخصخصة كل الأصول الحكومية.  وكما أشار الكاتب البلقاني نيل كلارك، "كتلة اللحم الغنية [زلمكة] يوغوسلافيا... كانت هي الاقتصاد الأخير في جنوب وسط أوروبا الذي لم يستعمره الرأسمال الغربي.  ’المشاريع المملوكة اجتماعيا‘، شكل الإدارة الذاتية للعمال الذي كان تيتو رائدا له، كان لا يزال هو السائد.  امتلكت يوغوسلافيا ملكية عامة، صناعات البترول، والمناجم، والسيارات، والتبغ، و75% من الصناعة كان إما مملوكا للدولة أو ملكية اجتماعية.

في قمة ديفوس لكبار عشائر النيوليبرالية عام 1999، وبخ بلير بلجراد، ليس لأنها لا تحسن التصرف في كوسوفو، ولكن لفشلها في احتضان "الإصلاحات الاقتصادية" بالكامل.  في حملة القصف التي تلت ذلك، كانت المصانع المملوكة للدولة، وليست المواقع العسكرية، هي التي استهدفت.  تدمير الناتو لأربعة عشر دبابة للجيش اليوغوسلافي يصنع مقارنة مع قصف الناتو لـ 372 مركز صناعي، بما فيها مصنع سيارات زاستافا، تاركا مئات الآلاف من العمال بدون وظائف.  كتب كلارك، "ولا مصنع مملوك ملكية خاصة ولا مملوك للأجانب قد تم قصفه".

كوسوفو اليوم، مشيدة على قواعد هذه الكذبة الهائلة، هي "سوق حرة" مدارة بواسطة الأمم المتحدة، مجرمة، وعنيفة، "سوق حرة" لتجارة المخدرات والدعارة.  أكثر من 200 الف صربي، رومي، بوسني، تركي، كرواتي، يهودي تم تطهيرهم عرقيا بواسطة جيش تحرير كوسوفو وقوات الناتو الذين يحرسونه.  حرقت فرق قتل جيش تحرير كوسوفو، ونهبت ودمرت 85 كنيسة أرثوذكسية ومعبد، طبقا للأمم المتحدة.  القضاء فاسد.  يسخر احد ضباط مكافحة المخدرات للأمم المتحدة، "هل قتلت جدة صربية تبلغ من العمر 89 عاما بالرصاص؟  عملت طيب، اخرج من الحبس". 

برغم أن قرار مجلس الأمن رقم 1244 يعترف بكوسوفو على أنها جزء لا ينفصل من يوغوسلافيا، ولا يمنح سلطات لإدارة الأمم المتحدة لبيع أي شيء، منحت الشركات المتعددة الجنسية امتيازات لمدة 10 و15 عاما لاستغلال الصناعات المحلية والثروات الطبيعية في المقاطعة، بما فيها مناجم التريبتشا الشاسعة، بعض من أغنى الاحتياطيات المعدنية في العالم.  بعد أن احتلها هتلر عام 1940، أمدت هذه المناجم مصانع الذخيرة الألمانية بـ 40% من احتياجاتها من الرصاص.  "ديموقراطية المستقبل" (كلمات بلير) المنكوبة، القاتلة، التي هي الآن تكاد تكون نقية عرقيا، يشرف عليها 4000 جندي أمريكي من معسكر بوندستيل، قاعدة دائمة مساحتها 775 فدان.

في نفس الأثناء، تمضي إجراءات محاكمة ميلوسيفيتش كمسرحية من نوع المسخرة، ليست مغايرة للمحاكمات الأولى التي تمت في لاهاي: محاكمة الليبيين المتهمين بتفجير طائرة لوكيربي.   ميلوسيفيتش كان شخصا أعمى البصيرة بهيميا؛ وكان أيضا أحد رجال البنوك الذي كان يعتبر في وقت من الأوقات رجل الغرب الذي يتم تجهيزه لتنفيذ "الإصلاحات الاقتصادية" التي تتفق ومطالب صندوق النقد، والبنك الدولي، والمجتمع الأوروبي؛ ولكن ما كلفه كثيرا، انه رفض التخلي عن السيادة.  والإمبراطورية لا تتوقع شيئا أقل من ذلك.


نشرت لأول مرة في صحيفة النيوستيتسمان –

كتاب جون بيلجر الجديد، لا تقل لي أكاذيب: صحافة التحقيقات وانتصاراتها، تنشره جوناثان كيب. 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية