يعزو
كثيرون سبب الانهيار الكارثي للنظام الاشتراكي في
الاتحاد السوفييتي
السابق
ودول أوربا الشرقية إلى المسألة الديمقراطية، ولقد
تسبب هذا الانهيار
في حالة
من الذهول وشعور طاغ بالخيبة لدى مختلف
تيارات اليسار في العالم.
وفي
البلاد العربية ترافق انهيار النظام الاشتراكي
مع تفسخ التيارات اليسارية
العربية وتلاشي قدراتها على التأثير، وانكفائها نحو
أشكال ضيقة من التنظيمات
شبه المعزولة، والتوجهات الفكرية التي تاهت بين
الانطلاق من مكوناتها الأصلية
الفلسفية الماركسية وبين يأسها من التجربة
الاشتراكية، سواء في طبعتها الأصلية أم في طبعتها العربية الاستبدادية
المفلسة. واليوم
وبعد انقضاء أكثر من
عقد على ذلك الانهيار التاريخي المدوي لأهم تجربة
اشتراكية عرفتها البشرية أصبح
من الضروري الخروج من حالة الذهول ومشاعر
الإحباط، والنظر بقدر من الموضوعية
والتأمل للتجربة الاشتراكية السوفييتية التي
لن يكررها التاريخ – على الأغلب –
واستخلاص العبر والدروس.
قبل كل شيء ينبغي
للمرء أن ينحي جانبا كل النظريات
السخيفة حول دور المؤامرة
في انهيار التجربة الاشتراكية السوفييتية وأن
يتأمل
العوامل الاجتماعية والاقتصادية
العميقة التي هيأت المجتمع للانقلاب نحو
الرأسمالية في حركة هي أشبه ما تكون باستسلام
محارب متعب إلى أقصى حد.
وإذا كان من غير
الجائز اختزال عوامل متباينة المصادر كالأزمة الاقتصادية
والفشل في سباق التسلح، والهزيمة في
أفغانستان، والضغوط الخارجية،
والتناقضات
القومية، الخ.. والتغاضي عن مضامينها الواسعة
المتشعبة لصالح سبب
واحد
هو الافتقار للديمقراطية، فان من المنطقي والمفهوم أن
يتوجه التفكير إلى
المسألة الديمقراطية أولا باعتبارها نقيصة بنيوية
أصلية في التجربة الاشتراكية السوفييتية أما العوامل الأخرى الداخلية
والخارجية فهناك صعوبة أكبر في النظر إليها كعوامل بنيوية.
لا يمكن القول إن
التجربة الاشتراكية قد خلت من الروح
الديمقراطية ولا يقدر
أحد أن ينكر الطابع الجماهيري للثورة
الاشتراكية، لقد
تمتع البلاشفة بتأييد
الغالبية الساحقة للعمال الروس وغالبية
الفلاحين، وبقي
هذا التأييد الذي
لا نظير له لفترة من الزمن يشكل الوقود
للتجربة السوفييتية في
مرحلة الانطلاق، وخلال معظم تلك الفترة وحتى وفاة
لينين
عام 1924 كانت النقاشات السياسية والفكرية تدور على أشدها داخل الحزب
ومجالس
نواب
العمال والنقابات، وكانت الآراء تعرض بحرية
ويمكن بسهولة ملاحظة
الانقسامات
الحقيقية التي كانت موجودة (تيار المعارضة
العمالية مثلا) دون أن
يتم قمعها وتصفيتها.
لكن اختلف الحال
تماما بعد وفاة لينين واستلام ستالين حيث أصبحت المعارضة
تعني الانشقاق والخيانة وتوسعت بصورة كبيرة
عملية تصفية
الخصوم السياسيين
وهكذا تم طرد تروتسكي من الاتحاد السوفييتي
ومن ثم سحب
المواطنية منه وملاحقته إلى المنفى حيث تم اغتياله
بالبلطة.
وعلى أية حال
لا خلاف في ضرورة إمعان النظر بالتجربة
الاشتراكية السوفييتية
من مختلف الجوانب
وعدم الاقتصار على الجانب الديمقراطي، وفي هذا
السياق
فان النظرة التاريخية
لتلك التجربة تطرح التساؤل: هل كان ممكنا بالفعل
ومن وجهة نظر تاريخية انتصار
الاشتراكية في بلد واحد؟
لقد أجاب التاريخ بالنفي، لكنه تأخر سبعين
عاما قبل
أن يصدر حكمه النهائي.
ولعلها مدة
قصيرة بالنسبة له.
هاهنا مسألة ثانية
لا تقل أهمية عن المسألة الديمقراطية،
فالاشتراكية – إن كان
لها أن توجد- ليس لها
أن تتحقق إلا بمنظور عالمي، وتزداد أهمية وعي
تلك
المسألة مع ازدياد عالمية
وتوحد النظام الرأسمالي الذي انتقل في العقد الأخير
من القرن العشرين إلى
مرحلة العولمة
وليتجسد بصورة أكبر مغزى ذلك الوعي ودلالاته.
دعونا نأخذ حالة
كوبا التي مازال
النظام الاشتراكي فيها قائما بتأثير واضح من
شخصية كاسترو،
ترى هل يمكن
تصور استمرار التجربة الاشتراكية الكوبية بعد
وفاة كاسترو ؟
الحقيقة أن نظام
العولمة قد أحكم سيطرته الاقتصادية على العالم، ولم يعد
بالإمكان اختراق تلك السيطرة دون تحطيم ذلك
النظام وإزالته، وجلي أن هذه المسألة ذات طابع عالمي وتاريخي.
لقد طويت مع انهيار
التجربة الاشتراكية
السوفييتية أولا ثم مع الانتقال لمرحلة
العولمة ثانيا أية أحلام عن إمكانية
بناء الاشتراكية بصورة منفردة داخل النظام
العالمي الرأسمالي . إذن فالنضال من
أجل الاشتراكية لم يعد شيئا آخر سوى
تصفية نظام العولمة الرأسمالي لصالح نظام
اقتصادي آخر لا نعرف اليوم ملامحه
بالضبط ولكنه على صلة وثيقة بالمنظور
الاشتراكي، من أجل ذلك كانت إعادة
الاعتبار لفكرة الأممية محطة لابد منها في
الطريق لانبعاث اليسار في المنطقة
العربية والعالم بغض النظر عن الأشكال
والمسميات، فتنسيق النضالات الشعبية
في أطر عالمية كما يجري الآن في حركة
مناهضة العولمة لم يعد أمرا نافلا بل
أصبح ألف باء المفهوم الاشتراكي لمرحلة
العولمة. واتساع تلك الحركة التي
تشمل أحزابا سياسية ونقابات عمالية ومنظمات
إنسانية وتيارات دينية وأحزاب
بيئية وغيرها يدل على أن البشرية المتمدنة
تسير
بصورة عفوية في طريق استبدال
النظام الرأسمالي العالمي من منطلقات متباينة تحت
وطأة ما يظهره هذا النظام
من انحدار أخلاقي وما يحمله من مخاطر على
مستقبل
البشرية.
وبالعودة لمسألة
الديمقراطية نلاحظ في تطور مشروع الثورة الروسية أن
جوهر هذه المرحلة
هي مرحلة الثورة الديمقراطية 1890- 1917
المرحلة التي كانت تمر بها روسيا
بين
البرجوازية التي مرت بها أوربا قبل ذلك على
تفاوت في مستويات التطور بين
بلد وآخر، فروسيا كانت تنتقل من المرحلة الإقطاعية
حيث الملكيات الزراعية
الكبيرة والفلاحون الذين يعملون لدى الملاك في ظروف
هي أشبه ما تكون بالعبودية
إلى المرحلة الرأسمالية حيث نمت بسرعة المصانع
الكبيرة حاملة معها الإفلاس
لعدد لا يحصى من المؤسسات الحرفية ومحولة أصحابها إلى
عمال مأجورين
(في
روسيا نشأت طبقة كاملة من كبار طواغيت المال،
والصناعيين، وأصحاب السكك
الحديدية، والتجار، والمصرفيين، ونشأت طبقة كاملة من
أناس يعيشون من إيرادات
الرساميل النقدية المسلفة بفوائد مئوية للصناعيين،
واغتنى كبار ملاكي الأرض
باستغلالهم حاجة الفلاحين إلى الأرض لأجل زيادة
الأسعار المؤجرة..الخ) لينين
– 1895.
ومثل كل المراحل
الانتقالية الكبرى تهب في المجتمع رياح
التغيير وتخرج معها
ما لا حصر له من التيارات الفكرية والسياسية
مثلما يفعل
الربيع في السهول الخصبة
النائمة، هكذا استفاقت الطبقة العاملة الروسية
تبحث عن
مصيرها وسط الهيجان
العام. لقد كان شبه محتم لولا تيار البلاشفة وما
أظهره من
قدرة غير عادية
على فهم المرحلة ومزاج الجماهير وكفاءته في التكتيك
والتنظيم
أقول كان شبه
محتم أن ينتهي الأمر بروسيا إلى أن تصبح دولة
صناعية برجوازية،
وأن يبرد
الصراع الطبقي شيئا فشيئا ويتحول باتجاه انتزاع مطالب
وحقوق للطبقة
العاملة
ضمن نظام الهيمنة الرأسمالي مثلما آل الحال إليه في
إنكلترا ثم في
فرنسا
وسائر أوربا.
بذل تيار البلاشفة كل
جهده للوقوف بوجه تلك النزعة التي
ظهرت واضحة ضمن الاشتراكية
الروسية ونعني بها دخول الطبقة العاملة
الروسية إلى
الملعب السياسي مع الاعتراف
الواقعي بمؤسسات المجتمع البرجوازي (البرلمان،
الدستور) وقيمه (الملكية
الخاصة، الحرية الاقتصادية) مع السعي لانتزاع
المكاسب الممكنة ونشر الثقافة الاشتراكية
واعتبرت تلك النزعة خيانة للاشتراكية
والروح الثورية. وشجع تيار
البلاشفة ما أظهرته الطبقة العاملة الروسية من
الاستعداد الكفاحي.
في هذه اللحظة
التاريخية اضطر لينين إلى فك القاطرة الروسية
عن القطار العالمي
مطورا فكرة إمكانية الثورة الاشتراكية في بلد
واحد معتقدا
اعتقادا جازما
أن الوقت لن يطول حتى تلتحق بقية أوربة بعربة
الثورة الاشتراكية. لم
يأت
البلاشفة للسلطة بانقلاب عسكري ولكن عبر حركة شعبية واسعة ضمت بصورة
أساسية
الغالبية الساحقة للطبقة العاملة وأغلبية
الفلاحين عبر تكتيكات سياسية
للتحالفات
المؤقتة مع البرجوازية التي كانت ضعيفة في
بداية تشكلها بمواجهة
النظام الاوتوقراطي الإقطاع.
استفاد لينين
من درس كومونة باريس ليصل إلى
نتيجة مؤداها أنه لا رحمة في الحروب
الطبقية، وان الطبقة العاملة لن تنتصر بدون
ممارسة أعلى درجات القمع مع
الطبقات المنافسة وتأتي البرجوازية والملاك
الإقطاعيون وأركان النظام البائد في مقدمتها
(الدولة هي جهاز سيطرة طبقة
ما، فإذا كانت هذه الطبقة هي البرجوازية كانت
الدولة دولة كيرنسكية نسبة
لكيرنسكي رئيس وزراء الحكومة المؤقتة
البرجوازية وإذا كان المقصود الدولة
البروليتارية كانت ديكتاتورية البروليتاريا –
لينين (من كراس هل يحتفظ
البلاشفة بالسلطة).
كان على البلاشفة أن
يمارسوا الديكتاتورية على الطبقات
والفئات المنافسة والديمقراطية
داخل الطبقة العاملة وتعبيراتها النقابية
والسياسية، ونظرا
لأن المجتمع
لايمكن في الواقع تقسيمه كما تقسم الكعكة إلى
أجزاء مستقلة عن بعضها البعض
كان لابد من توقع تسرب الممارسة القمعية إلى
داخل
معسكر الطبقة العاملة ذاته.
نشأت الدولة
السوفييتية مستندة إلى ثلاثة
دعائم الحزب- السوفييتات ( مجالس
نواب العمال المنتخبة ) – النقابات العمالية،
ويمكن أن نلاحظ أن مجالس نواب
العمال قد نشأت كبادرة عمالية لتنظيم السلطة
في المدن
عشية الثورة واستمرت
كأمر واقع أنتجته العملية الثورية وكان له فضل
المساهمة في انتقال السلطة
والمحافظة عليها قبل أن تبدأ دولة
البروليتاريا في
إنتاج أدوات أخرى للسيطرة.
أما
النقابات فقد كانت بحق أهم التنظيمات وأكثرها
جماهيرية ورسوخا اجتماعيا، وبينما يجد المتتبع
للنقاشات الدائرة داخل تيارات
الحزب بعد استلام السلطة
مكانا واسعا للعلاقة بين النقابات والحزب يجد
في نفس
الوقت تخامدا للنقاشات حول مجالس نواب العمال.
أما ما حصل بعد
ذلك فهو أن
الحزب قد حل محل الطبقة العاملة والنقابات وألغي
الدور الفعلي لمجالس نواب
العمال، وتم استبدال مفهوم ديكتاتورية الطبقة
العاملة بديكتاتورية الدولة
البيروقراطية المستندة إلى أجهزة أمن تبث
الرعب في
نفوس الحزبيين والنقابيين
والعمال أكثر مما تبثه في نفوس البرجوازيين.
الذين اختفوا عن
الساحة أو
تسللوا للدولة ذاتها
واليوم وبعد انهيار التجربة الاشتراكية
السوفييتية فان
فكرة ديكتاتورية البروليتاريا قد انتهت على الأقل
بمفهومها السوفييتي بصورة
لا مرد لها. لقد
أرهق الاستبداد الطويل المجتمع وقتل فيه كل القيم التي تكمن خلف
الحوافز
الإنسانية وجعل من العامل عبدا لسلطة الدولة
والحزب لا يملك سوى ترديد
ما
يقال له أو يؤمر به بدل أن يكون العامل سيدا في دولة
العمال. كذلك فقد
جعل الاستبداد المزمن من مهمة إصلاح الفساد والأخطاء
في الإدارة أمرا على
غاية كبيرة من الصعوبة، وفي النهاية فقد المجتمع
حيويته وأصبح أشبه ما يكون
بآلة كبيرة يتآكلها الصدأ كل يوم.
هكذا أصبح انهيار
الدولة السوفييتية
أمرا مقررا ينتظر ظهور التحديات الخارجية، ولقد كانت
هزيمة الاتحاد السوفييتي
في أفغانستان، وهزيمته أمام سباق التسلح تكفيان لجعل
الانهيار أمرا راهنا.
ونأتي
في الختام لتيار البيروسترويكا الذي تم تصويره من قبل الكثيرين إما
كخطأ تاريخي أو كحصان طروادة للغرب الرأسمالي،
والحقيقة أن في تلك النظرة
الشيء الكثير من التبسيط، فالبيروسترويكا هو نتيجة
قبل أن يكون سببا، انه التيار السياسي الذي أفرزته مسيرة طويلة وضعت
المجتمع الروسي على حافة الانهيار، وعلى أولئك الذين يظنون في أنفسهم
الدهاء حين يعبرون بثقة (هي في حقيقتها
بلادة فكرية) عن انهم أذكى من أن يرتكبوا نفس
الخطأ أن يعلموا أن تيار
البيروسترويكا
ربما كان أقل الحلول ضررا ومأساوية لمسألة
الانهيار الذي كان
قادما لا محالة.
فمعاندة المصائر التي
تقررها مسيرة طويلة من تراكم الأخطاء
وإرهاق المجتمع بالاستبداد أكثر كلفة بما لا
يقاس من المبادرة إلى حلول لا يمكن
أن تكون مثالية في كل الأحوال.
|