ا
- مصر -

الحركة المصرية من اجل التغيير

ومظاهرة "كفايه"... التغيير لمن؟

احمد زكي

16  ديسمبر  2004.


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

 

 

ورد إلينا في بريد كفاية الالكتروني منذ وقت رسالة من الحركة المصرية من اجل التغيير هذا نصها:
"تحيه طيبه وبعد،
إلى القائمين علي موقع  "كفايه" تهانينا لكم علي هذا الموقع المتميز الذي يعد منبرا حرا بحق.
نحن الحركة المصرية من أجل التغيير نود مشاركتكم معنا في الحركة  من أجل تطويرها  كما نرحب بمساهمتكم معنا ونرجو منكم إضافتنا في مواقع صديقه لديكم وموقع الحركة هو:
www.harakamasria.com
الحركة المصرية من أجل التغيير".

وبريد كفايه تصله رسائل تهنئة ومدح من هذا النوع من حين إلى آخر.  وهي تسعدنا بلا شك أيما سعادة، حتى إننا نسارع بإبلاغ هذه الرسائل لبعضنا البعض؛ فهي المكافأة الوحيدة التي يتلقاها فريق العمل الذي يتحمل مسئولية إدارة هذا الموقع.  

على أن رسالة الحركة المصرية، فور علمي بها، أثارت لدي، إضافة لتلك المشاعر، أفكار مختلفة!

اتخاذ الحركة المصرية لكلمة "كفايه" شعارا لها، يومض في صدر صفحة موقعها الأولى، وربما كتبت على لافتات لقاءاتهم الجماهيرية، كان يثير لدي الدهشة دائما، وإنما دهشة ممزوجة بالتسليم بحقيقة أنه: رغم كوننا أول من استخدم تلك الكلمة كشعار سياسي، فلسنا مالكيها.  "كفايه" كلمة مصرية عامية تعني بالفصحى "كفى"، ابتدعها الشعب وسارت فلكلورا وأصبحت مصطلحا وصارت أغنية (’كفايه بقى تعذيب وشقا‘ – أم كلثوم في أغنية ’فات الميعاد‘).  فهي كلمة تلخص دراما حياتنا وقيمة نحملها كلنا بقدر، حيث يستخدمها المصري في حياته اليومية صارخا بها في نفس الموقف الذي استخدمناها نحن سياسيا: الإعلام عن قرب نفاذ الصبر من أمر يرفضه ولكنه قد تحمله طويلا وعلى مضض. 

ولكن الاستغراب كان منشأه احتمال أن يلتبس الأمر عند من يسمع بنا فيظننا أعضاء في هذه الحركة، ولسنا كذلك فعلا. 

وقد هونا الأمر على أنفسنا، الموضوع بسيط، من كان يسألنا كنا نقول له: "لا"! 

ومن محاسن الصدف إن الحركتين "المصرية والشعبية" من اجل التغيير قد هونتا الأمر علينا لدرجة أكبر كثيرا، فلسبب غير معروف أصبحت دعاية كلتا الحركتين تعتمد أساسا على الإعلان عن عدد الموقعين على البيان ’التأسيسي‘ لكلتيهما؛ مصحوبا بأسماء الموقعين.  وكانت هذه هي محاسن الصدف التي وفرت علينا عبء هذا الإيضاح من البداية.

كان هذا احد الهموم التي أثارتها الرسالة...

أما الثاني فقد كان، أنني كتبت، من وقت قريب، مقالا في أعقاب المؤتمر السنوي الثاني للحزب الوطني الديموقراطي، الذي أنشأته سلطة الحكم في مصر وتدعي أنها تحكم به، وقد تناولت في المقال على نحو ما الحركة المصرية وشقيقتها الحركة الشعبية أيضا من اجل التغيير، بالنقد والاستهجان.  ورغم إنني طبعا لا اجزم أن المقال قد قرأه كل من في الحركة [وبالتالي الأخ الفاضل الذي أرسل هذه الرسالة]، فقد توقفت أمام العبارة التي تدعونا إلى "مشاركتكم معنا في الحركة  من أجل تطويرها  كما نرحب بمساهمتكم معنا"!  وقررت المساهمة، فكلمات الأخ الفاضل تحمل معنى الانفتاحية الذي لا تشهده كثيرا حياة النخبة السياسية المعارضة، وهو نداء لا يرفضه أي صاحب موقف.

ورغم حقيقة أن لي مآخذ كثيرة على التيارات القومية في بلدنا (ولا نستثني منها التيارات الماركسية)، التي تتحمل مسئولية ما عن المآل الذي صار عليه الحال السياسي العام لشعبنا في مصر - فما بالك بمآخذي على التيارات الناصرية [والاخوانية] التي كانت في الحكم؟! – إلا أنني شعرت أن الدعوة "من اجل تطويرها [الحركة]"، دعوة لا يمكن أن أردها، لعدة أسباب، من بينها:

بعد سقوط بغداد، كنا قد التقينا عدة مرات قليلة مع رمز من رموز حركة الطلاب الوطنية في السبعينات، وآخرين، واتفقنا أن السقوط الهائل لحكم صدام حسين ربما يكون إيذانا بانتهاء شطب الحركة المستقلة لشعوب المنطقة من المعادلة السياسية للحكم، وهو الدور الذي نفذته بلا هوادة هذه الأنظمة بدءا من نظام يوليو في مصر، وسائر الانقلابات العسكرية التي استلهمته، والأنظمة القبائلية العشائرية البترولية الأخرى، كل بطريقته الخاصة.

واتفقنا كذلك على أن مناسبة تجديد ولاية الرئيس حسني مبارك في 2005، ربما تكون نقطة الذروة لحملة تبدأ من أجل الدعوة إلى الانتخاب المباشر لمنصب رئيس الجمهورية في مصر، وهو ما سوف يعني أن الرئيس القادم سوف يدين بمنصبه لكتلة أصوات، ويضع في اعتباره كتلة اخرى لا تقف معه (هي في الأخير الشعب).  ولكنه في جميع الأحوال، وأيا من كان الآتي، سوف يدين بشرعيته للشعب (جمهور الناخبين)، وليس للمؤسسة العسكرية، كما سائر حكام يوليو.  وهذا معناه دخول الشعب المعادلة السياسية التي حذف منها كليا منذ مارس 1954، حتى ولو بنسبة قليلة من المرة الأولى.

كنا قبل مارس 2004 بعدة شهور قليلة، واقترحنا أن تبدأ الحملة بشعار "كفي خمسين عاما!"، احتفالا بآخر معارك الشعب المصري الكبيرة للاستمرار في الحياة السياسية والتي انتهت بهزيمة القوى الديموقراطية وانتصار العسكر الحاسم في ’مارس 1954‘!  واقترحنا كذلك أن نتوجه إلى التشكيلات الشعبية القاعدية بدعوتنا، وتأتي أحزاب وتنظيمات النخب الأيديولوجية، وذات المصالح متأخرة في ترتيب الأولويات!

ولكن كما نعلم جميعا، شعار "الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة"، هو شعار، وتقصر عنه دائما همم الرجال.

كان هذا من ضمن الأسباب التي جعلتني أقرر  أن تكون المشاركة والمساهمة، استجابة لدعوة الأخ الفاضل، من خلال هذه المقالة...

ومشاركتي سوف تكون تعليقات ثلاثة على ثلاث مواد موجودة كلها بالصفحة الأولى من موقع الحركة المصرية!

فأولا: في العمود الأيمن للصفحة، هناك بيان من الحركة تستنكر فيه الاعتداء البدني على احد أعضائها، بواسطة جهة ما لم يصرح بها علنا.  ولكن لابد أن الاعتداء حمل رسالة من المعتدي فهمها أعضاء من الحركة، والمعتدى عليه بالطبع. 

ومن نفل القول، إن ما حدث للعضو [رئيس تحرير جريدة العربي الناصري] هو أمر مرفوض ومستهجن تحت أي منطق، وهو اعتداء يشبه اعتداءات المافيا على خصومها عندما يكون المقصود هو الإنذار وليس التصفية.  وقد شهدت الحياة السياسية المصرية (والفنية!) مثل هذه الاعتداءات في السنوات العشرين الماضية على ما أتذكر.  وما حدث أخيرا كان واحدا من سلسلة، مما بات سلوكا مشهورا ينسب للجمهورية الثالثة يسمى التأديب بالعصا.  ولكن هناك طرق أخرى منها التأديب بالمنصب والجاه والثروة، استقرت بها الجمهورية الثالثة مع شتى أطياف رموز المعارضة طوال عقدين من الزمان.

وعند مقابلة موقف الحركة مما حدث مع رئيس تحرير العربي الناصري بما هو معروف وثابت من موقف كثير من رموز التيار الناصري والتيارات الأخرى في الحركة المصرية عند تصفية خصوم لهذا التيار وللنظام [وهو ما حدث مؤخرا للكاتب الصحفي رضا هلال]، والذي كان هو التشفي والسخرية والتشهير!!  عندئذ يثور سؤال عن ما هو الأصيل في موقف الحركة المصرية من حقوق الإنسان السياسية؟

وثانيا: الشعار البارز للحركة هو "لا للتوريث.. نعم لانتخاب رئيس الجمهورية"!   هذا الشعار يسرب أوهاما كثيرة. 

فما بات معروفا على صفحات جريدة العربي الناصرية القومية هو عداءها على الإطلاق لفكرة أن يتولى ابن الرئيس الحالي رئاسة الجمهورية خلفا لوالده، ولو بالانتخابات.  والحركة تسمي هذه العملية عملية "توريث".  وهي لذلك ترفض تحويل "ثورة يوليو"، من جمهورية يتبادل حكمها العسكريون إلى دولة يتوارث حكمها أبناء العسكريين.  لحد ما، هذا "المنطق"  يمكننا فهمه من داخل الإطار الفكري لهذا التيار.  أما باقي التيارات فما هو "منطقهم"؟!

اقتران الشعارين معا يضرب فكرة الانتخاب لرئيس الجمهورية، وبالتالي احد جوانب العملية الديموقراطية!  كيف؟ 

أنت إذا ما وافقت على آلية الانتخاب بين عدة أشخاص على منصب رئيس الجمهورية، فليس مستقيما أن تحدد النتيجة مسبقا.  هذا الشعار يقول نعم لانتخاب رئيس الجمهورية من بين عدة أشخاص على ألا يكون احدهم ابن رئيس الجمهورية الحالي، وإلا يصبح ذلك عملية "توريث".  أو أنت لا تريد ابن رئيس الجمهورية مرشحا لمنصب رئيس الجمهورية في انتخاب عام مباشر، وتصمت، دون أن تطرح مرشحا (أو مرشحين) أمامه.  فالبديل، بعد هذه الشوشرة، عسكري يأتي من الظل ويحكم من خلال مجلس شعب هم يمتلكونه، واستفتاء.  أي خطاب هذا، وأي سياسة هذه؟!!

هذا الشعار بهذا الموقف المزدوج يهدر فرصة إدخال الشعب إلى المعادلة السياسية التي استبعدته منها ثورة يوليو طوال خمسين عام، منذ مارس 1954، عن طريق الاشتراك بالانتخاب العام المباشر في تحديد شخصية رئيس الجمهورية الذي يحكمه (وما أدراك من هو رئيس الجمهورية في مصر؟)، كما أن هذا الشعار ينحرف بالموضوع الأساسي وهو خطوة انتخاب رئيس الجمهورية من بين عدة أشخاص بشكل مباشر إلى مماحكة في الخصومة بين أنداد أحدهم ظاهر والآخرون مستترون.  مماحكة تخدم أهداف بعيدة، وتنحرف بالقضية إلى مسارات اخرى. 

لو حدث في مصر مثل هذه الانتخابات سوف يشبه ذلك نزول مملوك توفيق الحكيم إلى السوق ليشتري صك الانعتاق في مسرحية "السلطان الحائر" من جمهور المارة الناخبين، وبأي ثمن يستطيعونه هم.  ساعتها، سينتهي نظام يوليو، ويصبح الحاكم مدنيا حرا انتخبه الشعب.  ساعتها سيتحول العمل السياسي إلى التربية السياسية للشعب من اجل اكتساب مهارة الاختيار والتدقيق.  ولكن هيهات!

الأمر الأخطر هو أن الحركة المصرية ترفض احد المرشحين الأقوياء، بل وأقواهم على الإطلاق،  ولا تطرح مرشحا بديلا.  هذا الوضع يجعل من الشعار شعارا خطابيا فارغا، شعارا يدعو إلى حرب هي في النهاية أمام أعين بسطاء الناس، وأنا من بينهم، حرب ضد طواحين هواء، بلا أي شفافية ولا مصداقية في أهدافها. 

لن يؤد ذلك في النهاية إلا إلى حصار الحركتين المصرية والشعبية في نطاق الخصومة للمرشح الوحيد حتى الآن، والانحباس داخل حلبة الصراع الخفي بين رموز بلاط السلطان، بما يعني انفراط عقد الجماعة وفتور الحماسة الأولية؛ هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ضياع فرصة تبلور مرشح [مرشحين آخرين] للرئاسة، وهو التطور الطبيعي لقيام مثل هذه الآلية، حتى ولو كانت فرصة انتصار هذا المرشح من المرة الأولى هي فرصة ضئيلة. 

ولكن أي حركة هذه لا تضع لنفسها هدفا كميا.  هل الأكثر استقامة ومصداقية أمام الناس هو: دخول المعادلة بنسبة 10، أو 20، أو 30% أو أكثر، أم لا شيء على الإطلاق، سوى توقع رشوة من الحاكم وأجهزته تحت الضغط، حتى ولو من أسفل المائدة؟  (وهو ما حدث أخيرا؟!)

هذا يعني في الأخير عدم جدية الحركة في ادعائها الديموقراطي.  بل والأخطر كما أسلفت هي إهدارهم لفرصة دخول الشعب إلى المعادلة التي أخرجوه منها في السابق تحت دعاوى أيديولوجية شتى، ولو بأي نسبة بدلا من "الصفر الكبير" الذي هو عليه الآن فعلا.

في حدود انه تعليق، هذا يكفي.

التعليق الثالث: هي الأسماء...

كما ذكرت سابقا، اشتغلت الحركتان في الدعاية عن نفسها بإصدار بلاغات تلو الأخرى عن العدد الذي وصل إليه الموقعين على بيان أيهما "التأسيسي"، وهما في ذلك يتشبهان بحركة التوقيعات التي صاحبت ظهور الحركة الشعبية المدنية الأصيلة للمصريين في بدايات القرن الماضي وأدت لنشوء الحركة الوطنية المصرية الحديثة، ونتج عنها دخول الشعب المصري كلاعب أساسي من بين لاعبين آخرين في الحياة السياسية المصرية لأربعين سنة متوالية، باسم حزب الوفد [القديم لا الجديد].

وفي احد المرات استوقفتني رسالة الكترونية دعائية، حملت أسماء الموقعين، ولكن ما ميزها هو إضافة المهنة أو العمل أمام كل اسم.  كانت رسالة من مركز هشام مبارك للقانون، بتاريخ 23 أكتوبر 2004.

وكنت قد قررت أن احتفظ بها لسبب أنها سوف تعطيني فكرة عن ماهية الحركة المصرية.  وقمت بعمل بعض التحليلات الإحصائية البسيطة للتعرف على طبيعة الحركة المصرية بشكل اقرب إلى العلمية.  وكان هذا التحليل من ضمن أسبابي للاستجابة لرسالة عضو الحركة الكريم التي دعانا فيها للمساهمة في تطوير الحركة.  واعتقد إن عرضي المتواضع للنتائج، التي وصلت لها، يشكل مساهمة مخلصة بقدر جهدي الفردي الصغير:

لقد حصرت أولا أعداد الأشخاص، خاصة وأن الرقم المسلسل الذي سبق أسماءهم الشخصية قد انقطع ثم عاد إلى الاتصال مرة اخرى.  كما أني وجدت اسما واحدا مكررة بياناته، لهذا كان المجموع الكلي للأشخاص الموقعين هو 662 شخصا.  كتب 634 فردا مهنهم، ولم يحددها 28 فرد.

شخص واحد فقط تحلى بالشجاعة وكتب أمام خانة المهنة "عاطل"، واثنان قالا إنهما مواطنان، وعدد لا بأس به قال انه خريج كلية كذا أو دارس بالدراسات العليا.  وتلك شريحة مهمة [العاطلون عن العمل]، وجودها غامض بالحركة!

وكذلك كتب شخص واحد انه فلاح، وشخص آخر كتب أمام اسمه انه رتبة مقدم بالجيش، وآخر كتب انه داعية، ووقع للحركة مستشار واحد، وهو اسم كبير في الهيئة القضائية (يشكل كل منهم نسبة 0.2% من الإجمالي).

ومن المهن المستحدثة كتب 6 أفراد في خانة المهنة "ناشط"؟! (بنسبة 0.9% من إجمالي العدد)، وكتب آخر انه "عضو مجلس شعب"؟!  في الواقع لقد وقع للحركة ثلاثة أعضاء في مجلس الشعب منهم عضوان حاليا، وعضو واحد سابق، ولكن واحد فقط كتب أن مهنته "عضو مجلس شعب".

وكتب، أيضا، 23 فرد مهنة "باحث"، بنسبة 3.5%، التي نشتم منها رائحة الـ NGOs.

وكتب اثنان إنهما "خبير نظم"، ولا اعرف هل يقصدان نظم المعلومات أم لا، وإذا كان كذلك على الأرجح، فهذا وجود مهم على أي حال (بنسبة 0.3% من إجمالي العدد).

وكان الطلبة أكثر الفئات وجودا من حيث العدد (94 طالب وطالبة)، وهو أمر طبيعي ولكنه نسبيا حضور غير قوي (بنسبة 14.2% من الإجمالي).

أما العمال والحرفيين والفنيين فقد كانوا أقل من حيث العدد (48 فرد) وجاءوا في ترتيب المهن الرابع بنسبة 7.3% من الإجمالي، ولكن من كتب فعلا في خانة المهنة "عامل"، قد يكون اغلبهم من عمال الصناعة (28 فرد)، كانوا اقل وشكلوا نسبة 4.2% من إجمالي التوقيعات.

وكان حضور المهنيين هو الأقوى بشكل كاسح، بعدد بلغ 404، ونسبة بلغت 61% من الإجمالي.  حقق الصحفيون من بينهم الترتيب الأول (77 صحفيا)، والمهندسون الثاني (63)، والمحامون الثالث (44)، والمحاسبون!! الرابع (37)....

على أن المشتغلين بمهنة التعليم (الأساسي والجامعي) كان لهم أيضا حضورا قويا مجتمعين، فاق كل المهن الأخرى (70 اسم)، ما عدا الصحفيين طبعا.  كان منهم 39 اسما في التعليم الجامعي (منهم 11 أستاذ جامعي)، و 31 اسم في التعليم الأساسي.  ولما لا والدولة اليوم تفتح الباب بطريقتها لخصخصة خدمة تعليمية تتدهور بشكل بالغ.

على أن المهن قد شهدت مهنة تعمل بها نسبة كبيرة من النساء في مصر وهن حتى الآن لا يعتبرنها مهنة، بل هي عمل مخلص ومتفان تؤدينه بلا مقابل سوى الاعتراف المعنوي بالجميل وقد يغيب حتى هذا أحيانا في مثل هذا الزمن الرديء الذي أوصلونا إليه.  إنها مهنة "ربة منزل".  وقعت 9 نساء بهذا التعريف بنسبة بلغت 1.4% من الإجمالي.

كما شهدت المهن شريحة جميلة وهامة تنتمي إلى الوجدان المصري، مهنة الفن، ورغم غياب المغنيين والموسيقيين، إلا أنها شهدت النحات والتشكيلي ورسام الكاريكاتير (3 من رسامي الكاريكاتير)، وكتاب القصة والرواية والمسرح والشعراء والممثلين والمخرجين...  من وقع بهذه التعريفات بلغ عددهم 28 ونسبة بلغت 4.2% من الإجمالي.

بلغ عدد من وقع بمهنة "موظف" 30 شخصا، بنسبة بلغت 4.5%، على أن ذلك العدد وتلك النسبة، هما خادعان نوعا ما، لأني لا أستطيع أن احدد بتفصيل أكثر من من المهنيين هو مستخدم أيضا بالجهاز الإداري للدولة؟ وكم منهم يعمل لديها، ونحن نعلم جميعا أن نسبة ضخمة من قوة العمل في مصر على اختلاف نوعياتها وشرائحها تعمل عند صاحب عمل واحد كبير هو الدولة.

وفي المقابل يأتي من وقع ومهنته أعمال حرة، عدد بلغ 19 اسم، ونسبتهم من الإجمالي بلغت 2.9%، أي تقريبا أكثر من النصف بقليل من الذين يعملون عند الدولة في الحركة المصرية وكتبوا انهم موظفون.  وهذه النسبة بين من يعملون عند الدولة مباشرة ومن يعملون في أعمال حرة ولا يقبضون رواتبهم منها غير قريبة من الواقع الحقيقي لها.  على أن من كتب إن مهنته هي رجل أعمال أو أعمال حرة أضاف في الغالب لها صفة "تاجر"، أو "صاحب دكان"، أي أن أكثرهم يعملون بالقطاع الخدمي وهي التجارة.

لم يوقع احد من الباعة الجائلين...  كذلك لم يوقع احد من أصحاب الورش الإنتاجية المختلفة أو المشاريع الصغيرة أو الكبيرة الأخرى.

وقع 28 اسم بدون ذكر للمهنة بنسبة 4.2%.

وقعت أسماء وذكرت أمام خانة المهنة منصب عام (هل يعتبر المنصب العام مهنة؟)، أو أضافت له بذكر مهنة اخرى، ..وصحفي، .. ومحامي، ..وعامل الخ..  تراوحت هذه ’المهن‘ بين أمين التنظيم الحزبي عن ’كذا‘، وعددهم 8 بنسبة 1.2% من الإجمالي؛ ونقابي وعددهم 11 بنسبة 1.7% من الإجمالي، أو مدير مركز بحوث أو منظمة غير حكومية وعددهم أيضا 11 ونسبتهم كذلك 1.7%، فضلا عن أولئك الذين قالوا ناشط (6 – 0.9%)، والذين قالوا باحث وعددهم 23 بنسبة 3.5%.  أما أعضاء مجلس الشعب فكانوا ثلاثة.

كان عدد الكتاب الذين وقعوا هو 17، بنسبة 2.6%.

إجمالي عدد هذه الشريحة التي تنتمي للعمل العام هو 56 بنسبة 8.5% تقريبا.  وهذا رأس كبير لهيئة أركان بالنسبة لجسم بهذا الحجم!

كما أن عدد المعروفين على المستوى القومي خاصة لدى الحياة السياسية والثقافية النخبوية في مصر حوالي 29 شخصية عامة من تيارات متعددة ومستقلين، بنسبة 4.4%.

تتشكل الحركة المصرية من تنوع جيد لأرباب المهن في مصر، بما فيها المهن المستحدثة للعمل السياسي والاجتماعي المدني بنسبة قوية لحد ما. وهي تحفل بشخصيات عامة ومثقفين بشكل كبير نسبيا.  كما أنها تعاني من ضعف في قواعدها المتحركة وهم الطلاب، والشباب عموما، مما يجعل كلمة "حركة" محل تساؤل.

ولكنها حركة تنغلق في المدينة بالأساس لأنها تخلو من الفلاحين، هذا بالإضافة إلى غياب أي تمثيل لأقسام بعينها من فئات اجتماعية شعبية واسعة، أو فئات  ذات وزن (القطاع الخاص الكبير)، من التي تحيا في المجتمعات الحضرية.  ولغياب التصنيف الجغرافي مع المعرفة الشخصية لعدد من الأسماء، وورود إشارات جغرافية هنا وهناك، يمكننا أن نتحدث عن أنها حركة مهنيين قاهريين بالأساس، وربما تلتحق بها زوائد إقليمية هنا وهناك كما يصادف أن يكون.

على أني استطعت من الأسماء أن احلل مكونين آخرين يمكن الاعتماد عليهما لحد بعيد في وضع سمات اجتماعية أكثر تفصيلا للحركة. 

فمن حيث النوع (ذكر، أنثى) نستطيع أن نرى بوضوح إن عدد الذكور في هذه القائمة هو، 562 اسما، بنسبة 84.9%.  وعدد الإناث، 100 اسم بنسبة 15.1%.  وهي نسبة غير متوازنة تبعد كثيرا عن النسبة الممثلة للنوع في نسيج المجتمع المصري.  ومع  توقيع 9 ربات بيوت في القائمة، فمن الأمانة القول بأنها بادرة في الاتجاه الصحيح.  كما يمكننا رصد انه قد وقع 3 أخصائيون اجتماعيون في القائمة، كان منهم 2 أخصائية اجتماعية، بنسبة 66.3%!!  وأخصائي اجتماعي واحد.  على أن وجود هذا التخصص رغم صغر حجمه جدا هو وجود محمود ينبغي الانتباه له.

كانت النساء ممثلة لحد ما بشكل معقول في مهنة الطب (9 طبيبات من إجمالي 20، بنسبة 45%)، وهيئة التدريس الجامعي (11 مدرسة أو أستاذة مساعدة من 28، بنسبة 39.3%)، والباحثات 7 من 23، بنسبة 30%.  وتتضاءل النسب بعد ذلك سريعا حتى تصل إلى الصفر مع المحاسبين، والأعمال الحرة، ومدراء المراكز البحثية (المدراء جميعا)، والنقابيون، والحزبيون لتصبح حركتهم ذكورية صرف.

وبناء على ذلك، نستطيع القول ونحن مطمئنون أن الحركة المصرية حتى الآن هي حركة نخبة مهنيين قاهرية "ذكورية".

ومن الاسم أيضا حاولت تحديد الديانة.  وهناك أمر استوقفني في هذه المحاولة؛ وهو أنني فشلت في تخمين ديانة 83 اسم، بنسبة 12.5%؛ لأنه يحتمل أن يكون حامله مسلما أو مسيحيا.  وهذه الظاهرة تتطلب تحليلا من المهتمين حول أسبابها.  فقد اعتمدت على المثل السائر بين المسلمين المصريين عن أن خير الأسماء هو ما "حمد وعبد".  وهو مبدأ تعتنقه الدولة المصرية منذ زمن الجمهورية الثانية وحتى الآن، حين بدأ يسبق أسماء كبار مسئولي الدولة بشكل مصطنع اسم "محمد"، حتى استقر وأصبح عرفا.  وقائمة الحركة المصرية تتضمن بشكل طبيعي 103 اسم يبدأ بـ "محمد"، وهو ما يشكل نسبة 15.5% من إجمالي الأسماء!

وقد وقع للحركة اثنان من اليهود المصريين، ولا يعني ذلك  بأي حال أن الطائفة اليهودية المصرية، التي كان لها دورا حيويا في التاريخ الاجتماعي المصري الحديث، ممثلة بأي شكل داخل الحركة.  فثورة يوليو هي أيضا من ضمن المسئولين عن اجتثاث هذه الطائفة من جسم الأمة المصرية بشكل قسري.

وعليه كانت أعداد المسلمين في الحركة هو 565 بنسبة 85.3%، وعدد الأقباط 13 بنسبة 2% من إجمالي 662 اسما.  ولكن إذا اعتبرنا إن الإجمالي هو مجموع الأسماء المؤكدة الديانة (578 اسما)، فستكون نسبة المسلمين 97.8%، والأقباط 2.2%. وهي نسبة للأقباط حتى ولو كانت ثلاثة أضعاف ما وصلت إليه تعتبر غير متوازنة وغير قريبة من نسيج المجتمع المصري.

وعليه نستطيع استنتاج أن الحركة المصرية من اجل التغيير هي حتى الآن: حركة نخبة مهنيين قاهريين ذكوريين "مسلمين".

بالطبع لدى القائمين على الحركة فرصة أفضل مني كثيرا (أنا احد الأفراد من خارج الحركة)، للحصول على مختلف البيانات بشكل أكثر دقة وتنوعا لإخضاعها للتحليل العلمي، وذلك من اجل تطويرها [الحركة].  وهذا يعتمد على اتجاه التطوير الذي يريدونه؛ هل هو تطوير من اجل الاقتراب إلى قطاعات وفئات أوسع من المجتمع المصري، أم من اجل ضم المزيد من الشخصيات التي لديها نفوذ وعلاقات خارجية وداخلية ذات وزن؟  ولماذا؟ هل من اجل استخدامهم كورقة ضغط من اجل مكاسب سياسية لهذا التيار أو ذاك (وفي الأخير من اجل مكاسب سياسية لهذه الشخصية أو تلك من "قيادات!" الحركة)، أو من اجل إدخال الشعب المصري إلى المعادلة السياسية للحكم مرة اخرى من اجل تغيير حقيقي للأفضل في حياة المصريين؟

في الأخير، ربما أكون هكذا قد رديت على تحية الحركة المصرية بأحسن منها...

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية