يعلم جميع الذين شاركوا في
مؤتمر شرعنة الاحتلال في شرم الشيخ و التمهيد لأجراء الانتخابات، علم
اليقين، بأن الانتخابات المزمع إجرائها في بداية العام القادم في العراق هي
انتخابات استعراضية واتقائية مزيفة وكاذبة، بعيدة كل البعد عن ابسط
المعايير الديمقراطية، بل تعتمد علــى استراتيجية ( إذا تريد غزال أخذ أرنب
وإذا تريد أرنب أخذ أرنب) ففي كل الأحوال فأن الشعب العراقي سيحصل على
الأرنب، والارا نب جاهزون في قفص المنطقة الخضراء ومفتاح القفص في جيب
السفير نيغروبونتي سيطلقهم في احتفال باهت كاحتفال تسليم الهارب بول بريمر
للسيادة المزعومة في شهر أيار، مايو الماضي.
الفائزون في هذه الانتخابات معروفين سلفا، فردا فردا.
اختارتهم سلطات الاحتلال وفق معايير ديمقراطية العمالة. أنهم يتلقون الآن
دروسا خصوصية مكثفة في تعميق الولاء عند بعضهم والتدريب على تأصيل موهبة
الكذب والتضليل الديمقراطي عند البعض الآخر.
هناك تخريب متعمد ومدروس للنفوس التي استرخصت ضمائرها
وباعتها بثمن بخس. فالأحزاب السياسية والشخصيات الدينية والسياسية
والاجتماعية التي ارتضت المهادنة و العمالة، عندما أحست بالكرم الأمريكي
الحاتمي بإغداق الدولارات على المشاركين في الانتخابات تسارع هؤلاء ( رأسهم
قبل أرجلهم) إلى استعطاف هذا الكرم الأمريكي، وهم يعلمون أن أمريكا لا تمنح
سنتا واحداً حبا بالآخرين، ما لم يكون مردود هذا السنت ألاف الأضعاف.. فهذه
ليست المرة الأولى تغدق أمريكا المنح المالية على الأحزاب والنقابات
والمؤسسات والمنظمات المدنية من اجل نشر ديمقراطيتها، فهذا جزء من
استراتيجيتها لتركيع وشراء ذمم تلك الأحزاب والمنظمات والمؤسسات. لقد فعلتها
في البلقان وفي دول أمريكا اللاتينية وفي كثير من الدول العربية والإسلامية
والأفريقية.
أشار الدكتور إبراهيم علوش في إحدى مقالاته إلى وثيقة
صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، مؤسسة البلقان، في 16 ديسمبر،
كانون أول 1998 المعنونة ( الترويج للديمقراطية في يوغسلافيا. عناصر أساسية
للدعم المالي. سري جدا: معلومات أمن قومي) خصصت السي آي أيه بموجب هذه
الوثيقة 10 ملايين دولار، لأنفاقها على الأحزاب السياسية ( اليوغسلافية)
السابقة بهدف: توسيع تدريب الأحزاب السياسية على استقطاب قواعد جماهيرية..
الترويج لبناء جبهة معارضة سياسية موحدة. تشجيع تكتلات الأحزاب السياسية مع
المنظمات غير الحكومية، من أجل القيام بمهمات موازية غير حزبية مثل تفعيل
المشاركة الشبابية وتثقيف الناخبين ومراقبة وسائل الإعلام. تطوير كوادر الصف
الثاني من القيادات الحزبية في الأقاليم، وأخيرا تقديم الإعانات للسيطرة على
معارضة مسئولة !!!!.
هذه الوثيقة تساعدنا كثيرا على كشف مسألة التمويل
الأمريكي للأحزاب السياسية و للمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية
والمهنية.....الخ، ولكن لا بد من الإشارة إلى مسألة بديهية أيضاً وهي أن هوية
الممول تكشف بحد ذاتها الكثير من أهدافه، ولا تظنن أن أمريكا توزع الصدقات
لوجه الله. بل من أجل أهداف ومشاريع بعيدة المدى تنفذها من خلال هذه الأحزاب
والمنظمات المهنية والمدنية تنشئها تحت يافطات وعناوين بريئة ربما يصدقها حتى
بعض القائمين عليها، مثل صندوق حماية الطفولة أو تدريب الكوادر العمالية
والشبابية أو حماية البيئة....الخ. وهكذا نلاحظ في حالة العراق أيضا، فأن
المنحة المالية موزعة إلى جهات ومسميات تدل على أنها بريئة أو مبهمة، ولكن
كما يقول المثل أن الشيطان يكمن عادة في التفاصيل. فإن شيطان التمويل
الأمريكي للأحزاب و للمنظمات غير الحكومية يكمن في النتائج بعيدة المدى على
المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للعراق بعد تجند هذه الأحزاب
والمنظمات بوقا وأداة لتنفيذ سياساتها ومشروعها فيه.
أصدر
مكتب
المتحدث
الرسمي
باسم
وزارة
الخارجية
ريتشارد
باوتشر
بيانا
صحفيا في 21تشرين أول، أكتوبر،
قال
فيه
إن
الولايات
المتحدة
ستنفق
مبلغ
871
مليون
دولار
في
دعم
وتمويل
النشاطات
المتعلقة
ببرامج
تعزيز
الديمقراطية
والحكم
وإجراء
الانتخابات
في
العراق ولتمكين
لجنة
الانتخابات
من
تقديم
العون
الفني
لإجراء
انتخابات
حرة
ونزيهة
ومراقبة
الانتخابات
والإشراف
عليها
في
جميع
أنحاء
البلاد.،
وخصصت لهذا النشاط 100 مليون دولار، وخصصت
للمؤسسات
البلدية
و
المحافظات
100
مليون
دولار، و
20
مليون
دولار
خصصت
للأجهزة
والمؤسسات
القومية
للحكومة
المؤقتة.
( أننا لم نعرف ما هي هذه المؤسسات القومية التي أشار
إليها البيان). كما خصصت مبلغ 243 مليون دولار لدعم المؤسسات المحلية
والإقليمية والمحافظات، و41 مليون دلاور خصصت لدعم المؤسسات القومية للحكومية
المؤقتة و30 مليون دولار خصصت للصندوق الوطني للديمقراطية لتمكينه من تقديم
المساعدات الفنية وتوفير التدريب للأحزاب السياسية الديمقراطية والمعتدلة في
العراق !!!ونود بهذه المناسبة السعيدة أن نطرح السؤال الآتي:
هل العراق في وضع يمكنه من صرف 871 مليون دولار
لأجراء انتخابات صورية مزيفة وباطلة أساسا، أم أنها مناسبة لشراء النفوس
الضعيفة والضمائر الميتة لخدمة المشروع الأمريكي- الصهيوني في العراق وتوطيد
احتلاله ووضعه تحت الانتداب والاستعمار بعد أن ولى زمن الاستعمار وعصر
الانتدابات. لماذا لم تخصص هذا المبلغ الضخم، لبناء المدارس والمستشفيات
والمعامل ومنشآت الماء والكهرباء التي دمرتها قوات الاحتلال، سيما وان
العراقيين بأمس الحاجة إليها.
لقد أستطاع العراق بنصف هذا المبلغ، بعد العدوان العسكري
الأمريكي عام 1991، وخلال 18 شهرا فقط، من أعادة بناء أكثر من 8437 داراً
سكنية، و 157 جسراً وسكة حديد، و 130 محطة كهرباء رئيسية وفرعية، و249 داراً
لرياض الأطفال، و139 داراً للرعاية الاجتماعية، و100 مستشفى ومركزاً صحياً، و
1708 مدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية، التي دمرتها القوات الأمريكية.
أن أنفاق هذا المبلغ الضخم ما هو إلا مشروع اختراق خطير
لنسيج المجتمع العراقي عمودياً وأفقياً وتدجين الشرائح الاجتماعية المختلفة
والقوى السياسية فيه، بهدف توطيد وشرعنة الاحتلال الغاشم تحت يافطة
الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية...الخ. أنه مشروع لإفساد ذمم الأفراد
والجماعات والأحزاب والعشائر بدولارات هي بالضرورة ملوثة سياسياً، وذلك من
أجل خلق نخبة ثقافية واجتماعية ترتبط بأمريكا مصيريا ومن أجل تنفيذ مشروعها
الصهيو-أمريكي في المنطقة، انطلاقا من العراق.
من المؤكد إن إجراء الانتخابات العامة الحرة النزيهة أمر
ملح للغاية ومطلب عادل يتوق لها الشعب العراقي الذي حرم منها عقودا طويلة،
بالإضافة إلى كونها حق قانوني يجب أن يمارسه بحرية دون فرضه من قبل الاحتلال
وفق شروطه ومنهجه وقيمه وتحت أساطيل جنوده.
فالانتخابات المزمع إجراؤها مطلع العام القادم، والتي
تروج لها أمريكا وحلفائها، وبمساندة الدول العربية ودول الجوار تحت شتى
الذرائع والحجج، لن تعبر عن إرادة شعب العراق ومطالبه العادلة في السيادة
والاستقلال والتحرر، ولن تحقق له الأمن والاستقرار، مهما حاولت أمريكا أيهام
الآخرين، بمعسول الكلام. لا يمكن لجميع مساحيق المؤتمرات الدولية والإقليمية
من تجميل وجه الاحتلال القبيح ولا يمكن أن تمنحه الشرعية التي ينشدها، لأن
غزو العراق واحتلاله هو عدوان سافر على سيادة دولة مستقلة، و عمل أخرق باطل
من الأساس، وعليه فأن أية انتخابات تجرى في ظل ظروف الاحتلال، وتستند على
القوانين التي شرعها، هي باطل، وفقا للقاعدة القانونية، ما بني على باطل فهو
باطل.
من جهة أخرى فإن إجراء الانتخابات، تحت يافطة الديمقراطية
المضللة، ما هي إلا دجل سياسي وتضليل للرأي العام العراقي والعالمي، لأنها
ستكون ’’ انتخابات استعراض’’ كما يقول المحلل السياسي البريطاني ديفيد ادوردز.
أن إجرائها لن يكون الحل الناجع حتى لو تم تحت مظلة الأمم المتحدة واستنادا
إلى قرارات مجلس الأمن الباطلة. لما فيها من مخاطر جسيمة تمس مستقبل العراق
وسيادته ووحدة أراضيه، وتؤدي إلى تفكيك أواصره وروابطه الاجتماعية والدينية
ولا تنقذ الاحتلال من الأزمة الخانقة التي يعيشها في بلاد الرافدين، ولا
تنتشلها من المستنقع العراقي،، كما أنها ليس مخرجا لإضفاء الشرعية على
البرلمان الذي سيفرزها والحكومة (الانتقالية) التي ستتمخض عنها، مثلما لم يكن
تشكيل مجلس الحكم المنحل والحكومة المنصوبة من قبل الاحتلال ومهزلة نقل
السيادة، مخرجا ومنقذا للاحتلال. بل إنها لو جرت، ستزيد من أزمة الاحتلال
والحكومة الانتقالية ومحنتهما. لأنها تقوم على المحاصصة الطائفية المقيتة
التي دق ركائزها بول بريمر وتستمر أمريكا في إضفاء الشرعية عليها وجعلها من
المقدسات التي لا يمكن المساس بها.
لقد أقرت سلطات الاحتلال عدد أعضاء البرلمان القادم
بـ(275) عضواً، سيتم اختيارهم وفق معايير ومحاصصات طائفية وعرقية علي الشكل
التالي: 120 عضواً للشيعة، و70 عضواً للسنة العرب، و55 عضواً للأكراد، و15
عضواً للتركمان، و10 للمسيحيين (كلدواشوريين) وخمسة لليزيديين والصابئة. فهل
هذه المحاصصة صيغة ديمقراطية؟ أم فتنوقراطية؟ تمهيدا للحرب الأهلية، لا سمح
الله. لماذا لم تترك سلطات الاحتلال، لصناديق الاقتراع هي التي تقرر من
سيفوز!! وماذا سيحصل لو لم يفوز الجهة المعنية بالعدد المحدد، أو فاز بأكثر
من العدد المقرر؟؟ نحن نعتقد أن التركيبة النيابية التي ستفرزها الانتخابات،
وفق هذه الصيغة، يمكن أن تتصدع وتنهار حتى قبل ولادة البرلمان المنشود.
لا نريد، في هذه العجالة، أن نتطرق إلى أمور أخرى تثبت
فساد هذه الانتخابات ومهزلتها، لقد كتب عنها الكتاب والمحللون مئات المقالات.
ولكننا نضطر إلى ذكر أمر مهم جدا، وهو أنه ليس في العراق إلى الآن رأي موحد
بشأن عدد نفوس العراق. فقسم من المصادر يحدده ب 22 مليون وقسم أخر ب 24
مليونا، وهناك من يدعي بأنه 26 مليون نسمة. فإزاء هذا الارتباك وعدم اليقين،
يطرح السؤال نفسه، ألم يكن من الأجدر القيام بأجراء التعداد السكاني قبل
إجراء الانتخابات، لتحديد عدد نفوس العراق بشكل صحيح وموثق، لتنظيم القوائم
الانتخابية بالذين يحق لهم التصويت قانونا ؟!!! هل كان القصد من عدم أجرائه
هو لإخفاء هوية 4 ملايين إيراني و300 ألف كردي الذين نزحوا من إيران و تركيا
وسوريا بعد الاحتلال، حسب بعض المصادر، أو نزوح مليون إيراني إلى العراق
للمشاركة في الانتخابات حسب تصريح الملك عبد الله لجريدة الواشنطن بوست قبل
يومين؟!!! ولا نريد في هذا المقام، التطرق إلى تفاصيل شراء استمارات
الانتخابات من قبل بعض دول الجوار بمائة دولار للاستمارة الواحدة!! ولا نريد
أن ندخل في تفاصيل إصدار مئات الآلاف من البطاقات التموينية إلى أشخاص غير
عراقيين و وهميين أو حتى الموتى!!!
ونحن نطالع هذا المشهد المحزن، ينبغي أن نصارح أنفسنا، هل
هذه هي الانتخابات التي يتطلع إليها الشعب العراقي بعد عقود من الحرمان؟!! هل
هناك شعب على وجه الأرض، يقبل أن يصوت معه أو بدلا عنه في انتخابات مصيرية
مواطنون من شعوب أخرى؟!! هل جرت، في تاريخ العالم كله، انتخابات نزيه تحت ظل
الاحتلال؟!! .
هذه الانتخابات ينبغي أن لا تؤجل بل يجب أن تلغى من
الأساس، إلى أن يستعيد العراق حريته واستقلاله وأمنه واستقراره، ويرحل المحتل
الغاصب من أرض الرافدين. أما القول بأن تأجيلها أو إلغائها سيؤخر رحيل قوات
الاحتلال، قول مردود، لأن المحتل الغاصب لا يرحل بعد هذه الانتخابات، وإنما
سيدق ركائز بقائه. فالذين يعزفون على وتر أن الحكومة القادمة ستطلب منهم
الرحيل، يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا الآخرين. الغاية الأساسية لأمريكا من
هذه العملية، هي قلب الموازين السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية في
المنطقة، انطلاقا من العراق، و لكي تشكل حكومة عميلة توقع معها على اتفاقية
رهن العراق، بقضه وقضيضه، بأرضه وسمائه وشعبه وثرواته ومقدساته، لديها لمدة
99 سنة. أو حتى أخر برميل من البلاء الأسود.
اللهم أحفظ العراق وأهل العراق.
وجدي أنور مردان هو دبلوماسي
عراقي سابق تركماني الأرومة وكاتب وطني مرموق
|