-
"اعطني بعض الرصيد!"
صاح رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، ليفي اشكول، في مؤتمر حزب العمل
في فبراير 1965، مخاطبا ديفيد بن جوريون.
-
من لحظة استقالته، بدأ
بن جوريون في نسف خليفته. اشكول، الذي كان حتى ذلك الوقت يتعامل فقط
مع شئون المالية، يبدو شاحب اللون وغير مؤثر، تاليا لسلفه التاريخي،
أبو الدولة، وقائد الحربين.
-
كان اشكول يعني كلماته
حرفيا تماما. لقد قال: "بن جوريون، هل استخدم لغة وزير الخزانة:
اعطني بعض الرصيد! هذا هو كل ما أسألك إياه، من اجل فترة ولاية
واحدة في المنصب، أربعة سنوات على الأكثر!"
-
لم تسعفه تلك الصيحة
الدرامية. ترك بن جوريون الحزب واستمر في إمطار اشكول بالنار ووابل
الحجارة.
اليوم يجد أبو مازن نفسه في حالة مماثلة. هو أيضا
يستطيع أن يصيح: "أعطوني بعض الرصيد!"
بالطبع، سلفه العظيم لا يستطيع مهاجمته سوى بشكل غير
مباشر، بواسطة تاريخه الأسطوري. ولكن لدى أبو مازن ما يكفي من الخصوم
داخل حزبه شخصيا، فتح.
يقدم التلفزيون ذلك كمعركة شخصية بينه وبين الجيل
المتوسط، خصوصا مع مروان البرغوتي. هذا يكمن في طبيعة التلفزيون. منذ
كانت الشاشة الصغيرة في أفضل أحوالها عندما تستعرض صور الوجوه الإنسانية،
ولكنها لا تستطيع استعراض الأفكار، فكل جدال يثار يصبح مادة لشخصيات
(مؤكدا، على نحو عابر، المثل المشهور للمفكر الكندي، مارشال ماكليوهان،
"الوسيط هو الرسالة" – قاصدا إن الحقيقة تتشكل بشخصية الوسيلة
الإعلامية.)
من الطبيعي، إن الجدل بين أبو مازن والبرغوثي يعكس
جزئيا مواجهة شخصية ومواجهة بين أجيال. يمثل أبو مازن الحرس القديم من
فتح، بينما يمثل خصومه المحاربين من الانتفاضة الأولى والثانية. ولكن
المواجهة الحقيقية هي بين رؤيتان للعالم واستراتيجيتان عظميان لكفاح
التحرر الوطني الفلسطيني.
سمعت باسم أبو مازن لأول مرة في 1974، عندما أسست أول
اتصال بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. سألت شريكي الأول، سعيد حمامي،
شهيد السلام، أن يخبرني من يقف وراءه. اخبرني سعيد، بثقة، إن فتح أنشأت
لجنة من ثلاث أعضاء للاتصال مباشرة بالإسرائيليين. أطلقت عليهم اسم
"الثلاثة أبو" – أبو عمار (ياسر عرفات)، وأبو مازن (محمود عباس)، وأبو
إياد (صلاح خلف).
من بين الثلاثة، كان أبو مازن هو المسئول مباشرة عن
الشئون الإسرائيلية. أطروحته للدكتوراه من جامعة موسكو كانت عن أنشطة
الحركة الصهيونية أثناء الهولوكست، وذات مرة سألوني أن احضر له كتب عن
قضية كاستنر (المفاوضات بين لجنة الإنقاذ الصهيونية وأدولف ايخمان في
1944).
قابلته للمرة الأولى وجها لوجه عندما دعي وفد من
المجلس الإسرائيلي للسلام الإسرائيلي الفلسطيني (الجنرال ماتي بيليد،
ووزير الخزانة السابق ياكوف ارنون، وأنا) للقاء عرفات في تونس في يناير
1983. قبل اللقاء، تكلمنا مع أبو مازن، كما في كل اللقاءات اللاحقة
بتونس: نناقش دائما أفكارنا أولا مع أبو مازن ثم بعدها نطرح مقترحاتنا
أمام عرفات، الذي يقول كلمته النهائية.
هذه الخبرة ساعدتني على فهم مقاربة أبو مازن هذه
الأيام. استراتيجيته تمضي على هذا النحو: يجب توجيه المجهود الفلسطيني
الرئيسي نحو الولايات المتحدة والجمهور الإسرائيلي. تقوم الآن فرصة
لتغيير سياسة الرئيس بوش أحادية الجانب. أثناء فترة ولايته الثانية في
البيت الأبيض يستطيع الرئيس الأمريكي تجاهل اللوبي اليهودي القوي، حيث
انه لن ينتخب مرة اخرى بأي حال.
الرأي العام الإسرائيلي، أيضا، يمكن تغييره. فيما
يتعلق بذلك، الانتفاضة المسلحة يجب أن توقف. من وجهة نظر أبو مازن، لم
تعود الانتفاضة المسلحة بأي فوائد على الفلسطينيين، بل ربما إنها جلبت
لقضيتهم الأذى.
معظم جيل الشباب في فتح يرفض وجهة النظر هذه تماما.
انهم يعتقدون أنها تقوم على أوهام. بوش يخضع لتأثير شارون، وعلى أي حال،
فهو واحد من الأصوليين المسيحيين الذين يدعمون اليمين الإسرائيلي الأكثر
تطرفا. أيضا، لا معنى للارتكان على معسكر السلام الإسرائيلي، الذي تخلى
عن نصرة الفلسطينيين في ساعة الاحتياج الشديدة. باستثناء بعض الجماعات
الصغيرة، فهم لم يقدموا شيئا لإنهاء الاحتلال الوحشي، والقتل، والتدمير،
والتجويع، والحصار بسور الفصل ونزع ملكية الأرض و المياة. كل ما فعلته
حركة السلام الإسرائيلية هو إصدار بيانات لا تأثير لها مهما كان.
العمليات العسكرية، كما يعتقد نشطاء فتح الشباب، تحمل
ثمارا. لقد ضربت الاقتصاد الإسرائيلي بقوة. لقد خلقت هذه العمليات
مناخا من الخوف وأظهرت حقيقة الفقر. لقد أنتجت استعدادا للتخلي عن
المناطق الفلسطينية. لا يفهم الإسرائيليون سوى لغة القوة.
تتطور تنويعة أكثر اعتدالا داخل هذا الاتجاه طارحة
تكثيف الهجمات ضد المستوطنين والجنود، ولكن تطرح إيقاف العمليات ضد
المدنيين في الداخل الإسرائيلي. انهم يعنون: العمليات الانتحارية.
وبينما عرفات لا يزال حيا، لم يخرج الخلاف المحتد من
بين يديه، لأن عرفات، كما كانت عادته، يخلق بناءا ما بين مقاربتين
مختلفتين. استخدم عرفات – كبديل أو في نفس الوقت – الدبلوماسية والعنف،
طبقا للحالة المتغيرة. كان يراه أنصار كلا الاستراتيجيتين زعيما لهم.
وبالفعل، قاد عرفات استراتيجية الاعتراف بإسرائيل والسعي نحو السلام
معها، كما في اوسلو. ولكن عندما وصل عرفات إلى قناعة أن هذا المجهود قد
وصل إلى حائط مسدود من الجانب الإسرائيلي، استخدم العنف. كان مروان
البرغوتي تلميذا له.
الآن، قد ذهب عرفات. كلا الاستراتيجيتان تصدمان داخل
المجتمع الفلسطيني، وربما داخل كل بيت فلسطيني.
احد الأمور يجب أن يكون واضحا: الجدل حول
الاستراتيجية لا يعكس اختلافا بين الأهداف. كل فصائل فتح موحدة حول أهداف
أرساها عرفات: دولة فلسطينية، حدود ما قبل 1967 (مع احتمال بعض تنازلات
متبادلة لقطع من الأراضي)، القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين، السيادة على
قمة جبل المعبد (المسجد الأقصى وقبة الصخرة)، وإخلاء المستوطنات، وحل
يتفق عليه لمشكلة اللاجئين.
لذا كيف يمكن تسوية الاختلاف المحتد؟
لن يكون سهلا على الذين يرتدون البدل الرسمية أن
يتغلبوا على من يحملون الكلاشينكوف، الذين يضعون أرواحهم على اكفهم في خط
القتال يوميا. ولكن الفلسطينيين سوف يستخدمون ألمعيتهم. قد يسألون
أنفسهم: ابو مازن يريد مصداقية؟ دعنا نعطيه إياها. هو يعتقد انه يستطيع
أن يستخلص تنازلات من بوش وشارون؟ لما لا نعطيه الفرصة؟
دعه يحاول أن يجد نهاية "لهذه التصفية المأساوية"،
و"التحقق عند القتل"، وهدم البيوت، والمهانة عند نقاط التفتيش. دعه
يحاول الحصول على بدء مفاوضات سلام حقيقية لها معنى. دعنا نرى إذا كان
بوش سوف يمنحه أكثر من عبارات فارغة تعود أن يعطينا إياها.
في المرة الأولى، عندما ضغط الأمريكيون على
الفلسطينيين لتعيين أبو مازن كرئيس للوزراء، لم يحصل على شيء. طعنه
شارون بخنجر في ظهره. وتجاهله بوش.
إذا كان يستطيع فعلا أن يحصل على شيء ما هذه المرة –
فهذا سوف يكون أفضل كثيرا. وإذا لم يحدث، سوف يتكلم الكلاشينكوف مرة
اخرى. هذا هو خلفية قرار مروان البرغوتي ألا يترشح للانتخابات هذه
المرة.
فكل تفويض ينتهي بعد وقت. نصف سنة؟ سنة؟ بالتأكيد
ليس أكثر من ذلك. أبو مازن قد وعد البرغوتي توا أن يعقد انتخابات داخل
فتح خلال تسعة اشهر.
إذا لم يحمل الرصيد أي فائدة، بالتأكيد سوف تبدأ
الانتفاضة الثالثة.
|