- الهيمنة والإمبراطورية -

انتخابات 2004

نعوم تشومسكي

29 نوفمبر 2004.

ترجمة : خالد الفيشاوي


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

كانت انتخابات نوفمبر 2004 سببا لقدر هائل من النقاش، مع ابتهاج في بعض الأنحاء، ويأس في الأخرى، وعويل عام على "الأمة المنقسمة".  لهذه الانتخابات على الأرجح عواقب سياسية، مؤلمة على نحو خاص للجمهور في الساحة الداخلية، وللعالم فيما يخص "التحول للعسكرة"، مما أدى ببعض من ابرز المحللين الاستراتيجيين إلى التحذير من "يوم القيامة" والأمل في التصدي للعسكرة والعدوانية الأمريكية بتحالف من الدول المحبة للسلام بقيادة "الصين"!  (جون شتاينبيرنر ونانسي جالاجار، ودائيدالوس).  لقد وصلنا إلى ممر ضيق لحد ما عندما تظهر مثل هذه الكلمات في أكثر الصحف احتراما ورصانة.  ومما هو أيضا جدير بالملاحظة كم هو عميق يأس هؤلاء الكتاب حول حالة الديموقراطية الأمريكية.  وسواء كان هذا التقييم يستحق الاهتمام أم لا، فتلك قضية يحددها النشطاء أنفسهم.

الانتخابات، برغم أن عواقبها لها مغزاها، فهي تخبرنا بالقليل عن حالة البلد، أو المزاج الشعبي.  هنالك، على كل، مصادر اخرى نستطيع أن نعلم منها قدر كبير عن ذلك وغني بالدروس الهامة.  الرأي العام في الولايات المتحدة تحت الملاحظة والمراقبة المكثفة، وبينما يجب الحذر والعناية دائما في تفسيره كضرورة، هذه الدراسات هي مصادر قيمة.  نستطيع أن نرى أيضا لماذا يحتفظ بالنتائج، برغم أنها علنية، تحت طيات الإخفاء بواسطة المؤسسات المذهبية.  وهو الأمر الصحيح أيضا فيما يتعلق بالدراسات الرئيسية والغنية بالدلالات عن الرأي العام التي نشرت قبل الانتخابات مباشرة، وعلى سبيل الذكر بواسطة مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية (Chicago Council on Foreign Relations) وبرنامج اتجاهات السياسات الدولية في جامعة يو بميريلاند (Program on International Policy Attitudes)، اللذان سوف أعود إليهما.

احد الاستنتاجات هي أن الانتخابات التي لم تخول سلطات لأي شيء، هي في الحقيقة، بالكاد لم تحدث، بأي معنى جدي لمصطلح "انتخابات".  وهو بكل المعايير استنتاج مبتكر.  انتصار ريجان في 1980 عكس "انحلال هياكل الحزب المنظمة، والتعبئة والحشد الواسع للرب والنقود في الترشيح الناجح لشخصية كانت ذات مرة هامشية في ’المركز الحيوي‘ للحياة السياسية الأمريكية"، ممثلا "للتفكك المستمر لهذه التحالفات السياسية والهياكل الاقتصادية التي منحت للسياسات الحزبية بعض الاستقرار والتعريف في الجبل السابق".  (توماس فيرجسون وجويل روجرز، الانتخابات الخفية، 1981).  في نفس مجموعة المقالات القيمة تلك، والتر دين بيرنهام وصف الانتخابات كدليل إضافي على "الغرابة المقارنة الحاسمة للنظام السياسي الأمريكي: الغياب الكامل لحزب جماهيري اشتراكي أو عمالي كمنافس منظم في السوق الانتخابي"، واضعا في اعتباره كثيرا من "نسب استنكاف متعلقة بالوضع الطبقي" والجوهر المحدود للقضايا.  هكذا من الـ 28% من الذين صوتوا لصالح ريجان، 11% أعطوه لأسبابهم الأولية وهي انه "رجل محافظ بشكل حقيقي".  في انتصار ريجان الكاسح في 1984، بنسبة حضور اقل من 30% بالكاد، انخفضت النسبة إلى 4% وكان يأمل غالبية الناخبون ألا يتحول برنامجه التشريعي إلى قوانين.

ما يصفه هؤلاء العلماء السياسيون البارزون هو جزء من رد الفعل المعاكس القوي ضد "أزمة الديموقراطية" المرعبة في الستينات، التي هددت بمقرطة المجتمع، و، برغم الجهود الهائلة لسحق هذا التهديد ضد الأمن العام والنظام، كان لهذه الجهود الآثار البعيدة المدى على الوعي والممارسات الاجتماعية.  فترة ما بعد الستينات تميزت بالنمو الملموس لحركات جماهيرية ناضلت من اجل حرية وعدالة اكبر، وغير مستعدة لتحمل العدوان والعنف الوحشي الذي كان سابقا يستحل الحكم بلا مساءلة.  حرب فيتنام هي تصوير درامي، كان طبيعيا أن يتم قمعه بسبب الدروس التي تعلمنا هذه الحرب إياها حول الأثر المتحضر للتعبئة الجماهيرية وتحرك الجماهير.  الحرب ضد جنوب فيتنام التي شنها كنيدي في 1962، بعد سنوات من إرهاب دولة تدعمها الولايات المتحدة تسبب في قتل عشرات الآلاف من البشر، كانت حربا وحشية بربرية من البداية: القصف، الحرب الكيماوية لتدمير محاصيل الطعام لتجفيف منابع الدعم المدني لمقاومة السكان الأصليين، برامج لطرد ملايين البشر إلى معسكرات اعتقال افتراضية أو إلى مدن أكواخ الصفيح العشوائية لإنهاء القاعدة الجماهيرية للمقاومة.  مع الوقت بلغت الاحتجاجات درجات ملموسة، حين تعجب المؤرخ العسكري والخبير المتطرف في الشئون الفيتنامية والمحترم جدا برنارد فول، هل "فييت-نام ككيان ثقافي وتاريخي" سوف تفلت من "الفناء" بينما "الريف يموت فعليا تحت ضربات أقوى ماكينة عسكرية تدمر مساحة بهذا الحجم"؛ خصوصا جنوب فيتنام، التي كانت هدفا رئيسيا لغارات الولايات المتحدة.  وعندما تطورت حركة الاحتجاج في الأخير، متأخرة سنوات عديدة، كانت تتوجه في معظم الأحيان ضد الجرائم الطرفية: الجرائم الرهيبة لامتداد الحرب في الجنوب إلى باقي الهند الصينية، ولكنها كانت جرائم ثانوية.

مدراء الدولة يدركون جيدا انه ما عاد لديهم مثل هذه الحرية.  الحروب ضد أكثر الأهداف قبولا لـ "أعداء ضعفاء بشدة" – يجب كسبها "بشكل حاسم وسريع"، هذا ما نصحت به استخبارات بوش الأول.  التأجيل قد "يخفض التأييد السياسي"، المعروف بأنه قصير المدى، وهو تحول كبير منذ فترة كنيدي- جونسون عندما استمر الهجوم على الهند الصينية عندما لم يكن مشهورا على المستوى الجماهيري ولم يثر أي رد فعل لسنوات طويلة.  هذه الاستنتاجات الراسخة برغم جرائم الحرب المستترة في الفلوجة، وتكرار عمليات تدمير الروس لجروزني منذ عشر سنوات سابقة، متضمنة الجرائم التي تستعرضها صفحات الجرائد الأولى والتي يمكن الحكم بسببها بعقوبة الإعدام على القيادات المدنية طبقا لقانون جرائم الحرب الذي أصدره الكونجرس الجمهوري في 1996، وأيضا تظل تلك الاستنتاجات قائمة برغم واحد من أكثر النوبات تعاسة في حوليات الصحافة الأمريكية.

العالم هو اليوم كريه لحد كبير، ولكنه أفضل كثيرا من الأمس، ليس فقط فيما يتعلق بعدم الرغبة في تحمل العدوان، ولكن أيضا بسبل عديدة اخرى، نميل اليوم على أخذها كأمور مسلم بها.  توجد دروس عديدة هامة هنا، يجب أن تكون دائما في أعلى جزء من عقولنا؛ لنفس السبب الذي تخضع فيه للقمع من ثقافة النخبة.  بالعودة إلى الانتخابات، في 2004، تلقى بوش أصوات أكثر من 30% من الأصوات الانتخابية، وكيري اقل بقليل.  نمط الأصوات مماثل لنمط 2000، وافتراضيا نفس النمط من الولايات "الحمراء" و"الزرقاء" (مهما كان المغزى الذي يقوله ذلك).  لو كان هناك تغيير طفيف في أفضليات الناخبين لكان كيري الآن في البيت الأبيض، أيضا هذا ينبئنا بالقليل عن الوطن وهموم الجمهور.

كالعادة، الحملات الانتخابية أدارتها صناعة الـ PR، التي تبيع كمهنة في وضعها الاعتيادي معاجين الأسنان، والأدوية التي تستعيد الشباب، والسيارات، والسلع الأخرى.  مبدأها الهادي هو الخداع.  مهمتها هي تدمير "السوق الحر" الذي تعلمنا أن نوقره: كيانات أسطورية يختار داخلها المستهلكين وهم على علم جيد من بين اختيارات عقلانية.  في مثل هذه الأنظمة التي من النادر تخيلها، سوف يوفر البزنس معلومات عن منتجاته: رخيصة، سهلة، بسيطة.  ولكن من الصعوبة أن يكون سرا انهم لا يصنعون شيئا من هذا القبيل.  بل، انهم يبحثون عن الطريقة التي يضحكون بها على الزبون ليختار بضاعتهم من بين بضعة أصناف اخرى من المفترض أنها توائم لها.  ببساطة جنرال موتورز لا تذيع علنا مواصفات موديلاتها للعام التالي.  بل على الأحرى، إنها تنذر مبالغ ضخمة لخلق صور من اجل خداع زبائنها، مصورة نجوم الرياضة، ونجمات الإغراء، والسيارات تتسلق التلال الشاهقة نحو مستقبل سماوي، وهكذا دواليك.  لا ينفق عالم البزنس مئات البلايين من الدولارات في السنة من اجل توفير معلومات.  "مبادرة الصناع" المشهورة و"التجارة الحرة" هي تتعلق بما هو واقعي بنفس القدر الذي يكون عليه اختيار الزبون بناء على معلومات دقيقة واقعيا.  آخر شيء يريده هؤلاء الذين يسيطرون على المجتمع هو السوق الخيالي في النظرية المذهبية والاقتصادية.  كل ذلك يجب أن يكون شائعا جدا حتى يستحق مثل هذا النقاش.

أحيانا يكون الالتزام بالغش مفضوح تماما.  المفاوضات الأمريكية الاسترالية الأخيرة حول "اتفاقية التجارة الحرة" تقام بسبب قلق واشنطن من نظام الرعاية الصحية في استراليا، ربما هو أكثر النظم كفاءة في العالم.  أسعار الدواء، على وجه الخصوص، هي كسر عشري من أسعارها في الولايات المتحدة: نفس الأدوية، تنتجها نفس الشركات، تكسب نفس الأرباح المادية في استراليا برغم انهم لا يخولون الحصول على دولارات تحت دعوى غالبا انهم يحتاجونها من اجل الأبحاث والتطوير، وهي ممارسة اخرى للخداع.  جزء من أسباب كفاءة النظام في استراليا هو انه، مثل بلدان اخرى، تعتمد استراليا على ممارسات يستخدمها البنتاجون عند شراؤه كليبسات الورق: قوة الحكومة الشرائية تستخدم للتفاوض حول الأسعار، وهو أمر محرم قانونا في الولايات المتحدة.  هناك سبب آخر وهو إن استراليا احتفظت بإجراءات "تقوم على الشواهد الأخيرة" من اجل تسوق العقاقير الصيدلانية.  يرفض مفاوضو الولايات المتحدة تلك الإجراءات على إنها تدخلات في آليات السوق: شركات الدواء الضخمة تحرم من حقوقها الشرعية إذا ما طالبناها إعطاء دليل عندما تدعي إن منتجاتها الأحدث هو أفضل من بعض البدائل الأرخص، أو تجري إعلانات تلفزيونية يخبر فيها نجوم بعض الرياضات أو الموديلات جمهور المتفرجين أن يطلبوا من أطبائهم هل هذا "الدواء مناسب لكم (فهو مناسب لي أنا)"، أحيانا بدون حتى الكشف عن ما هو مفترض أن يكون أغراض هذا الدواء.  حق الخداع يجب أن يكفل للشخصيات الهائلة القوة والخالدة المرض التي يخلقها النشاط القانوني الراديكالي من اجل إدارة المجتمع.  وعندما تتولى صناعة الـ PR، مهمة بيع المرشحين للرئاسة، تلجأ هذه الصناعة بالطبع إلى نفس الأساليب الجوهرية، حتى تضمن أن السياسة تبقى "الظل المخيم بواسطة البزنس الكبير على المجتمع"، كما جاء في وصف الفيلسوف الاجتماعي الأمريكي الرائد، جون ديوي، لنتائج "الإقطاعية الصناعية" منذ زمن طويل.  الغش يستخدم لتدمير الديموقراطية، كما انه بالضبط الجهاز الطبيعي لتدمير السوق.  ويبدو أن الناخبين على دراية به.

عشية انتخابات 2000، حوالي 75% من الناخبين نظروا إليها على إنها لعبة يلعبها المساهمون الأغنياء، ومدراء الأحزاب، وصناعة الـ PR، الذين يدربون المرشحين على أن يبرزوا صورهم وان تجود قرائحهم بعبارات لا معنى لها يمكن أن تكسبهم بعض الأصوات.  وعلى نفس الشبه، هذا هو السبب الذي من اجله أعطى الناس قليل من الانتباه للحملات التي دارت ضد التزوير المزعوم لانتخابات 2004.  إذا ما استخدم المرء عملة معدنية للعبة الصورة والكتابة، فلن يثير كثير من القلق أن تكون العملة المستخدمة غير محايدة.

عام 2000، "الدراية بالقضية" (المعرفة بمواقف المنظمات التي يخرج منها المرشحون من القضايا) وصل أدنى مستوى له من كل المرات.  تتاح حاليا شواهد تدل على أنها ربما تكون اقل في 2004.  حوالي 10% من الناخبين قالوا ان اختيارهم سوف يقوم على أساس "أجندة/برنامج/ أفكار/ أهداف" المرشح؛ كانوا 6% ممن أعطوا لبوش، 13% ممن أعطوا لكيري (جالوب).  الباقي سوف يدلي بصوته بناء على ما تسميه الصناعة "كيف" أو "قيم"، وهي المقابل السياسي لإعلانات معجون الأسنان.  أكثر الدراسات عناية وجدت أن الناخبين ليست لديهم إلا فكرة محدودة عن موقف المرشح من المسائل التي تهمهم.  الذين صوتوا لصالح بوش مالوا للاعتقاد بأنه يشاركهم معتقداتهم، برغم ان الحزب الجمهوري يرفضها، غالبا بشكل واضح.  باستكشاف المصادر التي استخدمت في الدراسات، نجد أن نفس الشيء بشكل واسع بالنسبة لمن أعطى كيري صوته، إذا لم نعط تفسيرا متعاطفا بشكل كبير مع العبارات المبهمة التي ربما لم يسمع بها معظم الناخبين.

الاستطلاعات التي تمت بعد الخروج من عملية الانتخاب وجدت ان بوش كسب غالبية واسعة من هؤلاء المهتمين بخطر الإرهاب والمهتمين "بالقيم الأخلاقية"، وكسب كيري الأغلبية وسط هؤلاء المهتمين بالاقتصاد، والرعاية الصحية، ومسائل اخرى مماثلة.  هذه النتائج تدل على القليل.

من السهل الشرح بأنه بالنسبة لمخططي بوش، خطر التهديد بالإرهاب له أولوية منخفضة.  غزو العراق فقط واحد من مظاهر كثيرة لذلك.  حتى أجهزة استخباراتهم تتفق مع الإجماع الذي عليه الأجهزة الأخرى، والمتخصصين المستقلين، إن الغزو كان على الأرجح سببا في زيادة خطر الإرهاب، كما حصل؛ وربما يكون انتشار السلاح النووي هو أيضا احد الاحتمالات، كما تم التنبؤ به من قبل.  مثل هذه التهديدات هي ببساطة ليست أولويات عالية مقارنة بالفرصة في تأسيس أول قواعد عسكرية آمنة في دولة تابعة عميلة في قلب خزان الطاقة الرئيسي في العالم، المنطقة التي فهموها منذ الحرب العالمية الثانية على أنها "أكثر المناطق أهمية استراتيجية في العالم"، و"منبع مذهل للطاقة الاستراتيجية، وواحدة من أعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم".  وبعيدا عما اسماه واحد من مؤرخي الصناعة "أرباح فوق خيال كل طماع في العالم"، والتي يجب أن تتدفق في الاتجاه الصحيح، السيطرة على ما يفوق ثلثي احتياطات العالم المقدرة من الهيدروكربون (الرخيصة بشكل فريد من نوعه وسهلة الاستغلال) توفر ما اسماه مؤخرا زبجنيو برزيزينسكي "العتلة الحرجة" التي تحرك المنافسين الأوروبيين والآسيويين، وما اسماه جورج كينان من سنوات طويلة سابقة "قوة الفيتو" عليهم.  كانت هذه هي الهموم السياسية الحرجة عبر فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أكثر منها في العالم الثلاثي الأقطاب الذي يصعد اليوم، مصحوبا بخطر أن أوروبا واسيا قد يتحركان نحو استقلال اكبر، والأسوأ، قد يتحدا: أصبحت الصين والاتحاد الأوروبي شريكين تجاريين كبيرين في 2004، وقد التحق بهم ثاني اكبر اقتصاد في العالم (اليابان)، ومثل هذه الاتجاهات سوف تتزايد على الأرجح.  قبضة يد قوية على صمام الصنبور قد تقلل من هذه الأخطار.

لاحظ أن القضية الحرجة هي السيطرة، وليس الاستيلاء.  سياسات الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط كانت هي نفسها عندما كان الشرق الأوسط مصدر للنفط وفقط، وتظل اليوم هي نفسها عندما تضع الاستخبارات الأمريكية مشروعات تجعل الولايات المتحدة تعتمد على مصادر من حوض الأطلنطي أكثر استقرارا.  وسوف تكون تلك السياسات هي نفسها أيضا على الأرجح عندما تتحول الولايات المتحدة نحو الطاقة المتجددة.  الحاجة للسيطرة على "المنبع المذهل للطاقة الاستراتيجية" وان تغنم "الإرباح التي هي فوق أحلام كل طامع في العالم" سوف تبقى هي نفسها.  الركوب على آسيا الوسطى وطرق أنابيب النفط يعكس نفس المخاوف.

هناك كثير من المظاهر الأخرى لنفس نقص الاهتمام من المخططين لخطر الإرهاب.  الناخبون الذين صوتوا لصالح بوش، سواء عرفوا ذلك ام جهلوه، كانوا يصوتون من اجل ما يشبه ارتفاع مستوى هذا الخطر، والذي قد يصل إلى درجات مؤلمة: من المفهوم جيدا قبل 9-11 أن الجهاديين الذين نظمتهم الاستخبارات المركزية الأمريكية وشركاؤها سرعان ما كانوا سوف ينجحون في الثمانينات  في الوصول إلى أسلحة الدمار الشامل، بعواقبها الوخيمة.  وحتى هذه الآفاق المرعبة يتم امتدادها بشكل واعي بواسطة التحول العسكري، الذي، بعيدا عن التهديد المتزايد "بيوم القيامة النهائي" عن طريق حرب اشتعال حرب نووية بالمصادفة، يدفع بروسيا إلى تحريك صواريخها النووية عبر مساحات واسعة وهي غالبا مناطق غير محمية لمواجهة التهديدات العسكرية الأمريكية (المتضمنة التهديد بالإفناء المستمر الذي هو لب مسألة "امتلاك الفضاء" من اجل الأغراض العسكرية الهجومية التي أعلنتها إدارة بوش بالإضافة إلى استراتيجيتها للأمن القومي في أواخر 2002، لتمتد بشكل له مغزاها ببرامج كلينتون التي كانت أكثر خطورة بشكل كاف، وقد شلت قدرة لجنة نزع السلاح التابعة للام المتحدة على الحركة توا).

فيما يتعلق بـ "القيم الأخلاقية"، فقد تعلمنا ما نحتاج أن نعرفه عنهم من صحافة البزنس اليوم بعد الانتخابات، التي تنشر تقارير عن "حالة النشوة" في غرف مجالس الإدارات (ليس بسبب ان المسئولين التنفيذيين الكبار للشركات الاحتكارية الضخمة يعارضون زواج الشواذ).  وما نعرفه عن الجهود التي لا تنكر لتحويل تكلفة خدمات مخططي بوش لصالح الثروة والامتيازات إلى حساب الأجيال القادمة: التكلفة المالية والبيئية، من بين تكاليف اخرى، ولا نتحدث عن تهديد "يوم القيامة النهائي".  ذلك جانبا، وهذا يعني القليل حتى نقول أن الشعب قد صوت على أساس "القيم الأخلاقية".  السؤال هو ماذا يعنون بهذه العبارة.  الدلالات المحدودة وراءها بعض المصالح.  في بعض الاستطلاعات، "عندما كان يطلب من الناخبين أن يختاروا أكثر الأزمات الأخلاقية إلحاحا التي تواجه البلاد، 33% صرحوا إنها "الطمع والماديات"، 31% اختاروا "الفقر والعدالة الاقتصادية"، 16% سموها "الإجهاض"، و 12% اختاروا زواج المثليين" (Pax Christi).  في استطلاعات اخرى، "عندما طلب من الناخبين في العينة ان يتلوا قائمة بالقضايا الأخلاقية التي أثرت بأعظم قدر على تصويتهم، جاءت العراق في المقام الأول عند 42% منهم، بينما رأى 12% انه الإجهاض، و9% قالوا زواج الشواذ" (زغبي).  مهما كان ما يعنيه الناخبون، فمن الصعب أن يكون تلك هي القيم الأخلاقية العملية التي تراها الإدارة، وتحتفل بها صحافة البزنس.

لن امضي وراء التفاصيل هنا، ولكن النظرة الفاحصة تشير إلى أن نفس الشيء يبدو انه حقيقي مع من اختار كيري الذين اعتقدوا انهم ينادون بإعطاء انتباه جدي للاقتصاد، والصحة، واهتماماتهم الأخرى.  كما في الأسواق الملفقة التي تبنيها صناعة الدعاية، تسير الأمور هكذا في الديموقراطية الملفقة التي يديرونها، بالكاد الجمهور ليس أكثر من متفرج لا أهمية له، بعيدا عن جاذبية الصور التي بنوها بعناية فائقة والتي ليس لها علاقة بالواقع المعاش إلا بأكثر العلاقات إبهاما.

دعونا نعود إلى دليل أكثر جدية بخصوص الرأي العام: الدراسات التي ذكرتها سابقا والتي نشرت قبل الانتخابات بوقت قصير بواسطة بعض من المؤسسات الأكثر احتراما ومصداقية والتي تتابع الرأي العام بشكل منتظم.  هنا القليل من النتائج (CCFR):

أغلبية كبيرة من الجمهور تعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تقبل بتشريع محكمة جنائية دولية والمحكمة الدولية، وان توقع اتفاق كيوتو، وان تسمح للأمم المتحدة بأن تكون لها القيادة في الأزمات الدولية، وان تعتمد الولايات المتحدة على التدابير الاقتصادية والدبلوماسية أكثر من التدابير العسكرية في "الحرب على الإرهاب".  عديد من صور الأغلبية تعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تلجأ إلى القوة فقط في حالة وجود "إجماع قوي" على "الحرب الاستباقية" وان تقر بالأحرى بالتفسير الاصطلاحي لميثاق الأمم المتحدة.  بل أن أغلبية هناك حتى تفضل التخلي عن "فيتو" مجلس الأمن للأمم المتحدة، ومن هنا تتبع قيادة الأمم المتحدة حتى ولو كانت ضد تفضيلات مديري الدولة الأمريكية.  عندما ينقل عن المسئول المعتدل بالإدارة الأمريكية كولن باول قوله في الصحافة أن بوش "قد كسب تفويض من الشعب الأمريكي بالاستمرار في المضي قدما بسياسته الخارجية ’العدوانية‘"، فإنه يعتمد على الاقتراض الاعتيادي ان الرأي العام للجماهير لا يتعلق بالاختيارات السياسية للمسئولين في السلطة.

 سيكون بناءا أن ننظر بتمعن في الاتجاهات الجماهيرية حول الحرب في العراق، في ضوء المعارضة العامة لمذاهب "الحرب الاستباقية" التي يجمع عليها الحزبان الثنائيان.  عشية انتخابات 2004، "ثلاثة أرباع الأمريكيين قالوا أن الولايات المتحدة كانت يجب ألا تذهب إلى الحرب إذا لم يكن لدى العراق أسلحة دمار شامل أو إذا لم تكن تمد القاعدة بالدعم، بينما استمر نصفهم تقريبا يقول إن الحرب كانت هي القرار السليم" (ستيفن كول، في تقريره عن دراسة الـ PIPA ، التي أدارها).  ولكن هذا ليس متناقضا، كما يشير كول.  برغم أن تقارير كاي ودويلفر شبه الرسمية تنسف هذه الادعاءات، القرار بالذهاب إلى الحرب "تدعم استمراره بالمعتقدات المستمرة بين نصف الأمريكيين أن العراق قد زودت القاعدة بمساعدات ملموسة، وان لديها أسلحة دمار شامل، أو على الأقل برنامجا كبيرا لتطويرها"، وهكذا يرون الغزو كوسيلة دفاع ضد تهديد وشيك وخطر جدا.  وقد أظهرت دراسات الـ PIPA ، مبكرا جدا أن أغلبية واسعة تعتقد أن الأمم المتحدة، وليس الولايات المتحدة، يجب أن يكون لها القيادة في مثل مسائل الأمن هذه، وإعادة الإعمار، والانتقال السياسي في العراق.  في مارس الماضي، أدين الناخبون الأسبان بمرارة لتحبيذهم الإرهاب عندما اسقطوا في الانتخابات الحكومة التي ذهبت إلى الحرب رغم معارضة 90% من السكان، والتي أخذت قرارها من كراوفورد بتكساس، وكسبت الاستحسان بريادتها في تأسيس "أوروبا الجديدة" التي هي أمل الديموقراطية.  لم يلاحظ القليل من المعلقين إن لم يكن أيهم على الإطلاق أن الناخبين الأسبان في مارس الماضي كانوا يأخذون نفس المواقف التي أخذتها أغلبية الأمريكيين: التصويت من اجل عودة القوات الأسبانية إذا لم تكن تحت قيادة الأمم المتحدة.  الاختلافات الكبرى بين البلدين هي ان في أسبانيا، الرأي العام كان معروفا، بينما هنا تطلب الأمر مشروع بحثي فردي حتى نعرف الرأي العام عندنا؛ وفي أسبانيا طرحت القضية للتصويت، بينما هنا فهو تدهور فوق الخيال للديموقراطية الرسمية عندنا.

   هذه النتيجة تشير إلى أن النشطاء لم يؤدوا واجبهم بشكل مؤثر.

بالانتقال إلى  مناطق اخرى، تفضل أغلبية كاسحة من الجمهور التوسع في البرامج الداخلية: بشكل أولي الرعاية الصحية (80%)، ولكن أيضا الدعم المقدم للتعليم والضمان الاجتماعي.  نفس النتائج تم تحقيقها منذ زمن طويل في هذه الدراسات (CCFR).  تفيد تقارير الاستطلاعات الأخرى السائدة أن 80% يفضلون الرعاية الصحية المؤمن عليها حتى ولو تسبب ذلك في رفع الضرائب – في الحقيقة، نظام قومي للرعاية الصحية من المحتمل أن يخفض النفقات بشكل محسوس، متجنبا النفقات الثقيلة للبيروقراطية، والإشراف، والعمل المكتبي، وهكذا، بعض من العوامل التي تجعل من النظام المخصخص في الولايات المتحدة أكثر النظم عديمة الفعالية في العالم الصناعي.  كان الرأي العام مماثلا لذلك منذ وقت طويل، مع تغير في الأرقام بالاعتماد على كيف توجه الأسئلة.  تناقش هذه الحقائق في بعض الأحيان على صفحات الجرائد، مع اخذ تفضيلات الجمهور كملاحظات ولكن يتم إسقاطها كأمور "غير ممكنة سياسيا".  حدث هذا مرة اخرى في عشية انتخابات 2004.  فبل الانتخابات بأيام قليلة (31 أكتوبر)، كتبت النيويورك تايمز تقريرا عن أن "هناك قليل من الدعم السياسي للتدخل الحكومي في سوق الرعاية الصحية بالولايات المتحدة الأمريكية للدرجة التي تحمل فيها السيناتور جون كيري الآلام في المناظرة الرئاسية التي حدثت مؤخرا حتى يقول أن خطته لتوسيع سبل الوصول إلى التأمين الصحي سوف لن تخلق برنامجا حكوميا جديدا" – وهو ما تريده الأغلبية، كما يبدو.  ولكن ذلك "غير ممكن سياسيا"، ولا يحظى إلا "بدعم سياسي ضعيف [جدا]"، وهو ما يعني أن شركات التأمين، والتأمين الصحي، وصناعة الأدوية، وول ستريت، الخ، تعارض ذلك.

وما هو جدير بالملاحظة إن مثل هذه الآراء هي لأناس في عزلة افتراضية.  من النادر أن يسمعهم الناس، ومن الغير مرجح أن الذين يجيبون على هذه الاستطلاعات انهم يرون إن آرائهم متماثلة.  تفضيلاتهم لا تدخل في حملات سياسية، وغالبا ما تجد تدعيم من أعمدة الرأي في وسائل الإعلام والصحف.  ونفس الشيء يمتد إلى مناطق اخرى.

ماذا كانت شكل نتائج الانتخابات لو الحزبان، ايا منهما، كان على استعداد على تنسيق تمفصل هموم الناس حول القضايا التي يرونها أكثرها أهمية؟  أو أن هذه القضايا استطاعت الدخول في ميدان النقاش العام من داخل الميديا السائدة؟  نستطيع فقط الرهان حول ذلك، ولكننا نعرف إن ذلك لا يمكن أن يحدث، وان الحقائق من النادر ما يتم تسجيلها.  ليس من الصعب على ما يبدو ان نتخيل ما هي شكل الأسباب وراء تلك النتائج.

بإيجاز، علمنا القليل جدا عن أي مغزى لهذه الانتخابات، ولكننا نستطيع أن نتعلم الكثير من دراسات اتجاهات الجمهور التي يحبسونها في الظل.   رغم إن من الطبيعي أن النظم المذهبية تحاول إشاعة التشاؤم، واليأس وانعدام الأمل، الدروس الحقيقية هي جد مختلفة.  إنها دروس مشجعة ومفعمة بالأمل. تظهر هذه النتائج أن هناك فرص ملموسة للتعليم والتنظيم، تتضمن تنمية البدائل الانتخابية المحتملة.  كما في الماضي، لن تظفر بالحقوق عن طريق السلطة الخيرة، أو أن تكسبها بالنضال المتقطع – عدد قليل من المظاهرات الهائلة وبعدها يذهب كل إلى بيته، أو الدفع بعتلة في الاحتفالات الشخصية التي تقام كل أربع سنوات والتي تعرف باسم "السياسات الديموقراطية".  وكما حدث دائما في الماضي، المهام تتطلب الانخراط في عمل يومي من اجل خلق (وجزئيا إعادة خلق) الأساس من اجل ثقافة ديموقراطية فاعلة يلعب الشعب فيها بعض الأدوار في تحديد السياسات، ليس فقط في الميدان السياسي التي هو مستبعد منها لحد كبير، ولكن أيضا في المجال الاقتصادي الحاسم، الذي هو مستبعد منها كمبدأ.


نعوم شومسكي هو مؤلف الهيمنة أو البقاء: نزوع أمريكا نحو الهيمنة الكوكبية (موجود الآن في طبعة شعبية من دار اويل/متروبوليتان).

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية