الحرب هي بعد الحرب.....نابليون
بونابرت
جورج دبليو بوش أكثر الرؤوساء دموية وتهوراً في التاريخ الحديث..ديفيد
جيرجن*
لايختلف اثنان على ان أمريكا فشلت في السيطرة على العراق
منذ احتلالها له وتحشيدها لأكثر من ربع مليون جندي ومرتزق وضباط الاستخبارات
العسكرية والمخابرات والموظفين من جميع الأصناف وغيرهم بالإضافة إلى تجنيدها
لآلاف من المتعاونين والمخبرين العراقيين.
بررت أمريكا فشلها، حينا، بعدم وجود خطة لديها لما بعد الحرب وحينا آخر بقلة
أفراد قواتها المسلحة وأحيانا علقته على شماعة الأخطاء التي ارتكبتها السلطة
الإدارية للاحتلال.
كل هذا الكلام والتبريرات غير صحيحة. فبالنسبة لعدم وجود
خطة لما بعد الحرب يدحضها 17 مجلدا تضمنت الدراسات والخطط المفصلة عن إدارة
العراق بعد الحرب، قدمها معهد بوركينغز للدراسات الاستراتيجية إلى البيت
الأبيض في بداية شهر شباط، فبراير عام 2003. عكف على إعدادها 200 خبير
وأخصائي في الشؤون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والهندسية والعلمية
والنفسية والدينية والتكوينات العرقية والطائفية للعراق، كما شارك في إعدادها
عدد من المختصين العراقيين والمصريين والعرب وغيرهم وسميت المجلدات الـ 17 بـ
(خطة بناء العراق بعد التحرير). هنا نتساءل هل أن هذه المجلدات الـ 17 كانت
تحكي قصة الف ليلة وليلة؟؟ أم إنها كانت خطط ودراسات عن كيفية سرقة ثروات
وخيرات العراق وتدميره وتفتيته من أجل أمن إسرائيل وحمايتها؟!
أما بالنسبة لكفاية القوات العسكرية ، فقد أصر رامسفيلد،
وزير الدفاع، ويصر إلى الآن، إنها كافية لإنجاز المهمة ( المستحيلة ) في
العراق، وهذا ما أكده القائد العام للقوات المسلحة الأمريكية الرئيس بوش،
ولكنه ومن باب الاحتياط، قال: إذا ما طلب القادة العسكريون مزيدا من القوات
فأنه سيلبي طلبهم.
وأما الأخطاء، وما أكثرها، فان الأشخاص الذين ارتكبوها لم
يكونوا أغبياء وسذج ولا يعرفون ما يفعلون، بل كانوا ينفذون السياسة المرسومة
بدقة وعناية سلفا.
إذا ما الذي حصل؟ ولماذا فشلت أمريكا مشروعها المدروس
بعناية، لجعل العراق النموذج لكي يحتذى في المنطقة ؟ ولماذا خسرت أمريكا
الحرب وانتصرت في جميع المعارك التي خاضتها في العراق؟ وما هو دور الفلوجة في
فشل المشروع الإمبراطوري الأمريكي؟!!
قبل أن نجيب على هذه الأسئلة نود أن نوضح ما يلي:
أن الاستراتيجيون الأمريكيون صنعوا إطارا ( برواز) للعراق
والمنطقة وفق مقاساتهم وتصوراتهم المفاهيمية وحددوا الأبعاد الهندسية لهذا
الإطار وفق الآليات الحسابية المستخدمة عندهم، وليس وفق مقاسات العراق
والمنطقة، وعندما أرادوا، بعد الاحتلال تركيب الصورة العراقية في داخل الإطار
المعد سلفا، فإذا بالصورة متعرجة وغير منتظمة الأبعاد وتعسر عليهم تركيبها في
الإطار، فوقع مصممو الإطار في ورطة، هل يفككون الإطار ليتلاءم مع الصورة أم
يشوهون الصورة لتلائم الإطار. شمروا عن سواعدهم، يحذفون من هنا ويقصون من
الأعلى ويخرمون من الأسفل، وبما إن الإدارة الأمريكية ورئيسها ومساعديه من
المحافظين الجدد، قد قفلوا على أفكارهم، يبدوا انهم قرروا تشويه الصورة
بالكامل لتلائم حجم الإطار، فتاهت عليهم الحسبة كما يقول المثل العراقي
الشعبي ووقعوا في ورطة ما بعدها من ورطة. أما كيف تاهت عليهم الحسبة؟ وتورطت
أمريكا كالخنفسانة التي وقعت على كومة صوف ( هذا المثل يعرفه العراقيون
جيدا). و لم تتوقع أن الشعب العراقي، الموصوف في القرآن الكريم بأنهم ( أولوا
بأس شديد )، سيثورون عليهم ويفتحون عليهم أبواب الجحيم، هذا الشعب المجبول
على العناد والإصرار على حقه، لم يمهل قوات الاحتلال فرصة لالتقاط الأنفاس
لحظة واحدة منذ يوم 9 نيسان، ابريل 2003 ، بل أفسد عليهم، حتى احتفالهم
بالانتصار الموهوم، وإذا بالعراق العظيم يتحول إلى كابوس يجثم على صدرها
ويخنقها خنقا، و النزهة في ربوع بلاد العباسيين تتحول رعبا وهولاً، وخيرات
العراق وثرواته تغدوا علقما مرا بل سما قاتلا . وانطلقت المقاومة العراقية
الباسلة مزمجرة لتقلب جميع الخطط التي وردت في المجلدات الـ 17 والمائدة على
رؤوس المسئولين في الإدارة الأمريكية التي انخدعت بمعسول كلام العملاء
والخونة. وبدأت أمريكا تتمرغ وتغوص في وحول المستنقع العراقي الذي لا قرار
له.
تنبأ إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق مبكرا بأن الغزو الأمريكي
للعراق, عندما يتحول إلى احتلال فسوف يتحول إلى فشل لأن الأوضاع ستزداد
سوءا, وستضطر الولايات المتحدة لإنهاء احتلالها ذات يوم ومن ثم سيتم تفسير
ذلك على أنه هزيمة لأمريكا... وقد قال باراك ذلك حرفيا لنائب الرئيس
الأمريكي ديك تشيني وأضاف: إن هزيمتكم في العراق لم تعد محل شك ولكن تبقي
معرفة حجم الإذلال الذي سوف تتعرضون له. لا نعلق على الكلام لأنها واضحة
كعين الوزة!!
يتفق معظم المحللين على أن أمريكا ستنتصر في جميع معاركها
في العراق، بفضل إمكانياتها وقوتها العسكرية الغاشمة، ولكنها بالتأكيد سوف لن
تنتصر في الحرب ولن تبقى في العراق مطلقا، وتخرج منه ذليلة، تلاحقها عقدة
العراق لأجيال قادمة لتضيف إلى جروح فيتنام جرحا لا شفاء منه.
يقول الكاتب الأمريكي جارلس ريس: بالطبع أن القوات الأمريكية المدججة بالسلاح
تستطيع أن تنتصر في أي معركة مواجهة تخوضها في العراق، ولكن ليس هناك ما يسمى
( معركة حاسمة) في حروب التحرير التي تعتمد على أسلوب حرب العصابات، لقد
انتصر الأمريكيون في جميع معارك المواجهة التي خاضوها ضد الفيتناميين، ولكن
من انتصر في الحرب في النهاية؟ الجواب، الفيتناميون. وهكذا سينتصر العراقيون.
وقال توبي دودج وهو محلل لشؤون العراق في جامعة كوين ماري بلندن: لا اعتقد
انه يمكن كسب هذه الحرب لأنها أثارت استياء قاعدة الدعم في شتي أطياف المجتمع
العراقي.
تستطيع أمريكا احتلال الفلوجة أو حتى إزالتها عن الخارطة أو
احتلال وإزالة أي مدينة اخرى في العراق وتبيد سكانها المدنيين ولكن هل ستتمكن
من القضاء على إرادة العراقيين الصلبة وتصميمهم الحديدي على تحرير وطنهم
المحتل واستعادة كرامتهم وحريتهم واستقلالهم؟ الجواب كلا، لأن التاريخ
يخبرنا، أنه ما من احتلال دام وما من قوة غازية معتدية، استطاعت كسر إرادة
وشوكة المناضلين المدافعين عن أوطانهم من اجل تحريره من نير الاستعمار
والاحتلال، فالأمثلة التاريخية كثيرة، ليس بنا من حاجة إلى تكرارها.
يستطرد جارلس ريس قائلا: العراقيون لا يريدوننا ولا
يدعموننا لأننا الغزاة الأجانب وسنرحل عاجلا أم آجلا عن بلادهم، إما
المقاومون فهم من أهل البلد ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، وان الشعب
يؤيدهم و يدعمهم.
فكلما تمادت قوات الاحتلال في همجيتها وشراستها، ازداد
تأييد الشعب للمقاومة، وهكذا كان الأمر في فيتنام والجزائر وفلسطين وغيرها
وهذا هو ما يحدث في العراق الآن.
اقترفت أمريكا خطأً كبيرا وفادحا بتدمير الفلوجة وقتل
المئات من أبنائها في عملية ابادة جماعية التي تعتبر بجميع المقاييس
القانونية والإنسانية والأخلاقية والدينية جرائم حرب يحاسب عليها جميع الذين
خططوا له ونفذوه. إن تدنيس وتدمير المساجد في الفلوجة وقتل الجرحى فيها بدم
بارد تأتي في قمة الجرائم التي ارتكبتها القوات الغازية وسوف لا تفارق
الذاكرة الجمعية للشعب العراقي والأمة العربية والإسلامية لأجيال وأجيال، وهي
بهذا العمل الجبان الأهوج زادت من مساحة الحقد والكراهية لها ولقيمها التي
تتبجح بها وعمقتها في العالمين العربي والإسلامي.
أمريكا فقدت إنسانيتها في الفلوجة ولطخت سمعتها وأسقطت هيبتها، لا نقول
مصداقيتها لأنها مفقودة أصلا، وانتهكت جميع القوانين الدولية والقانون الدولي
الإنساني والشرائع الوضعية والسماوية.
بدأت حرب تحرير العراق الفعلي، في اللحظة التي اجتاحت
القوات الأمريكية، الفلوجة. ولن تستطيع إيقافها مهما أوتيت من قوة، اللهم ألا
إذا لجأت إلى نفس ما فعلتها ضد هيروشيما وناكازاجي، وعندها لن تستطيع تحمل
النتائج السياسية والقانونية لهذه المجزرة الإنسانية.
لقد أعطت، بهذه العملية الهمجية، دفعة قوية وعجلت في معركة
تحرير العراق وشحنة كبيرة لأبناء الشعب العراقي المترددين عن الالتحاق بصفوف
المقاومة للانخراط في صفوفها. فهل حققت ما كانت تهدف إليه، أم أنها عمقت من
ورطتها وعجلت في هزيمتها وهروبها من أرض أبو الأنبياء؟
لا تدرك أمريكا ولا تعي ولا تفهم طبيعة المجتمع العراقي، أن جرائمها في هذه
المدينة الباسلة قد خلق مقاومين أكثر مما قتلتهم، أن مبدأ الأخذ بالثأر، مهما
طال الزمن، هو من طبيعة المجتمع العراقي لمساسه بشرف العائلة والقبيلة معا.
فهل تدرك أمريكا هذه الحقيقة؟
أتبجحت بأنها قصمت ظهر المقاومة في الفلوجة، فإذا بمدن
العراق تشتعل نارا تحت أقدامهم وفتح المقاومون أبواب جهنم لهم، مما أرغم
جنرالا أمريكيا إلى القول بأنه كان من السابق لأوانه الادعاء بأن الهجوم
الشامل على الفلوجة هذا الشهر قد قصم ظهر التمـرد ( رويترز 20/11). وأنقلب
السحر على الساحر فإذا بفلوجة الباسلة تقصم ظهرها في العراق.
حرب العصابات تعتمد على الكر والفر، وعلى استراتيجية اضرب
وانسحب، ففي حرب العصابات ليس هناك أية أهمية لفقدان الأرض أو المدينة أو
القرية أو احتلالها من قبل الغزاة المحتلين لأنها مؤقتة، بالعكس قد يكون
تكتيكا لسحب القوات الغازية إلى مقتلها، لتكون مصيدة وكمينا لاستنزافه رويدا
رويدا. وهكذا ستكون الفلوجة في قادم الأيام.
وكما حدث في فيتنام، فأن إحراق ابادة سكان مدينة ( هو) لم
تنهي المقاومة الفيتنامية، وإنما أصبحت رمزا لها، أمدت الحرب التحرير الشعبية
بآلاف المقاتلين وأذكت أوارها، وسجل التاريخ قصتها كرمز شامخ للبطولة
والفداء، كما سيفعل لمدينة الشهداء الأبرار، الفلوجة الأبية العصية على
الأعداء والمارقين.
أن أمريكا بكل استخباراتها وتكنولجيتها وقواتها وطائراتها
وأساطيلها لا تستطيع أن تمنع وطنيا نذر نفسه للاستشهاد من أجل وطنه وشعبه
ومعتقداته.
يقول جارلس ريس، أننا جيدون في الحرب التقليدية ولكننا
فاشلون في الحرب ضد المقاومة، ليس هناك من ضوء في نهاية النفق، أن
استخباراتنا فاشلة في العراق ولا تستطيع التمييز بين الأشرار (المقاومين)
والجيدين (العملاء)، تماما كما كنا في فيتنام، فلا ندري الموظف العراقي الذي
يعمل معنا، هل هو معنا بالفعل أو أنه يتجسس علينا ويعمل لصالح
المقاومة؟!!!... أن استمرارية هذه الهجمات ستقضي على إرادتنا ورغبتنا في
مواصلة الحرب و تجعل المقاومة تنتصر في النهاية.
في نوفمبر/تشرين الثاني 1964 علّق السفير الأمريكي في سايجون، ماكسويل تيلر
بالقول إن القوات الفيتنامية لديها “مقدرة عجيبة على الاحتفاظ بالروح
المعنوية” وأنها قادرة “باستمرار على إعادة بناء وحداتها والإفادة من
خسائرها”. وتفجّع تيلر قائلاً، إن هذه هي “إحدى عجائب حرب العصابات هذه”.
أعترف المسؤولون الأمريكيون، الكبار منهم والصغار، بقوة
وشراسة المقاومة العراقية وحسن تنظيمها وتدريبها وحرفيتها العالية في القتال
وتمتعها بالمعنويات الحديدية، وإنها نجحت في زيادة وتائر عملياتها الدقيقة
بحيث وصلت خلال الشهر المنصرم إلى 2400 عملية.
يقول المحلل السياسي والصحفي فاضل البدراني من الفلوجة
للجزيرة نت: فمع أن القوات الأميركية تمكنت من السيطرة على الشوارع الرئيسية
في المدينة, إلا أن المقاومين، تمكنوا من قلب موازين اللعبة وباتوا الآن في
موضع الهجوم بدلا من أن يكونوا في موضع الدفاع كما كانوا من قبل.
حرب الفلوجة لن تنتهي بسرعة كما يتوقع البعض، إنها الشرارة التي عجلت في
تحرير العراق من دنس الاحتلال البغيض. لقد اعترفت قوات الاحتلال نفسها بضراوة
القتال وشراسة المقاتلين العراقيين وخفة تحركهم في ميدان القتال واستماتتهم
في الدفاع عن مدينتهم ورغم استشهاد العشرات من المقاومين، إلا أنهم كبدوا
الغزاة عشرات القتلى والمئات من الجرحى، و بالرغم من التعتيم الإعلامي الذي
تمارسه القوات الأمريكية في العراق وتحديداً حول عملية الهجوم العسكري
المسماة “الشبح الغاضب” إلا أن تداعياتها بدأت تظهر في مدن أخرى حيث ظهرت
مجاميع من المسلحين، الملثمين وغير الملثمين، بالقاذفات والرشاشات في شوارع
الموصل وبغداد وبعقوبة والرمادي وكركوك والاعظمية معقل المناضلين الأشاوس،
متحدين بذلك جبروت الطغاة المارقين.
الولايات المتحدة خسرت حرب الفلوجة مثلما خسرت قبلها حرب
العراق رغم انتصاراتها البائسة في المعارك التي جرت، لان احتلالها للعراق لم
يؤد إلى استسلام أهله، وخنوعهم للاستكبار الأمريكي.
أمريكا احتلت العراق في 21 يوما ولكنها عجزت أن تحتل مدينة
الفلوجة خلال 18 شهرا، هل سأل احد من الأمريكيين وأشقائنا العرب والمسلمين
أنفسهم، لماذا؟
لا نريد في هذه السطور أن نتحدث عن الحكومة العراقية
المؤقتة المعروفة للقاصي والداني ممن تتشكل وكيف، وتخدم من ولماذا. أن التحدث
في صغائر الأمور لا تجدي نفعا، ولكننا نقول أن جميع تصريحاتهم وعنترياتهم، ما
هو إلا ( ثرد في خارج الصحن).
يقول الكاتب الأمريكي ديفيد أدوردز: في حقيقة الأمر، لم
يصدر علاوي ذلك الأمر ( أمر الهجوم على الفلوجة)، بل أبلغه الأمريكيون بما
يتعيّن عليه قوله، والهدف ليس القضاء على الإرهابيين بل سحق معارضة تقاوم
السيطرة الأمريكية على العراق.
ويضيف، لقد ركزت التغطية الإعلامية للهجوم على الفلوجة
وبصورة مكثفة على وحدة كوماندوز عراقيين دربهم الأمريكيون، ويشاركون في
الهجوم، وقد علمنا أن الوحدة العراقية تضم 200 ( مائتين) جندي فقط يقاتلون
إلى جانب 12000 جندي من مشاة البحرية الأمريكية “المارينز”. والبطولة
الدونكيشوتية الوحيدة التي قامت بها الوحدة العراقية، هي احتلالهم للمستشفى
العام وإلقاء القبض على الأطباء والمرضى وسرقة محتوياتها!!!
وكما كان الأمر في فيتنام، فلن يتوقف الذبح والتدمير
والابادة الجماعية في العراق إلا عندما ينهض أصحاب الضمائر الحية من أحرار
العالم وشرفائه، ويفضحون الجرائم البشعة التي ترتكب ضد شعب، علم الإنسانية
القراءة والكتابة واخترع لها العجلة، روح التكنولوجيا الحديثة، وعلمها تشريع
القوانين. والى أن تصحوا الإنسانية من غفوتها، فأن الشعب الذي وصفه القرآن
الكريم بـ (أولوا بأس شديد). سيقاوم المعتدين ويقاتلهم إلى أن يتحرر كل شبر
من أرض العراق الطاهر.
لقد فتحت أمريكا على نفسها أبواب جهنم ولا تستطيع إغلاقها،
إذا جاز لنا استخدام تعبير الرئيس الفرنسي جاك شيراك.
نحن لسنا من دعاة الطائفية، ونمقت من يتمسك بها أو يروج لها
مهما كان انتمائه المذهبي، أننا نؤمن إيمانا شديدا بوحدة الشعب العراقي بجميع
أطيافه وانتماءاته وأعراقه، شرط أن تكون الوطنية والانتماء للعراق الحر
المستقل المرجعية العليا، ولكننا نرى، مع الأسف الشديد، ومن خلال سير الأحداث
المروعة والقتل المنظم للعرب السنة في المنطقة التي أطلقوا عليها تسمية
المثلث السني، تحت ذريعة القضاء على الإرهاب والإرهابيين، يؤشر إلى أن هناك
مخططا لئيما لإبادة هذه الشريحة المهمة والأساسية من الشعب العراقي، ومما
يزيدنا ألماً ويحز في نفوسنا، هو اقتناع بعض الأطراف العربية والدولية،
بالحجج الأمريكية الواهية والمضللة. إن الهجوم الغاشم الذي شنته القوات
الأمريكية ضد مدينة الفلوجة بحجة إيوائها للمدعو أبو مصعب الزرقاوي وجماعته
هي ذريعة مضللة وغير صحيحة، مثلها مثل ذريعة أسلحة الدمار الشامل وعلاقة
العراق مع تنظيم القاعدة التي تبين بطلانها وكذبها وزيفها. فهل يصًدق الذين
كذبوا على شعبهم وعلى العالم، أكثر من 237 مرة ، لتبرير شن العدوان العسكري
الغاشم ضد العراق واحتلاله وتدميره؟. هل يصدق الذين سيدخلون قائمة جينز
للأرقام القياسية في الكذب والتضليل والخداع. الجنرال الأمريكي لانس سميث
أعترف في مؤتمر صحافي عقده يوم 16/11 في واشنطن قائلا إن أقل من 2% من اصل
الف شخص اعتقلتهم القوات الأمريكية في ختام معارك الفلوجة كانوا من جنسيات
أجنبية. أي إن عدد هؤلاء لا يزيد عن عشرين شخصا في أفضل الأحوال.
ولكنهم ومن قبيل ترك خطاً للرجعة، روجوا قبل الهجوم الغاشم،
روجوا لاحتمال هروب الزرقاوي وجماعته من الفلوجة.. السذج هم الذين يقتنعون
بخرافة الزرقاوي ومن لف لفه. سنترك الحديث عن الزرقاوي والإرهاب والإرهابيين
إلى مناسبة اخرى.
إننا علي أعتاب اكتشاف أبعاد المجزرة الأمريكية البشعة في
الفلوجة، فعندما يرفع الستار ويطلع العراقيون، ومن ثم الرأي العام العالمي،
على ما حدث في هذه المدينة من قتل للمدنيين وتدمير لبيوتهم ومساجدهم ومشفاهم،
ومآسي جرحاهم الذين لم يجدوا العلاج وقتلوا في بيوت الله بدم بارد، سيعرف
العالم حجم حرب الإبادة التي تشنها الولايات المتحدة ضد العراقيين.
الإنسانية أمام مفترق الطرق، والمنظمات الإنسانية والدولية
وفي المقدمة منها الأمم المتحدة، لو لم تتحرك وتطلب إجراء تحقيق شامل لما جرى
في الفلوجة خاصة والعراق بعامة، كما فعلت الأمم المتحدة بعد مجزرة صبرا
وشاتيلا وقانا. فإن لم تفعل، وتكتفي بإصدار البيانات الخجولة المترددة
والبائسة، فإنها ستكون مسئولة أمام التاريخ وتعتبر شريكة في اقترافها من خلال
تسترها عليها.
نحن نفهم ونتفهم حراجة موقف السيد كوفي عنان، الذي سيدحرج
رأسه الأمريكان قريبا بسبب تصريحاته بشأن عدم شرعية الحرب على العراق ونبذه
لفكرة الحرب الاستباقية وخطابه الأخير أمام الدورة 59 للجمعية العامة للأمم
المتحدة، ولكن التاريخ يسجل للرجال شجاعتهم والتزامهم بالحق في اللحظة، ولم
تقرأ أن التاريخ قد مجد جبانا أو خائنا أو ذليلا، فهذه هي فرصة السيد عنان
ليثبت للعالم بأنه رجل شجاع لا يهاب في الحق لومة لائم ويدخل التاريخ من أوسع
أبوابه، كما دخل سلفه داغ همرشولد. فعليه أن يغتنم هذه الفرصة التاريخية
ويطلب تشكيل لجنة دولية محايدة لتقصي الحقائق عما جرى في الفلوجة الأبية
المنكوبة.
فهل يفعل؟؟! نتمنى ذلك.
كتب وولتر رسل ميد، أحد أبرز المحللين الاستراتيجيين في
مركز هنري كيسينجر للأبحاث: قائلا: “بوش سيحاول في ولايته الثانية حجز موقع
له في كتاب التاريخ. بيد أن نجاحه أو فشله في ذلك، سيعتمد على نجاحه أو فشله
في العراق. لم يعد لدى بوش الآن مبررات للتردد. فهو يمتلك تفويضا، ويسيطر على
مجلسي الكونجرس، ويهيمن بشكل كامل على آلة السياسة الخارجية. الحرب في العراق
هي من اختياره، ومن تخطيطه، وتحت قيادته، وهو سيكون في وضع جيد مع التاريخ
إذا ما تمكّن ولو بعد سنتين من تهدئة العراق”.
ولا يسعنا هنا ردا على ما كتبه وولتر رسل ميد، إلا إعادة ما
قاله ديفيد جيرجين: أن جورج دبليو بوش هو أكثر الرؤساء دموية وتهورا في
التاريخ الحديث.
نعتقد انه سوف لا يحجز شيئا أكثر من هذا القول البليغ.
اللهم احفظ العراق وأهل العراق
وجدي أنور مردان هو دبلوماسي
عراقي سابق تركماني الأرومة وكاتب وطني مرموق
* ديفيد جيرجين : أستاذ العلاقات الدولية في
كلية جون اف كينيدي في جامعة هارفرد، ومستشار سياسي لأربع رؤساء للولايات
المتحدة الأمريكية. العبارة بدأ بها مقاله المنشور في جريدة نيويورك تايمز
يوم 18/11/2004 تحت عنوان (The Power of One )
|