بينما تخترق القوات الأمريكية أعمق أعماق مدينة الفلوجة
بقوة تدميرية اكبر، ينخرط كل من اللاعبين الكبار لهذه الدراما القاتلة في
حسابات متقلبة دوما ومعقدة تتعلق بسبل توجيه الأحداث إلى مصلحتهم. من بين
العديد من النتائج الممكنة لمعركة الفلوجة، تتلو أربع نتائج تبدو أكثرهم
قبولا في الظاهر، تلك التي تبدأ بالنتيجة التي تراها إدارة بوش أكثرها
ايجابية. في المجموع، تعطينا هذه النتائج صورة عبوس عن الكيفية التي أغلقت
فيها نوافذ النجاح على المخططين الاستراتيجيين الأمريكان في العراق. حتى
"أفضل" النتائج أدناه (من وجهة نظر الإدارة) قد فقدت جاذبية الحرية
والديموقراطية التي ساعدت على تبرير الغزو الذي حدث منذ تسعة عشر شهرا.
حل حماة: في 1982،
اخمد الرئيس السوري حافظ الأسد ما كاد أن يصبح تمردا في عموم البلد قام به
ثوار دينيون متعاونون مع الإخوان المسلمين بقتل ما يربو على 20 الف من سكان
مدينة حماة، وقد سوى في هذه العملية بشكل جوهري أحياء وسط المدينة بالأرض.
كنسخة عراقية من "حل حماة"، سوف يستولي الأمريكان وحلفاءهم العراقيون بشكل
سريع نسبيا على مدينة الفلوجة – مهما كانت تكلفة ذلك على بنيتها التحتية
الأساسية – في عملية قتل للغالبية من مقاتلي المقاومة في المدينة جنبا إلى
جنب مدنيين لا عد لهم من الذين كانوا فقراء، يافعين، أو شيوخا، أو مترددين
لدرجة لم يستطيعوا بها الفرار من المدينة قبل غزوها. سوف تمثل الفلوجة بعدئذ
كنموذج للرعب لإرهاب المدن العراقية الأخرى المتمردة. نهاية تمرد الشيعة من
أنصار مقتدى الصدر، مهما كان مؤقتا، في أوائل الخريف زاد من احتمالات نجاح
مثل هذه التحركات، والتطهير الذي قامت به القوات الأمريكية من النجف في
الجنوب ومن أحياء الشيعة العشوائية في مدينة الصدر ببغداد. في نفس الوقت،
التهديد بهجوم كاسح على الفلوجة، والذي استمر لمدة شهور من قبل، يبدو انه
أحدث انشقاقات في المقاومة بين جماعات السكان الأصليين الذين يبحثون عن حلول
سياسية يمكنها تفادي خسائر كبيرة بين المدنيين وبين الجماعات الأصغر من
المجاهدين الأجانب، الذين لا تربطهم علاقات قربى محلية والمصممين على القتال
حتى الموت.
من الناحية الأخرى، قعقعة
السيوف التي استمرت كل هذه الشهور سمحت بشكل واضح للعديد من المحاربين
المحليين والقادة الجهاديين بمغادرة المدينة قبل أن يبدأ الغزو، وهو تطور طرح
مشكلة أمام المخططين الاستراتيجيين الأمريكان وحكومة إياد علاوي المؤقتة
بينما هم يبحثون عن سبل سريعة لتهدئة المثلث السني الأكبر من اجل الانتخابات
المزمع عقدها في يناير القادم. على كل، في الأسبوع الماضي، أعاد المتمردون
احتلال وسط مدينة الرمادي، وقاموا بهجمات ضارية في سامراء، واشتبكوا في قتال
صريح في أحياء بغداد، وتركوا السلطة في الموصل تترنح تحت ضرباتهم، بينما
انشغلت القوات الأمريكية بمعركة الفلوجة – وتلك هي بعض قليل من مؤشرات عديدة
تشير إلى أن التمرد في العراق، مهما كان ما يحدث في الفلوجة، في وضع يوصف بأي
شيء إلا انه هزيمة.
إلا أن إذا كان عددا له
وزنه من مقاتلي المقاومة قد قتل من اجل استعادة الفلوجة ودفع قوات التمرد في
المدن الأخرى، يستطيع المخططون الاستراتيجيون الأمريكان على الأقل الأمل في
أن يكونوا على الطريق لتهدئة العراق السني بشكل محدود. ربما يتم شراء زعماء
من السنة فيما بعد أو ضمهم ويتم قتل عدد من الأنصار، أو المقاتلين، أو
المدنيين في أماكن اخرى لتهدئة البلد في الشهور القليلة التالية. سوف يحظى
العراق بعد ذلك بانتخابات "ناجحة"، ولسوف تتنفس إدارة بوش الصعداء بعدها
براحة كبيرة. وهكذا أيضا سوف يفعل إياد علاوي رئيس الوزراء الذي، طبقا
لأقوال احد المسئولين العراقيين الكبار الذي تحدثت معه في الأيام الأخيرة،
تعلوه زرقة الكمد والغيظ لأن الأمريكيين قد تجاهلوه عندما تفاوضوا لوضع نهاية
لحصار النجف. (طبقا لمصادري، يد علاوي المجبورة برباط ضاغط قد تمزقت أربطتها
العضلية أثناء رحلته الأخيرة لنيويورك عندما "خبط يده بشدة على الحائط" غيظا
حين علم بلقاء سري بين السفير الأمريكي جون نجروبونتي وقيادات متمردي
الشيعة). بتمثيلية مصطنعة أو بأخرى، في سياق هذا السيناريو، سوف تعني
"الديموقراطية" تمديد لحكومة علاوي بواسطة انتخابات محدودة تحت السيطرة.
العنف الذي يبدو بلا
نهاية والمستمر في المناطق الفلسطينية المحتلة تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي
يذكرنا أن تهدئة شعب محتل هي مهمة لا تنتهي. ولكن ببساطة لو تم كتم التمرد،
كما تتعشم إدارة بوش، حتى إذا ما عاد في الربيع القادم إلى الظهور على السطح
مرة اخرى، فإنها ستكون حينئذ مشكلة الحكومة العراقية المنتخبة. في نفس الوقت
الذي سوف تسحب فيه القوات الأمريكية بشكل واسع إلى نحو عشر قواعد كبرى أو
أكثر حيث تقلل بذلك من الخسائر الأمريكية؛ على انهم يستطيعون استدعائهم مرة
اخرى إلى الحركة في أي وقت تهدد فيه أعمال المقاومة المسلحة بانفلات الأمور.
حينئذ سوف تأخذ العراق مكانها بجوار كولومبيا، وإسرائيل، وسريلانكا، لنسمي
فقط قليل من البلاد العديدة المنكوبة بالعنف السياسي "المدار بشكل قصدي"
والمستمر – بينما تبقى الولايات المتحدة صاحبة ثاني اكبر احتياطات بترولية في
العالم مستقرة القدمين. هذا هو أفضل خيار متاح اليوم أمام إدارة بوش.
سيناريو جنين: لو
تم إخضاع الفلوجة بشكل كبير ولكن القتال على مستوى أدنى استمر لأسابيع أو
لشهور في شوارعها الخلفية، قد تتزايد الفوضى وتضعف السلطة عبر البلد كله،
لتدفع في اتجاه حجب أو تأجيل انتخابات يناير، ومع ذلك قد لا تتطور الحالة
العامة كلها بالكامل خارج السيطرة الأمريكية. سوف تبقى حكومة علاوي بشكل أو
بآخر في السلطة في بغداد وتستطيع قوات الولايات المتحدة أن تستمر في احتلال
البلد بشكل غير محدد الأمد (تحت حجة أن الولايات المتحدة لا تستطيع مغادرة
العراق في وسط هذه الفوضى). سوف تنهك طاقة التمرد ببطء على مدى أطول من
الزمن، ممهدة الأرض لنظام ما بعد الاستقلال في وضع مفضل للمصالح الأمريكية.
هنا، قد يبرهن نموذج حصار
إسرائيل عام 2002 لمعسكر اللاجئين الفلسطينيين في جنين على انه النموذج
المثال لحملة الفلوجة الحالية. لقد أثار هذا الحصار حنق، وعنف، وفوضى لا
تصدق في المجتمع الفلسطيني وغضب وحنق على المستوى العالمي، ولكن عندما هدأ
الغبار – كما يحدث دائما – كان وضع إسرائيل الاستراتيجي فعليا أقوى مما كان
عليه من قبل.
حتى ولو لم يستقر الغبار
تماما بشكل مفيد هكذا في العراق، أو لم يستقر على الإطلاق، يستطيع صقور إدارة
بوش تحويل الفوضى في مستواها الأدنى إلى مصلحتهم المباشرة عن طريق السماح
بها، أو تشجيعها، لنشرها إلى سوريا (التي شنت الولايات المتحدة مؤخرا بجوار
حدودها مع العراق حملة دموية على بلدة تل عفار) أو إلى إيران (المستهدفة من
كبار مسئولي إدارة بوش، بغض النظر عن أي صفقة نووية يوقعها قادتها مع
الأوروبيين). في الواقع، من المعروف جيدا أن مدربين ميدانيين إسرائيليين
يعملون مع الأكراد على الحدود مع كلا البلدين من اجل جعل مثل هذا السيناريو
قابل للتنفيذ عمليا. في نفس الوقت، طبقا لأقوال المسئولين العراقيين الكبار
الذين تحدثت معهم، نقبت شركات البترول الأمريكية 90% من الأراضي العراقية حيث
توجد احتياطات البترول المقرر استخراجها، وهي مناطق خالية من تقارير الميديا
المربكة التي تركز على العنف في المناطق الحضرية بأكثر من مناطق البترول
الصحراوية. سوف تبقى الخسائر الأمريكية أيضا محدودة؛ واهتمام الميديا
متواضعا؛ وهكذا سوف يبدو سيناريو جنين، تحت ظروف معينة، على انه انتصار هادئ
ولكن له مغزاه حققته إدارة بوش.
الحل "البريطاني"
(إعادة زيارة لعام 1920): إذا ما كان رد فعل غزو الفلوجة عكسيا – إذا ما
اتسعت دائرة القتال، ولو كان، على سبيل المثال، هناك دلائل على خسائر مفجعة
بين المدنيين، ربما عن طريق إذاعتها على العالم بواسطة مراسل قناة الجزيرة
الرهيب عن طريق كاميرا هاتفه النقال – قد تلتهب مشاعر الغضب لدى الرأي العام
العراقي إلى درجة اشتعال ثورة سنية عامة أو بشكل له ثقله الأكبر ثورة شيعية
سنية معا. هذا قد حدث فعلا في 1920 عندما حاولت القوات البريطانية استخدام
القوة الكاسحة لإخماد البلاد وكانت النتائج هلاكا بالنسبة للمحتلين (وأيضا
الرازحون تحت الاحتلال)؛ أو إذا ما أثبتت المقاومة في الفلوجة أنها عصية أكثر
أو إنها أفضل تسليحا مما كان يفترض المسئولون العسكريون الأمريكيون وكانت
قادرة على مواصلة القتال حتى الوصول إلى حل تسوية اليائسين على نفس الخطوط
التي بناء عليها أصبح إبرام تسوية حصار النجف أمرا لا مفر منه، ربما يتم
تشجيع التمرد أيضا؛ ولو كان المتمردون، وكان معهم شهور من التخطيط، تركوا قوة
صغيرة للقتال من اجل التعطيل فقط ضد القوات الأمريكية وحلفائها العراقيين
وكانوا قادرين على شن تمرد أوسع وأكثر استدامة عبر المناطق السنية (وأجزاء من
المناطق الشيعية) في العراق، كما يتزايد احتمالات ترجيح انه كذلك، سوف تكون
النتيجة هي نفسها في هذه الحالة.
أي من هذه التطورات أو أي
خليط بينهم سوف يدمر ما بقي من مصداقية للأمريكان وللحكومة العراقية المؤقتة.
وإذا لم يتم احتواءه، التمرد الحالي، الذي يواجه القوة الأمريكية الكاسحة
والتي تضرب نسبيا بلا تمييز، فذلك قد يشعل تمردا عاما بشكل اكبر، وتنضم إليه
أعداد لها وزنها من الشيعة (قادتهم على عكس الحصار الأول للفلوجة في ابريل
احتفظوا نسبيا بهدوئهم). هذا التمرد الذي سوف يكون وقوده هو مخزون الغضب
الذي يشعر به بلد رأى عددا يقرب من مائة الف من مواطنيه يقتلون خلال الثمانية
عشر شهرا الماضية. وبينما لا تضع إدارة بوش في حسبانها التكلفة السياسية
للانسحاب، فهي بدورها تصعد من العنف (كما فعلت في فيتنام) قبل أن تفكر جديا
في استراتيجيات الانسحاب، آملة في أن عواقب موت مزيد من عدة عشرات من الآلاف
من العراقيين سوف يؤدي بالعراقيين إلى القبول بشكل من أشكال الوجود العسكري
الأمريكي المستمر في البلد، والأكثر أهمية، وجود يد مستديمة في إدارة موارد
البلد البترولية.
السيناريو "الفرنسي":
أي نسخة من طبعة الحل "البريطاني" قد تؤدي، سريعا أو فيما بعد، بإدارة بوش
إلى الدخول في أحراش السيناريو "الفرنسي" الذي هو حتى لن يؤدي إلى استقرار
الأمور. في هذا السياق، الوعي المتنامي لتكلفة الثمن الإنساني للاحتلال،
مصحوبا بمستويات الفساد السياسي الذي ينتشر باطراد فعلا سوف يمنح القوة
للرغبة في تدويل المرحلة التالية من انتقال العراق إلى السيادة الكاملة.
(احد مساعدي علاوي الكبار، الذي فر من البلد حديثا، لخص اليأس العراقي من
قضايا الفساد ناعيا لي أن "النظام الجديد هو نفس النظام القديم لصدام، فقط
مجرد وجوه مختلفة"). قد يتضمن السيناريو "الفرنسي" وساطة فرنسا، وألمانيا،
وأسبانيا، بانضمام السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي انان لهم مدعومين
بالحركة العالمية الحاشدة المعادية للحرب التي تثيرها الأهوال الجارية في
العراق الآن. وبينما ما يزال العصيان المسلح دائرا في العراق اليوم، سوف
ينشأ الضغط من اجل تنفيذ وقف لإطلاق النار مصحوبا بتدويل لانتقال السيادة
مبنيا على الفشل الكامل للولايات المتحدة وحكومة إياد علاوي على جلب
الاستقرار في البلد. تصريحات الرئيس الفرنسي برغبته في بناء قوة توازن أمام
القوة الأمريكية وتصاعد استياء كوفي انان من تصرفات الولايات المتحدة
الأمريكية قد يشجع كل ذلك على مثل هذا التطور، كما تساعد على ذلك أيضا
استقالة الزعماء السنة من الحكومة المؤقتة والمقاطعة السنية التامة لأي
انتخابات ينظمها الأمريكان مستقبلا. وفي حين أن الأمريكان والبريطانيين سوف
يستخدمان على الأرجح حق الفيتو على أي قرار من مجلس الأمن ليخول السلطة على
مثل هذا التحرك، قد يؤدي التأييد الذي تزخم به ارض الواقع لهذا السيناريو إلى
تغييرات كبرى في طريقة معالجة وإدارة الاحتلال في الفترة السابقة على
الانتخابات.
لو كل من النتائج الأربع
التي ورد ذكرها أعلاه هي نتائج مذهلة لما تكشفه من ضيق نظرة إدارة بوش الكلية
للعراق الديموقراطي المزدهر، سوف تكون النتيجة الأخيرة – وهي نوع من المهانة
والإذلال الختامي – هي بالتأكيد محل معارضة ضارية من المسئولين الأمريكيين
وحكومة علاوي (ولن تكون هذه الإمكانية أيضا محل رضا بأي شكل من الأشكال
لفصائل من المقاومة الحالية).
كارت الجوكر في الأزمة
الحالية هو الشعب العراقي الذي، منذ إسقاط نظام صدام حسين، ظل في اغلب المرات
أكثر من أي شيء آخر هو المتفرج الذي يعاني الأهوال بينما المشهد السياسي في
بلاده يعاد تشكيله. هذه السلبية، رغم إنها مفهومة عند وضع خبرته طوال
العقدين الماضيين في الاعتبار، برهنت على أنها كارثية بالنسبة لهم ولبلادهم
مثل تلك السلبية التي كان عليها الفلسطينيون أثناء السنوات الأولى الحاسمة
لعملية اوسلو للسلام (والتي في الواقع العملي سمحت لإسرائيل بزيادة
مستوطناتها في الضفة الغربية وغزة بشكل له وزنه، بينما كان ياسر عرفات يقيم
بطريقة القص واللزق حكمه الفردي الاستبدادي الفاسد، افتراضيا، بلا تكلفة).
نداء آية الله على
سيستاني للتحرك الجماعي السلمي من اجل إنهاء حصار النجف، ونجاح جماعات المرأة
في منع الردة عن حقوقهن الاجتماعية، كلاهما يعرضان أن الشعب العراقي يستطيع
أن يصبح فاعلا ايجابيا في تشكيل مصيره الخاص. إذا ما انهمرت جموع الشيعة إلى
الشوارع في طول البلاد وعرضها، كما فعلوا أثناء حصار النجف ردا على نداء
السيستاني، سوف تتخذ الحالة العراقية شكلا مختلفا على الفور وقد يجد الاحتلال
الأمريكي أن أيامه الأخيرة قد باتت في العدد التنازلي سريعا. ولكن هل يستطيع
المجتمع العراقي أن يتحدى الحسابات المبنية على العنف للمخططين العسكريين
الأمريكان والثوار المتمردين على السواء برؤية مستقبلية خالية من الاحتلال
والاستبداد والفساد والتطرف؟ أكثر من أمنياتنا الطيبة للعراقيين بكل خير،
يحتاج المجتمع الدولي أن يلوث يديه حتى نضمن أن لديهم فرصة قتال.
-
مارك لوفين، أستاذ التاريخ المساعد بجامعة
كاليفورنيا، ايرفاين، هو المؤلف المشارك، مع بيلار بيريز وفيجو مورتنسن،
لكتاب (أفول
الإمبراطورية: ردود على الاحتلال)
مطبعة برسيفال، 2003.
-
مؤلف الكتاب القادم، لماذا لا يكرهوننا: الإسلام
والعالم في عصر العولمة (منشورات وان وورلد، 2004).
|