- سوريا ولبنان -
  •  
    الضربة القادمة
  • جمال صدقي

    11 نوفمبر 2004


    فى نفس الموضوع:

     


    لنفس المؤلف:

    كتبت هذه المقالة على مدى عشرة أيام.  وقد كان السبب الرئيسى فى ذلك هو تطورات موقف النظام السوري اليومية من موضوع العراق، والذى أجبرني على إدخال تعديلات يومية عليه حتى تجاوز ما هو مخصص لسوريا فى المقال الحجم الذى كان مخططا له فأرجو المعذرة. 

    يراهن البعض ـ وأنا منهم ـ على استمرار السعي الأمريكى للهيمنة على العالم، بالحرب أو بوسائل أخرى، خاصة بعد فوز بوش بالرئاسة وحتى لو كان كيري هو الفائز.   فموضوع الهيمنة مرتبط بالمؤسسة establishment الأمريكية الحاكمة أكثر من ارتباطه بشخص أو بحزب أو أي شئ آخر.   ومع تسليمنا بهذه الحقيقة تسابق البعض لممارسة لعبة التوقعات المبنية على التحاليل أو المواقف الأيديولوجية.   

    وقد ساقت المواقف الأيديولوجية هذا البعض إلى القول بأن سوريا هى المرشح الأول للعدوان الأمريكى القادم.   وقد ارتكن هؤلاء إلى التحليل السهل الذى يبرر كل أفعال الولايات المتحدة الأمريكية فى الشرق الأوسط  بلوبى يهودي مسيطر فى أمريكا على السياسات الأمريكية، متناسين أو متغافلين عن مجمل السياسات الأمريكية فى العالم، من جورجيا وبحر قزوين شرقا إلى بلاد أمريكا اللاتينية غربا، مرورا بأفريقيا بل وحتى أوروبا.   تلك السياسات التى لا يمكن أن تبررها سيطرة اللوبى اليهودي ذاك على صنع القرار الأمريكي. 

    وبعيدا عن تصور ارتهان السياسة الأمريكية فى المنطقة بالسياسة الإسرائيلية، يصعب إيجاد سببا معقولاً (استراتيجيا) للعدوان الأمريكى على سوريا.   بل إنه وحتى مع التسليم لأصحاب هذا التصور يصعب أيضا تخيل سببا لعدوان أمريكى على سوريا:

    • فالنظام السوري هو لأمريكا نظام نموذجي، فهو نظام شمولي وديكتاتوري شرس.   وهو بهذه الصفة أقدر نظم المنطقة على ضبط، ليس مجتمعه فقط ولكن ضبط معادلات التوازن فى المنطقة كلها والمحافظة على الاستقرار فيها.   وبكلمات أخرى، فالنظام السوري وعبر ممارساته القمعية الداخلية ـ باسم المعركة مع إسرائيل ـ هو الضامن الأول لعدم تطور أى حركات سياسية معادية فعلا لأمريكا أو لإسرائيل.   

    • ومنذ 1973، لم تخض سوريا أى حرب سوى ضد الفلسطينيين وضد القوى الوطنية والتقدمية فى لبنان.   وقد اعترف احد المسئولين السوريين مؤخرا ـ فى معرض تذكير أمريكا بالدور الذى تلعبه سوريا ـ بأن التدخل السوري فى لبنان إنما كان لحماية الموارنة.   وهو تعبير يمكن ترجمته إلى أن التدخل السوري فى لبنان إنما كان لقمع الحركة الوطنية اللبنانية لمصلحة أمريكا وإسرائيل فى نهاية الحساب حتى لا تشتعل المنطقة ويبقى التوتر فيها فى حدوده المقبولة.   وقد مرر السوريون هذا التدخل للعرب قائلين إما نحن وإما إسرائيل.   وقد كانت مكافأة كل هذا بمباركة أمريكا توريث العرش السوري للـ...  السوري الصغير.    

    • وبعد أحداث 11 سبتمبر، كان السوريون أكثر الأنظمة تعاونا مع الأمريكيين فى تسليمهم أعضاء الحركات الإسلامية والوشاية بهم.   وقد ذكر السوريون أنفسهم هذا علنا وبلا خجل، لكن الأمر المريب أن السوريين لم يتعرضوا أبدا من الإسلاميين ـ الذين طاحوا فى البلاد العربية والغربية ذبحا وتفجيرا وتقتيلا ـ لأي نوع من الهجوم ولو على سبيل خزي العين اللهم إلا ضربة صغيرة مشكوك فى أمرها ولأسباب أخرى.   ترى لماذا؟!!

    • وبعد الغزو الأمريكى للعراق، عاد النظام السوري الذى كان يتمنى أن يقبض ثمنا معقولا لتنازلانه، إلى الخنوع والخضوع أمام كل الطلبات الأمريكية بلا أى ثمن سوى فقط الإبقاء على النظام ورؤوسه، ذلك النظام الذى ضاقت قاعدته الاجتماعية حتى أصبحت تنحصر فى زمرة قياداته فقط...   وهكذا، وبعد ممانعة المحب، رأينا تلك الدوريات الأمريكية السورية المشتركة على الحدود السورية العراقية، ثم نقرأ اليوم أن سوريا تعتزم بناء سور بطول 130 كيلومتر على الحدود السورية العراقية.   

    • ثم يخرج علينا فاروق الشرع وزير خارجية سوريا بالقول أن سوريا ترى أن مؤتمر شرم الشيخ قد يفيد فى تحسن الوضع الأمني فى العراق بمساعدة " دول الجوار".   وبالتأكيد ما خفي كان أعظم.   

    ومنذ شهور نشبت أزمة عميقة بين سوريا وفرنسا (رأينا نتائجها فيما بعد فى تأييد فرنسا للموقف الأمريكى الخاص بسوريا فى مجلس الأمن) بسبب تفضيل السوريين منح امتياز استخراج الغاز السوري لكونسرتيوم أمريكى رغم أفضلية العرض الفرنسى ورغم تدخل شيراك شخصيا لدى...  السوري.   مما حدا بشيراك للقول تعليقا على ما جرى "إن العرب لا يريدون أصدقاء ولا يفهمون إلا من يضربهم على أقفيتهم"؛ ثم كان ما كان فى مجلس الأمن مما اعتبره البعض مفاجأة!!

    يتزامن كل ذلك ويتوازى مع إعلان سوريا تفكــيك الاقتصاد الموجه (المسمى زورا الإشتراكى)، واعتماد نظام السوق.   مما يعنى الدخول فى تلك الحلقة من الخصخصة ــ والتي سبقتها إليها دول كثيرة ــ التى ستنتهي ببيع أصول الاقتصاد السوري بثمن بخس لرؤوس الأموال الأجنبية وعلى رأسها الأمريكية بالطبع.   (ترى ما الذى تبقى من شعار البعث : حرية، اشتراكية، وحدة)؟

    لكل هذه الأسباب يصعب توقع تعرض سوريا لضربة أمريكية.   فالثمن سيكون أعلى كثيرا من البضاعة السورية المعروضة بأبخس الأثمان.   وأمريكا تحصل على ما تريد بمجرد المناغشة.   

    ومحاولات سوريا وبعض التابعين للعويل حول ضربة أمريكية قادمة إنما محاولة للحشد من أجل تعظيم الثمن وحرف للأنظار عن المكان الحقيقي للضربة الأمريكية القادمة.   

    وبرغم أن محددات القرار الأمريكى كثيرة ومتشابكة ومعقدة، وقد يدخل فيها عقيدة المحافظين الجدد والمسيحيين الجدد وكل اليمين الأمريكى بأطيافه، إلا أن مصالح المجمع العسكرى الصناعي والشركات الأمريكية العملاقة هى التى تحدد فى النهاية مسار تلك القرارت المصيرية المسماة بالحروب الاستباقية.   وقد ارتبط  هذا المصطلح (الحروب الاستباقية أو الوقائية) بشدة بأفكار الهيمنة الأمريكية على العالم فى كل ما طرح من أوراق أمريكية رسمية وغير رسمية.    

    ولذا فالحرب الأمريكية القادمة هى بالتأكيد من أجل فرض مزيد من الهيمنة وتعزيز الهيمنة الأمريكية القائمة.   وبعدما أصاب الاقتصاد الأمريكى من وهن، وبعد مشهد صعود أوروبا الموحدة والصين الصاعدة، وربما تنضم الهند قريبا، أصبحت السيطرة على مصادر الطاقة المتاحة ــ بعد امتلاك ترسانة السلاح الهائلة ــ الوسيلة الأولى للهيمنة وللتحكم فى العالم وضبطه وفقا للرؤى والمصالح الأمريكية العليا التى هى فى نفس الوقت مصالح شركات البترول الأمريكية.   وكذا شركات السلاح ثم آلة الحرب (البنتاجون) الجيوش الأمريكية.   

    ووفقا لهذه الرؤية فالحرب القادمة ستكون نحو السيطرة على مزيد من منابع البترول.   فالأمريكان لا يريدون ترك برميلا واحدا فى العالم حرا، أى مطروحا فى السوق ومتداولا وفقا لقوانينه وآلياته.   ولابد أن يمر كل برميل عبرهم وبين أيديهم ليسمحوا به لمن شاءوا أو بمنعه ـ  أو على الأقل التهديد بمنعه ـ عمن شاءوا.   وهى مصلحة أمريكية عليا (أمن قومي) قبل أن تكون مصلحة شركات البترول.   

    فالطاقة المحروسة بترسانة الأسلحة الهائلة هما ذراعا الهيمنة الأمريكية على العالم.   

    بناء على ذلك، هناك منطقتان مرشحتان كمسرح للحرب الأمريكية القادمة: إيران و فنزويلا.

    وقد جربت أمريكا مع فنزويلا بوسائل أخرى (الانقلاب العسكرى)، وسوف تحاول مرات ومرات، لكن الأولوية فى نظري تظل لإيران لأكثر من سبب:

    ــ رغبة أمريكا العارمة فى إحكام السيطرة على منطقة الخليج وبترولها وإغلاقه عليها.   والسيطرة على إيران سيجعل الخليج لا هو عربي ولا هو فارسي وإنما محض بحيرة أمريكية.   كما سيضمن لها تحجيم أى توترات محتملة فى العراق فيما هو قادم من الأيام. 

    ــ قرب بترول إيران ـ مثل بقية بترول الخليج ـ من المناطق المحتملة كمنافس لأمريكا: الصين وأوروبا واليابان.   وإذا كانت اليابان تعتمد على بترول الخليج بحجم كبير فإن النمو المتوقع للصين سيجعلها تعتمد على بترول الخليج بشكل رئيسي.   والذى لم يعد حرا منه للآن سوى بترول إيران.       

    ــ الرغبة الأمريكية التاريخية العارمة فى وراثة الإمبراطورية البريطانية.   وقد بدا هذا واضحا فى أعقاب عملية انقلاب مصدق الشهيرة والتي دخلتها أمريكا تحت غطاء مساعدة بريطانيا لكنها خرجت منها بنصيب الأسد وظلت مسيطرة على البترول الإيراني حتى الثورة عام 1979.

    بالطبع ستختلط أثناء التحضير للضربة وخلالها دعاوى للمحافظين الجدد وعنهم، ورؤى المسيحيين الأصوليين وعنهم.   ودعاوى إقامة الديموقراطية، والحرب على الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل وتأمين إسرائيل وصراع الحضارات... الخ.   وسوف ينال الأخير اهتماما كبيرا ــ بعدما خفت بعض الشئ ــ لجذب جزء مهم من الغرب الأوروبي لدعم الخطط الأمريكية.  ومحاولة إيران حشد العالم الإسلامي خلفها، ورغبة أبناء لادن الدائمة فى تقسيم العالم إلى فسطاطين.     

    وقبل شهرين من الانتخابات الأمريكية نشرت الصحف الأمريكية أنباء وجود خطة لضرب إيران مقدمة من مجلس الأمن القومى الأمريكى إلى بوش بناء على طلب من الأخير بإعداد الخطة.   وقد نفى البيت الأبيض ذلك حينذاك؛ لكن جريدة الحياة نشرت اليوم (11 نوفمبر) أن بوش قد طلب من مجلس الأمن القومى الأمريكى إعداد خطط للإطاحة بالنظام الإيراني!!

    فى هذا الإطار يمكن فهم كل تلك المماحكات الأمريكية حول البرنامج النووي الإيراني. 

    وفى هذا الإطار فقط يمكن فهم تلك الضغوط الواقعة على النظام السوري.   إذ ليس المطلوب منه أن يؤدى ما يؤديه بالفعل تجاه العراق، وليس المطلوب منه عدم مساندة إيران عند الواقعة، فهو لن يساند ـ إذا ساند ـ سوى بالخطابات إياها.   لكن المطلوب هو أن يضبط ويتحكم فى مجموعة المنظمات القابعة على أرضه والمرتبطة به والتي يمكنها أن تخرج الأمور ـ عند احتدام الأمر ـ عما هو مخطط لها فتوسع نطاق المواجهة وتشعل المنطقة وهو غير المطلوب طبعا. 

    وعلى رأس هذه المنظمات بالطبع سيكون حزب الله الذى سيصبح فى الأيام القادمة هدفا رئيسيا لضربات متعددة الأطراف (هل تكون ضمنها ضربات سورية ؟!) تستهدف تصفيته أو تحجيمه.   وهو الأمر الذى يفهمه حزب الله تماما، مما يفسر تحركاته السياسية والعسكرية الأخيرة.   

    وبعد، فإن الهيمنة الأمريكية التى لم تكتمل بعد، والساعية للاكتمال، ستتسبب فى حروب ودمار هائلين فى السنوات القليلة القادمة...  لكنها بالقطع ليست قدرا لا يمكن مقاومته، لكن لكي نقارعه ينبغي لنا أنا نفهم سيطرة الرغبة العارمة فى الهيمنة لدى المؤسسة الأمريكية وإنها لن تتراجع سوى بأثمان غالية، لأن فى الهيمنة حياتها، وتوقع ضرباتها.  وثانيا فهم طبيعة تلك التحالفات الرأسمالية العالمية (ومنها العربية) والتي لن ترضى بعض أطرافها بالفتات أو بلعب دور الوكيل فى قمع الشعوب مثل كل الأنظمة العربية ومنها النظام السوري البعثى العربي الثوري الإشتراكى الذى لازال يتحين الفرصة لتحرير الجولان.

     

    ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية