"القنابل التي ألقيت على الفلوجة لا تحتوي على متفجرات،
ولا يورانيوم منضب، أو أي شيء مؤذ – إنها تحتوي على غاز الضحك – وهو بالطبع
ما يفسر تفاؤل [رئيس البنتاجون دونالد] رامسفيلد الذي يأتي في غير مكانه
حول عدم قتل المدنيين في الفلوجة. أيضا، أن تكون ’مدنيا‘ هو أمر نسبي في
بلد يحتله الأمريكيون. أنت مدني فقط طالما أنت تقف في صفهم. لو كنت تترجم
لهم، أو تقدم لهم الطعام في المنطقة الخضراء، أو تمسح لهم الأرض – أنت مدني
من المدنيين الأبرياء. أما أن يكون أي شخص غير ذلك فهو متمرد من العصاة،
إلا إذا كانوا يستطيعون الحصول على مهنة من المهن التي تجعلهم ’مدنيون‘." –
ريفربنت (بنت النهر)، فتاة مدنية عراقية، كاتبة بلوج بغداد تحترق.
مرة اخرى الولايات
المتحدة تقع في شبكة عنكبوتية عملاقة. الفلوجة هي الآن شبكة: إنها بغداد،
الرمادي، سامراء، اللطيفية، كركوك، الموصل. النار في الشوارع، في كل مكان:
المئات، والآلاف من الفلوجة – صدى ارض الرافدين لألف فيتنام. حتى لقد
استعادت المقاومة العراقية السيطرة على بعض أحياء قليلة في بغداد.
يقول سكان بغداد انه لا
يوجد عمليا قوات أمريكية حولهم، حتى أن التفجيرات المعتادة بانتظام تسمع في
أنحاء المدينة كلها. تؤكد مصادر بغدادية لموقع آسيا اون لاين إن المجاهدين
الآن يسيطرون على أجزاء من الضواحي الجنوبية للدورة، بالإضافة إلى هور رجب
وأبو غريب والعبيدي والصوايرة وسلمان بك واللطيفية واليوسيفية – كلها في
منطقة بغداد الكبرى. قد تكون المرة الأولى منذ سقوط بغداد في 9 ابريل 2003
التي استطاعت فيها المقاومة أن تسيطر على هذه الأحياء.
تعمل الآلة العسكرية
الكثيفة للأمريكيين بلا طائل ضد شبكة المساجد بكامل طاقتها. في تطور كبير لا
تتحدث تقارير ميديا المؤسسات في الولايات المتحدة عنه، أصدرت لأول مرة
الفصائل المختلفة للمقاومة بيانا مشتركا، موقع عليه من بين آخرين جماعات مثل
أنصار السنة، والجيش الإسلامي، الجيش السري، الرايات السوداء، واسود
الرافدين، وكتائب أبو بكر الصديق، وبشكل حاسم التوحيد والجهاد – الحركة التي
يشاع إنها تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي. تم إذاعة البيان بشكل واسع في كل
مناطق المثلث السني من خلال شبكة المساجد. الرسالة كانت واضحة: المقاومة
متحدة.
مجاهدو الفلوجة المتنقلون
في الفلوجة اخبروا عائلات وأصدقاء في بغداد أن القصف الأمريكي كان أسوأ من
القصف الذي عانت منه بغداد في مارس 2003. مقاومة الفلوجة من جانبها يبدو
إنها قد اتخذت القرار التكتيكي الحاسم بإخلاء الطريقين الرئيسيين – اللذان
يسميان بطريق 7 نيسان وشارع الثرثار – هكذا سحبوا الأمريكان إلى معركة في وسط
البلد. مصادر بغداد القريبة من المقاومة تقول أن الأمريكيين الآن يبدو انهم
قد اتخذوا مواقعهم تماما كما أراد لهم المجاهدون. هذا ما يدعو المقاومة على
الإصرار انهم – وليس الأمريكيين، طبقا لروايات البنتاجون الحالية – يسيطرون
الآن على 70% من المدينة.
في الفلوجة يوجد 120
مسجدا على الأقل. هناك إجماع قائم على أنه تقريبا نصف هذه المساجد قد تم
تحطيمه عن طريق الضربات الجوية وقذائف الدبابات الأمريكية – وهو بعض من
الأشياء التي سوف تلحق العار بالولايات المتحدة لعصور قادمة. أوقفت الجوامع
عن الآذان للصلوات الخمس اليومية، ولكن فاضل بدراني، وهو مراسل عراقي لمحطة
الـ BBC الدولية باللغة
العربية وواحد من الشهود القلائل لرجال الصحافة المسموح لهم بالتواجد في
الفلوجة، كتب أن "في كل مرة تهبط قذيفة القنبلة بجوارنا، ترتفع الدعوات من
المنارات ’الله اكبر‘".
يناقش بدراني تلفيقات
البنتاجون: "انه لأمر مضلل أن تقول إن الولايات المتحدة تسيطر على 70% من
المدينة لأن المحاربين يتنقلون باستمرار. انهم يذهبون من شارع إلى شارع،
يهاجمون الجيش في بعض الأماكن، ويتركونهم يتوغلون في أماكن اخرى حتى يستطيعون
مهاجمتهم فيما بعد. يقولون انهم لا يقاتلون من اجل الفلوجة فقط، ولكن من اجل
العراق كلها". تكتيكات المجاهدين هي شبكة عنكبوتية دوارة – تكتيكات هو تشي
منه وجيفارا التي طبقت على حروب المدن بواسطة الصحراء: القناصة فوق أسطح
المنازل، القناصة يهربون على دراجات، إطلاق المورتار من خلف المنازل
المهجورة، الهجمات بالقنابل اليدوية على الدبابات، كمائن للمدرعات، القصف
المتوالي بالصواريخ تصل إلى 200 صاروخا متتاليا، وإعادة تجمع "خفي".
حدود العراق مع سوريا
والأردن، كل الطرق السريعة ما عدا الطرق الثانوية المؤدية إلى الحدود،
بالإضافة إلى مطار بغداد، كلها بقيت مغلقة. بغداد نظريا أصبحت جزيرة معزولة
عن المثلث السني – ولكنها ليست مغلقة أمام المقاومة، التي احتفظت بطرقها التي
تختلسها للدخول. مئات من العراقيين يتكدسون على الحدود السورية يحاولون
العودة إلى ديارهم.
بنت النهر، الفتاة
العراقية التي تحرر بلوج في الانترنت، تكتب عن "الإشاعات بأن هناك حاليا مائة
سيارة مفخخة تستعد للانفجار في الموصل، على عجلة قيادتها انتحاريين يبحثون عن
الدوريات الأمريكية. إذا ماذا سوف يحدث عندما تتحول الموصل إلى فلوجة اخرى؟
هل سوف ينسفونها إلى الأرض؟ لقد سمعت بتقرير ذكروا فيه إن الزرقاوي ’ربما
يكون قد هرب من الفلوجة‘ ... إذا أين هو الآن؟ في الموصل؟" من الممكن جدا
أن يكون في الرمادي، حيث المئات من المجاهدين المدججين بالسلاح يسيطرون الآن
على وسط المدينة – بلا قوات أمريكية على مرمى البصر".
التكتيكات العنيفة
البنتاجون سحب كل
الاحتياطي من اجل "تحرير" شعب الفلوجة. طبقا للسكان، المدينة الآن محفورة
جدرانها بآلاف الشظايا من القنابل التي قصفت بها. في اتهام متفجر – ولم يتم
التحقيق فيه بعد – اخبر احد الأطباء العراقيين والذي طلب عدم ذكر اسمه وكالة
القدس برس أن "قوات الاحتلال الأمريكي تضرب مقاتلي المقاومة بالغاز وتواجههم
بأسلحة كيماوية محرمة دوليا". أكدت الواشنطن بوست أن القوات الأمريكية تطلق
زخات من غاز الفسفور الأبيض التي تشعل ستارا من النيران لا تخمدها المياه.
الدكتور محمد إسماعيل،
عضو مجلس إدارة مستشفى الفلوجة العام والذي "أسره" الأمريكان عند بداية عملية
شبح روح الانتقام، دعا كل الأطباء العراقيين إلى النجدة الملحة. اخبر
إسماعيل الصحافة العراقية والعربية إن عدد المدنيين الجرحى يتصاعد بشكل
صاروخي – والامدادت الطبية تكاد ألا تكون موجودة. أكد الطبيب إن القوات
الأمريكية قد ألقت القبض على العديد من أعضاء أطقم عمل المستشفى وقد صادرت
مخزون المستلزمات الطبية.
الحقيقة هي أن الجرحى في
الفلوجة يتركون حتى الموت. لا يوجد جراح واحد في المدينة. وعمليا لا يوجد
أيضا أطباء، حيث قرر البنتاجون قصف كلا من مستشفى الحضر ومستشفى زايد
المتنقلة. لهذا الحد، استجابة اللجنة الدولية للصليب الأحمر كانت متبلدة
بشكل مريع.
ثورة
السنة
عندما تحتجز مجموعة قليلة
العدد من القناصة عدد من المارينز لمدة يوم واحد في الفلوجة – وهي إجابة خفية
على الجزء الثاني من فيلم ستانلي كوبريك ’القميص الوافي الواقي من الرصاص‘ –
وعندما تغوص عشرة فرق من الجيش الأمريكي في مستنقع بواسطة عدة آلاف قليلة من
العراقيين المسلحين بالكلاشينكوف وقاذفات القنابل اليدوية، تكون الحقيقة هي
أن الولايات المتحدة لا تسيطر على أي شيء في العراق السني. إنها لا تسيطر
على الطرق ولا على البلدات ولا على المدن، إنها تسيطر بالكاد على المنطقة
الخضراء، القلعة الأمريكية في بغداد حيث تشكل الرمز النهائي للاحتلال. في
1999، قصف الروس ودمروا مدينة جروزني، العاصمة الشيشانية، وهي مدينة يسكنها
في الأصل 400 الف مواطن. بعد ذلك بخمس سنوات، رجال العصابات الشيشانية كانوا
ما يزالون يصنعون الكمائن للقوات الروسية في جحيم من النار هناك. نفس
السيناريو سوف يعاد مرة اخرى في الفلوجة – مدينة يسكنها 300 الف. كل هذا
الدمار – الذي يستطيع أي محامي دولي يمتلك ادني احترام للنفس أن يقيم به قضية
جريمة حرب – لأن إدارة بوش تبعث برسالة وحشية: إما انك معنا أو نهشمك إربا.
لا تربأ المقاومة
العراقية إذا ما نسف آلاف من المجاهدين: إنها تعمل فعليا من اجل الانتصار
الاستراتيجي الكبير. والاستراتيجية مزدوجة: نصف مقاومة الفلوجة بقيت في
الخلف، جاهزة للاستشهاد، لترفع نقطة الغليان للكراهية التي هي موجودة أصلا ضد
الأمريكان في العراق والشرق الأوسط ومن اجل توسيع قاعدة التأييد لهم في
المناطق الحضرية. النصف الآخر غادر المدينة قبل بداية عملية شبح روح
الانتقام وهو جاهز لإشعال القتال في بغداد، وتكريت، والرمادي، وبعقوبة، وبلد،
وكركوك، والموصل، وحتى في كربلاء الشيعية. قد يستنزفون مع الوقت. ولكن
الحقيقة هي أن العراقيين السنة يعلمون أكثر مما سبق انهم قد استبعدوا من خطط
إدارة بوش "الديموقراطية" التي تستهدف العراق. الحزب السني السياسي الوحيد
الموجود في "حكومة" رئيس الوزراء إياد علاوي المؤقتة قد خرج الآن منها.
وجمعية علماء المسلمين (AMS)
ذات النفوذ القوي – أكثر الهيئات الدينية السنية بروزا – تقاطع الآن رسميا
انتخابات يناير. هناك تقارير غير مؤكدة عن أن الشيخ عبد الله الجنابي، رئيس
مجلس شورى المجاهدين في الفلوجة وعضو بارز جدا في جمعية علماء المسلمين، مات
في القصف الذي تعرض له مسجد سعد بن أبي وقاص.
المقاومة السنية العراقية
تعيد الآن تشكيل نفسها كثورة كاملة الأركان. طبقا لمصادر في بغداد، يعتقد
زعماء المقاومة انه ليس هناك سبيل آخر لطرد الغزاة الأمريكان ولاحقا لاستعادة
السلطة – خصوصا لان الانتخابات لو عقدت في يناير، من المؤكد أن يكسبها
الشيعة. وبالتأمل في صورة كلاب الحرب الأهلية وهي تنبح في الفضاء، فلا عجب
أن تكون جريدة الزمان البغدادية على هذه الدرجة من الكآبة وهي تقول: "سوف تظل
العراق بركانا نائما، حتى لو استمرت حالة الطوارئ للأبد".
http://www.atimes.com/atimes/Middle_East/FK12Ak04.html
|