طبيعي أن يموت الناس بمن
فيهم الحكام. وطبيعي أيضا أن يحل محلهم آخرون، سواء بالوراثة (الأسرية
أو الحزبية) كما في الأنظمة الشمولية أو بالانتخابات كما في الأنظمة
الديمقراطية البرجوازية. هذا أول ما تبادر للذهن حينما بدأ الحديث عن
أن ياسر عرفات بحاجة للمعالجة في الخارج.
قد يكون غريباً أيضا أن يكون من ضمن ما خطر لي، لماذا
يتعالج الناس في الغرب الغني؟ هكذا كان علاج الرئيس المصري أيضا قبل بضعة
شهور؟ هل يضيف الغرب عمراً جديداً؟ وإذا كان هذا الوطن متخلف حتى في
الطبابة، فإلى أين نحن ذاهبون إذن؟
لكن الغريب حقاً هو الدور الذي قام به الإعلام سواء
المحلي أو العربي أو الدولي. فقد تم توجيه الحديث عن صحة الرئيس
الفلسطيني كما لو كان مصير الشعب والوطن معلق بشخص.
لقد وجد هذا التوجيه صدى وهوى في نفوس الكثير من
الناس. وهو أمر يصب أيضا في صالح ذوي العلاقة بالسلطة. وبغض النظر عن
الخلافات والاختلافات حول المسار السياسي للسيد عرفات، إلا أن ما لا
يختلف فيه أحد أن الموت أمر مكروه ولكنه مفروض. فلماذا مقاومة الموت
بإشعار الأحياء أن الأرض مادت بهم؟ أليس هذا هو دأب الأنظمة الشمولية
التي تجعل من الزعيم خالق الأمة مما يرسخ فيها إيديولوجيا الموت بعد
القائد. وبالطبع لم تمت أية أمة بعد أي قائد مهما عظم! أليس حرياً بنا
اخذ العبرة!
كان لافتاً للنظر إن الساسة والإعلاميين الغربيين
ساهموا بدورهم في تزكية الشعور باليتم، بعد عرفات. في حين أن هؤلاء لا
يؤمنون بدور كهذا للفرد في بلدانهم، وكأن لسان حالهم يقول: "هكذا الشرق
يؤمن بالأفراد وليس بالمؤسسات، ولا يصلح لهم إلا أفراداً أقوياء يقررون
والناس يتبعون".
قد يكون هذا اعتقاد وقناعة الغربيين، وقد نكون قد
هيأنا نحن لهم ذلك، وقد يكون هدف قسم منهم أن نبقى بهذه العقلية لنبقى
متخلفين. واياً كان السبب، فمرد هذا إلى خلل في ثقافتنا وتثقيفنا.
قد يكون تناول الأمر من هذا المدخل أمر مستغرب لدى
البعض، لا باس ولكن الأهم من هذا هو قول الحقيقة، ونقد المسائل في حينها
كي تبقى عالقة في الأذهان من أجل المستقبل. إن تشجيع المواطن على
إيديولوجيا الموت تفجعاً على القائد يعني تجهيز الشعب لاستقبال قائد آخر
وليس انتخابه.
|