سلطت المجلة الالكترونية الفلسطينية "كنعان" الضوء
على جدل بين نعوم تشومسكي، والذين حاوروه من مجلة زي نت الأمريكية –
جوستين بودر و
ستيفن
شالوم – واشترك فيه بالتعليق الناشط نوح كوهين من لجنة نيو
انجلاند بولاية.....
كل الشخصيات في الجدل
الحالي هنا، الذي يدور بسبب حوار دار في أغسطس الماضي، هي شخصيات حقيقية
لمفكرين ونشطاء بارزين فيما بات يسمى في الأمريكتين حركات العدالة
الكوكبية وتسمى في باقي العالم بالحركات الاجتماعية الجديدة. هذا
جميل.
ولكن ما نلاحظه هنا –
ولا يحتاج إلى ذكاء كبير من الآخرين كي يلاحظوه - أن الحوار يدور بين
أسماء كلها من اليهود الغربيين، الذين يعيشون في أمريكا الشمالية، والذين
ينتمون جميعا بأفكارهم إلى اليسار الراديكالي الأمريكي. وهم طبعة ذات
ثقافة غربية عميقة علمانية الجوهر وذات منهجية علمية ليهود من غير الذين
يعيشون في إسرائيل وبات الشعب الفلسطيني يعرفهم جيدا.
والجدل الدائر بين
هؤلاء اليساريين اليهود الأمريكيين هو جدل حول أفكار ورؤى متباينة تتناول
حلول يقترحونها لإنهاء الصراع الدموي بين قوميتين (الفلسطينيون
والإسرائيليون) على قطعة ارض واحدة هي الوطن الأم المشبع بالمقدسات
الدينية والتاريخية لكلا منهما. ولا يخفي على احد أن ما وراء هذه
الأفكار هو هدف واحد؛ وهو بالطبع الحفاظ على القوميتين معا على نفس قطعة
الأرض كما هو حاصل فعليا الآن، ولكن مع فارق بسيط هو أن يتحقق من خلال
الحلين الطموحات القومية لكلتهما، حيث تعيش الاثنتان معا
على نفس الأرض في ظل السلام
والأمن وأن يتوقف بينهما حوار الدم والنار.
هذا الجدل هو جدل مهم
جدا. جدل حول قضية فلسطين. وما أدراك ما هي قضية فلسطين بالنسبة للشعب
الفلسطيني والشعوب الأخرى في المنطقة العربية... شعوبنا صابرة لأن
الرفاهية، والديموقراطية، وأمان حياة الأبناء والأحفاد سوف يأتون بعدها.
خيبات الحكام واستبدادهم وغرورهم وشيخوختهم كلها مغفورة حتى تتحرر فلسطين
وتصل قضيتها إلى نهاية! ولا تنتهي.
اكتوى الشعب
الفلسطيني بنارها منذ بواكير القرن العشرين وحتى الآن، وأصبحت عربية من
أوائل خمسينات القرن الماضي وحتى حرب أكتوبر 1973، لتعود فلسطينية مرة
اخرى! ولا نهاية في المستقبل المنظور!
لذلك فالجدل حول حل
لها بات مهما بل وأكثر أهمية مما قبل.
الجدل هنا بين فكرة
’الدولة الواحدة‘ التي تقنع كلتا القوميتين إنها
الحلم القومي الذي يخصها، مع الأخذ
في الاعتبار أن هذا الحل سوف يقضي بسبب العامل الديموجرافي على آمال
أحدهما (الإسرائيلية) في الاستقلال والسيادة القومية (من هنا
الرفض
الأناني للإسرائيليين والاطراف الدولية الامبريالية الداعمة لهم لحق العودة بالنسبة للفلسطينيين
من بلاد الشتات، ونسيان حق
العودة بالنسبة للمواطنين اليهود العرب الذين كانوا يعيشون بيننا وطردتهم
حكوماتنا واستولت على ممتلكاتهم مثل اليهود المصريين والسوريين
والعراقيين... الخ، الذين يعيشون الآن في أوروبا وأمريكا وبعضهم في
إسرائيل)، والحل الثاني هو حل ’الدولتان‘ الذي ينال رضا السلطات (الدول)
المحلية والإقليمية والدولية، برغم التحفظات على اكتمال مقومات السيادة
حتى الشكلي منها لأحدهما (الفلسطينيين) – دولة بلا اتصال ارضي وبلا جيش
وبلا موارد، ووطن بهذا الشكل في عرف القوميين هو وطن منقوص أو ليس وطنا
على الإطلاق!!
إذا الأمور هي جد
معقدة وتحتمل أن الإطار القومي الذي يحكم هذا الجدل رغم الاعتراف بثقله
المادي في الواقع يحكم على مسيرة الأحداث أن تأخذ مجراها الدموي بلا أمل
في وقف شلاله الهادر إلا بتحطيم إطاره (الإطار القومي) والخروج من
إساره.
ولكن "كنعان" تتدخل
في الحوار بمساهمة مفيدة وهي ترجمة مداخلة احد الأطراف [نوح
كوهين] الذي قد يتفق معها في عنوان الحل،
(الحل بدولة واحدة وليشرب الإسرائيليين من البحر إذا ما فقدوا تفوقهم
العددي وما يستتبعه من انهيار الحلم القومي في الاستقلال والسيادة
وضياعهم مرة اخرى). ولكنها تستقوي بهذا الصوت من اجل إدانة صوت آخر في الحوار (نعوم
تشومسكي)، دون الدخول في حوار معه كما فعل الصوت اليساري اليهودي الغربي
(نوح كوهين).
الطريقة التي علقت
بها كنعان على الحوار الدائر بين نشطاء ومثقفين من اليهود الغربيين
اليساريين، تعكس مدى البون الشاسع بيننا (المثقفين اليساريين من
أهل المنطقة العربية) وبينهم (المثقفين
اليساريين من أهل الغرب) في منهجية
الحوار والفائدة منه. فالجدل الدائر بينهم هو
جدل حول قضايا وحلول ومقاربات، ولكن ما يهمنا نحن في الأمر هو
الخروج بتوصيف لأحد طرقي الحوار
تحت دعوى فضح كنه ما يخفيه
وتعليق لافتة على ظهره من اجل تجريسه في حارات وأزقة المثقفين وبالتالي
نبني مواقفنا على ذلك، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
فيكفينا لإسقاط منطق
تشومسكي اتهامه بأنه ".. اللبرالي الغربي لا يمكن إلا أن يكون ابنا
بارّاً بالمؤسسة الطبقية الحاكمة..."، ونبني على هذا الاكتشاف الغير علمي
مغالطة اخرى، ("وضع كاتب المقال السيد تشومسكي في خانته الطبيعية التي قد
لا نبالغ بتسميتها "الصهيونية الناعمة" أو "اللا سامية الحقيقية - أي
الضد عربية") - نص كلام "كنعان" في مساهمتها بالحوار.
هل مطلوب منا إذا
ألا نستكمل قراءة ما يكتبه تشومسكي حيث أن الكتاب "يبان من عنوانه". ولا
داعي لتمحيص ومراجعة موقف "الدولة الواحدة العلمانية الديموقراطية"، لأن
من يحاججها صهيوني "ناعم"، وقد كشفت كنعان ستره!
أما المناداة بدولة
قومية واحدة، علمانية ديموقراطية، في منطقة من العالم غير علمانية
بالمرة، فهو أمر لا يشغل بال احد أن يجيب كيف؟
والمناداة بدولة
قومية واحدة، صحيح علمانية ديموقراطية، في عالم بأكمله تتخلى طبقاته
الرأسمالية الحاكمة لحظة بعد لحظة عن فكرة الدولة-الأمة حتى في أكثر
مواقعها قوة، وتحلم بالسوق الكوكبي الموحد، فيما بات يعرف باسم العولمة،
فهذا أمر لا يتطلب منا انتباه قط لندخل في تفاصيل هذا الشعار
العملية.
وبينما يتم
تقليص اعرق الديموقراطيات العلمانية من الحريات السياسية والمدنية لدى
مواطنيها بقوانين محاربة الإرهاب، وبينما تخرج وزارة للأمن
الداخلي في الولايات المتحدة لأول مرة في حياتها، نتحدث نحن عن الدولة
الديموقراطية العلمانية ونطلب من الآخرين منحنا المصداقية، بينما
الظاهر والأشهر من أجهزة دولنا هي أجهزة الأمن.
وتصيح الطبقات
الحاكمة في مراكز العالم المتحضر التي نشأت منها العلمانية بصيحات أصولية
عنيفة ضد الحضارات والثقافات الأخرى، ونتحدث نحن عن العلمانية والشواهد
العملية تديننا بأننا مشاركين ايجابيين في هذا الهوس الجنوني.
لن يحل هذا الصراع
فعلا إلا طرفاه، الفلسطينيون والإسرائيليون معا، ودور العالم، بمن فيهم
’الأشقاء‘ والمنتسبون، لن يكون إلا المساعدة. ولا يمكن لأي طرف آخر،
غيرهما، سواء كان تشومسكي أو أي مفكر حر آخر، أن يقدم حلا لا توافق
عليه شعوب أي من طرفي الصراع.
|