|
[هذا رد على مقالة لنوح كوهين، التي هي بدورها رد على
مقابلة أجراها نعوم شومسكي مع شالوم وبودر منذ اشهر]
اتهامات نوح كوهين تثير
بعض الأسئلة الهامة حول موضوعات كالدفاع عن موقف، والمبدأ، والواقعية، وهي
أسئلة لها تداعيات أوسع كثيرا. دعنا نركز على حالته الخاصة – الدفاع عن حقوق
الفلسطينيين – واضعين القضايا الأعرض في هذا السياق. السؤال الجوهري، إذا،
يجب أن يتناول المواقف التي يستطيع الناس أن يتخذوها بجدية من اجل مستقبل
الفلسطينيين، الذين ما زالوا يعانون بشدة ويواجهون حتى مستقبلا اشد سوءا إذا
لم نكتشف وسيلة لعكس هذه المسيرة التي يجري دفعها الآن، والتي نتحمل من اجلها
قدرا كبيرا من المسئولية وبالنتيجة نستطيع أن نؤثر فيها لو اخترنا ذلك.
من بين الخيارات التي هي
موضع النقاش خيار الدولة الواحدة، والدولة ثنائية القومية. وهما خياران
مختلفان بشكل حاسم. هناك أشكال كثيرة لتعدد القوميات في العالم: سويسرا،
بلجيكا، أسبانيا الخ. هذا المفهوم هو مصطلح لتغطية ترتيبات تسمح بأشكال من
الحكم الذاتي لجماعات داخل مجتمعات مركبة، هي ليست بالضرورة هذه الجماعات
التي تختار أن تنظر لنفسها على إنها "أمم". وعلى درجة كبيرة من الاختلاف
تأتي أنظمة الدولة الواحدة، التي تخلو من أي شكل للحكم الذاتي للطوائف
الاجتماعية المتنوعة داخلها. في الولايات المتحدة، مثلا، ليس لدى اللاتينيين
حكما ذاتيا أو سيطرة على اللغة أو التعليم في المناطق التي سلبت بالقوة من
المكسيك (أو في أي مكان آخر)؛ لا شيء يقارب، قل مثلا، الحكم الذاتي الجزئي في
قطالونيا [إقليم أسباني]، حين نذكر واحدة من حالات متعددة لبعض أشكال
التعددية القومية.
دعنا نتحول إلى بعض
الخلفيات ذات العلاقة بالموضوع. فيما قبل 1948، فكرة القومية الثنائية كانت
في وضع الأقلية داخل الحركة الصهيونية. من 1967- 1973 كان لدى إسرائيل فرصة
حقيقية لتأسيس حل ثنائي القومية في وادي الأردن في سياق معاهدة سلام شاملة مع
مصر والأردن، ومن هنا منطقة بلاد المواجهة في العالم العربي. لم يبد هناك أي
اهتمام. منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن مهتمة بذلك. الرأي الحاذق
للولايات المتحدة تمت معارضته بشكل مرير. كتاباتي الخاصة حول الموضوع هوجمت
بطريقة جارحة من كل الأطراف.
بعد حرب 1973، تم إغلاق
هذا الاختيار فعليا. دخلت الحقوق الوطنية للفلسطينيين، للمرة الأولى، بشكل
واضح وبقوة في الساحة الدولية. طرحت تسوية الدولتين أمام مجلس الأمن للأمم
المتحدة في يناير 1976، وتم رفضها بالفيتو الأمريكي، وهو التصرف الذي أدانته
سوريا ومصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. منذ ذلك الحين أصبح هناك
إجماعا دوليا عريضا لصالح تسوية الدولتين، واعترض سبيلهم الولايات المتحدة
وإسرائيل فقط. لم يعد من الضروري إعادة رواية هذا التاريخ مرة اخرى.
في المقابل، لم يكن هناك
أي دعم لحل الدولة الواحدة من جانب أي طرف خلال هذه الفترة. لم تعتبر أبدا
اختيارا مطروحا على الساحة الدولية. تحدثت منظمة التحرير الفلسطينية عن
"علمانية ديموقراطية"، ولكن في شكل يدعو إلى تصفية كل المؤسسات الثقافية،
والاجتماعية، والسياسية اليهودية من خلال "امة عربية". لهذا السبب وحده –
كانت هناك أسباب اخرى كثيرة– لم يكن لهذا الموقف أي اثر، ما عدا كونه سلاحا
لأنصار الرفض من الإسرائيليين والأمريكيين. هذه المواضيع نوقشت في مطبوعات
خلال السبعينات؛ وهناك استعراض موجز لها في كتابي ’نحو حرب باردة جديدة‘
(1982، 430 ن). القول بأن الفكرة لم يكن لها مؤيدين في إسرائيل هو تقرير
أدنى من الواقع. لقد رفضت بإجماع مفترض وحماسة ظاهرة بشكل محسوس، وسوف يكون
الرفض كذلك حتى ولو كان هناك بعض الأساس لنأخذ على سبيل الجد خطابة العلمانية
الديموقراطية. في ظل ظروف (لا يمكن افتراضا تخيلها) أن بعض التأييد الدولي
للفكرة بدرجة لها معنى يمكن أن يتطور لصالح مثل هذه الخطة، سوف تعارضها
إسرائيل بكل الوسائل الممكنة: التي سوف تتضمن الأسلحة النهائية، المتوافرة
لديها وتستطيع استعمالها.
منذ أواخر التسعينات،
أصبحت تسوية "الدولة الواحدة" موضوعا للنقاش محل ترحيب في دوائر النخبة،
لدرجة أن جريدة النيويورك تايمز والنيويورك بوك ريفيو نشرت مقالات رئيسية
كبرى تقترح مثل هذه المقاربة – لن أقول "تدافع" عن هذه القضية، لأسباب سوف
أعود إليها. وحدث نفس الشيء في دوائر مماثلة في أماكن اخرى.
من الجدير أن نتذكر انه
عندما يكون الحل واقعيا وسوف يوفر الكثير من الدم والمصائب، فهو لعنة تامة.
لماذا التغيير؟ التفسير الوحيد رأيته فيما ظهر عند مقابلتي مع بودر وشالوم،
الذي لن أكرره. ولكن دعنا نترك ذلك جانبا، ونعود إلى الحالة الراهنة.
الآن مباشرة، هناك العديد
من المواقف الممكنة التي قد تؤخذ من جانب المهمومين بشعوب المنطقة، والعدل من
اجل الفلسطينيين على وجه الخصوص. مثل هذه المواقف، بشكل مشهود عليه، هي فقط
اهتمامات أكاديمية إذا لم تكن مصحوبة ببرامج عمل تأخذ في اعتبارها العالم
الواقعي. إذا كان لا، فهي ليست مواقف من اجل الدفاع عن موقف بأي معنى من
المعاني الجادة للفظ.
كلمة اخرى لتوضيح الأمر
ربما تأتي في مكانها. إعطاء الانتباه لبرامج عمل يمكن القيام بها يتم إقصاءه
جانبا في بعض الأوقات باسم "الواقعية" و"البراجماتية"، ويوضع في معارضة ضد
"العمل وفقا للمبادئ". وهذا تضليل خطير. فليس هناك أي شيء "مبدأي" في رفض
الانتباه للعالم الحقيقي والخيارات القائمة فيه – متضمنة، طبعا، اختيار
القيام بالتغيير، لو أمكن تطوير مجرى من العمل المتاح إنجازه، كما كانت
الحالة بوضوح وبشكل صريح بالنظر إلى فيتنام، تلك الحالة التي تم مناقشتها في
التعليقات التي ساقها كوهين بشكل كامل ولكنه أساء فهمها. هؤلاء الذين
يتجاهلون أو يكرهون مثل هذه "الواقعية" و"البراجماتية"، مهما كانوا يصدرون عن
نيات طيبة، فإنهم ببساطة يتجاهلون تبعات تصرفاتهم. الوهم ليس فقط خطأ خطير
لمثقفين، ولكنه أيضا خطأ مؤذ، مصحوبا بتبعات إنسانية وخيمة. يجب أن يكون ذلك
واضحا دون أي مزيد من الاستطراد.
سوف أتمسك هنا بالدفاع عن
الموقف بالمعنى الجدي للفظ: مصحوبا بنوع ما من البرامج العملية القابلة
للتنفيذ، والتي تخلو من وهم وتضليل "العمل متمسكين بالمبادئ" دون النظر إلى
"حقائق الواقع" – أي، بدون النظر إلى مصير شعب يعاني.
احد المواقف هو تدعيم
تسوية الدولتين بما يعنيه الإجماع الدولي العريض جدا والدائم والكاسح (متضمنا
السلطة الفلسطينية)، هذه التسوية التي تقف في وجهها إسرائيل والولايات
المتحدة برغم تأييد أغلبية السكان في الولايات المتحدة له وقبولها بالنسبة
لعموم الناس داخل إسرائيل، ومن الممكن أنها أغلبية كبيرة منهم، (وهذا يعود
إلى الكيفية التي تطرح بها الأسئلة في استطلاعات الرأي). هناك أشكال متنوعة
ملموسة. احد هذه التسويات هو اتفاقيات جنيف، التي، كما أشرت لها في مقابلتي،
"تمنح برنامجا تفصيليا نحو تنازلات 1-1 في ملكية الأراضي وجوانب أخرى من
التسوية، وهي طيبة للدرجة التي من المرجح أن يتم تنفيذها عمليا". الشروط
والخرائط في متناول اليد توا. وحيث أن كوهين لم يخاطب هذه الأمور، بعيدا عن
النقل عن نصوص مصادر ليست على علاقة بالموضوع، ولا يقترح أي شيء يكون "قابلا
للتنفيذ على ارض الواقع" بشكل أكثر نجاحا، ليست هناك حاجة لان نذهب ابعد من
المقابلة التي أجريتها. تلك المقترحات تؤسس القاعدة التي تقوم عليها
المفاوضات التي تحسنت شروطها بشكل واسع في مقترحات كامب ديفيد أثناء حكم
كلينتون-باراك بالإضافة إلى مقترحات طابا (التي هي اقل قبولا كثيرا جدا) التي
أعقبت ذلك. للمرة الأولى، فتحوا الأبواب لموضوع تنازلات 1-1 لملكية الأراضي
الذي يمكن أن يكتسب معنا، وخرجوا من إطار برامج إنشاء الكانتونات التي طرحت
في المقترحات الأولى. لا زالت لهذه المقترحات جوانب يمكن الاعتراض عليها،
ولكن السؤال العملي هو ما إذا كانت هذه المقترحات يمكن أن تؤخذ على محمل الجد
كأساس للتفاوض، وهل هناك بديل يمكنه على الأرجح أن يمنح الفلسطينيين أكثر من
الشروع في اتخاذ خطوات بناء على هذا الأساس.
لو أن هناك مثلا مثل هذا
البديل، دعونا نسمعه بكل الوسائل الممكنة. هؤلاء الذين لا يريدون حمل هذه
المسئولية يختارون، فعلا، المساهمة في ندوة أكاديمية وسط مثقفين منعزلين في
برج عاجي على كوكب المريخ.
دعم الإجماع الدولي هو
الدفاع الحقيقي عن المواقف، وليس الجدل الأكاديمي أو جدل المواقف. ومنطق ذلك
مستقيم جدا، كما ناقشته في المقابلة: هناك برامج واقعية وواضحة للعمل تشترك
مع هذا الموقف. المهمة الرئيسية هي جلب الآراء والاتجاهات بين أغلبية
الجمهور الأمريكي إلى ساحة السياسة. وهذا هو، مقارنة بالمهمات الأخرى التي
تواجه النشطاء، فهي مهمة، وقد كانت كذلك منذ زمن طويل، سهلة وبسيطة نسبيا.
نسبيا؛ مثل هذه المهمات ليست سهلة. ما ينقص هو الالتزام بالموقف، وليس
انتهاز الفرص. هؤلاء الذين لا يرحبون بتحمل التزاما لا يلومون إلا أنفسهم
على ما سوف ينتج عن ذلك، وهو ما يتشكل على ارض الواقع أمام أعينهم، في
اتجاهات هي كلها واضحة أمامهم. للحد الذي فيه تستطيع سياسة الولايات المتحدة
أن تتحول نحو الإجماع الدولي والرأي العام الداخلي، سوف يزداد التأييد أيضا
داخل إسرائيل، تقريبا بشكل اتوماتيكي، كنتيجة لعلاقة الاعتمادية التي تقرها
إسرائيل بشكل واعي منذ ما يقرب من 30 عام. سوف تكون هناك بلا شك مقاومة من
المستوطنين، ولكن على الأقل في حكم معظم مسئولي الأمن الإسرائيليين الكبار،
المشكلة يجب ألا تكون على هذه الدرجة من الصعوبة عند التعامل معها، كما ورد
في المقابلة.
موقف آخر محتمل هو تأييد
تسوية ثنائية القومية، ربما ترتيبات اتحاد فدرالي من النوع الذي نوقش طويلا
وقائم بنجاح في أماكن اخرى، أو في بعض الصور الأخرى. هذا الموقف يتحرك من
الخطابية ومجرد اتخاذ المواقف إلى الدفاع الحقيقي عن قضية عندما يكون مصحوبا
ببرنامج عمل قابل للتحقق. يوجد مثل هذا البرنامج، مع خطوتين جوهريتين.
الخطوة الأولى هي تنفيذ تسوية الدولتان بالاتفاق مع الإجماع الدولي، وعكس
الدورة المتصاعدة للعداء، والكراهية، والعنف، والقمع، ونزع الملكية. الخطوة
الثانية هي أن نشرع من حيث انتهت الخطوة الأولى. لأسباب هي واضحة لكل فرد
يعرف المنطقة جيدا، دولتان في حوض نهر الأردن تفتقر لكثير من المعقولية، وكلا
الطائفتان الاجتماعيتان لديهما أسبابا طيبة للبحث عن مزيد من التكامل. هذا
البرنامج قابل للتنفيذ، ولكن على مراحل. هؤلاء الذين يفكرون في شيء آخر
عليهم مسئولية صياغة برامجهم من اجل تنفيذ البدائل التي يقترحونها؛ كما
لاحظنا، والتي كانت ممكنة قبل منتصف السبعينات، ولكنها لم تصبح كذلك منذ ذلك
الحين. والى حين أن نرى ذلك البرنامج، ليس هناك شيء مطروح للنقاش، وليس هناك
موقف ندافع عنه بالمعنى الجدي للكلمة.
هناك موقف ثالث محتمل وهو
دعم تسوية لا دولة، بتعميم التعددية القومية فيما وراء حدود الدولة (بأعرض
معنى مشار إليه). هذه المقاربة تقوم على الاعتراف بان نظام الدولة الأمة كان
واحدا من أكثر ابتكارات أوروبا وتفريعاتها وحشية ودمارا، فرضت بالإرغام على
كل الأجزاء الباقية في العالم، بتبعات مريعة استمرت قرونا في أوروبا، وفي
أماكن اخرى حتى وقتنا الحاضر. بالنسبة للمنطقة، سوف يعني ذلك إعادة تأسيس
بعضا من أكثر العناصر معقولية في النظام العثماني (لكن، وبشكل واضح، بدون
أكثر سماتها شديدة الوطأة الغير محتملة)، متضمنة حكما ذاتيا محليا وإقليميا،
وإلغاءا للحدود وتوفيرا لحرية الانتقال، وتقليص أو إلغاء القوات العسكرية
بشكل حاد، الخ.
وتطبيق ذلك في أماكن
اخرى، قل في أمريكا الشمالية، سوف يخول ذلك، لنذكر مجرد مثال واحد، عكس مبدأ
كلينتون بعسكرة الحدود الأمريكية المكسيكية فيما بعد النافتا (اتفاقية منطقة
التجارة الحرة بين الأمريكتين)، بكلفة إنسانية قاسية، والتعامل بشكل إنساني
مع حقيقة أن الولايات المتحدة تجلس على نصف المكسيك، الذي اكتسبته بالغزو
الوحشي. قضايا مماثلة ترتفع في أنحاء كثيرة من العالم.
لجدارة هذه الأفكار،
دافعت عنها علنا، وفي الواقع (ربما ما تزال حتى الآن) خضعت هذه الأفكار
للتحقيقات بتهمة جريمة "الانفصالية" بواسطة النظام الأمني التركي بسبب
ملاحظات على هذا الموضوع في محادثات أجريت في العاصمة الكردية شبه الرسمية
ديار بكر، ونشرت مؤخرا، وربما نشرت في زي نت. هناك دفاع (صريح) عن بعض
الأشياء من هذا القبيل مثل ما ورد في كتاب تشارلز جلاس الممتاز ’القبيلة
والأعلام‘.
هل هناك برنامجا قابلا
للتحقيق من اجل ذلك، لدرجة أن يصل إلى مستوى الدفاع الحقيقي عن قضية؟ نعم،
موازيا لمسارات الدفاع عن موقف الاقتراح الأكثر محدودية للثنائية القومية.
موقف اللا دولة هو الأكثر معقولية ومن المحتمل أن يكون الأكثر قابلية للتحقيق
على المدى الأطول أكثر من موقف الدولة الواحدة. على الأقل هذا الموقف يعترف
بحقائق المنطقة، وبأهمية بعض الأشكال لحق تقرير المصير والحكم الذاتي
للمصفوفة المعقدة للجماعات المختلطة والمصالح المتشابكة.
كيف يجب علينا أن نضع
الأولوية لهذه الغايات طبقا للتفضيلات؟ حكمي الخاص، منذ الطفولة وما يزال
حتى اليوم، هو انه بين هذه البدائل، حل اللا دولة هو الأحسن بشوط كبير (ليس
فقط في هذه المنطقة)، يليه حل الدولة ثنائية القومية، وحل الدولتان هو أسوأهم
جميعا. لاحظ إنني قد حذفت طبعة الدولة الواحدة. سبب واحد أشرت إليه توا:
نظاما ثنائي القومية هو أفضلهم مناسبة لاحتياجات وهموم الطائفتين
الاجتماعيتين، واشك انه سوف يكون مفضلا لهما لو كان بالإمكان تحقيقه عبر
خطوات. ولكننا في حاجة لئلا نخمن في هذا الموضوع. وحتى يقبل اقتراح الدولة
الواحدة الفورية بنسق "الواقعية"، ويكون مصحوبا ببعض المؤشرات التي تدل على
انه برنامج عملي قابل للتحقق، سوف نعود مرة اخرى إلى الندوة المريخية.
وكما نوهنا توا، أخمن إن
هذا هو السبب الذي جعل الاقتراح وقد أصبح مقبولا في دوائر النخبة المثقفة،
بشكل فارق عنه في السنوات التي كانت نسخة الحل ثنائي القومية ممكنا وكان
مكروها كراهية التحريم. الآن تلقى الأفكار ترحيبا، مظهرة إنسانيتنا، ولكن
دون اهتمام لما يمكن أن تقودنا هذه الفكرة إليه. يوجد هناك، برغم ذلك، هؤلاء
الذين يرحبون بهذا الاقتراح بشكل عظيم كمطلب فوري، رافضين المراحل الوسيطة،
ويأملون انه سيلقى إقرارا واسعا. ولنقتبس من اللقاء:
"سوف يرحب النظام الدعائي
في إسرائيل والولايات المتحدة فرحين بالاقتراح لو كسب أي اهتمام هامشي اكبر،
ولسوف يكدون ليوفرا له انتشارا أوسع، مفسرين إياه على انه مجرد دليل آخر على
انه ليس هناك "شريك للسلام"، ولذا ليس لدى الولايات المتحدة ولا إسرائيل أي
خيار آخر سوى إنشاء "حائط الأمن" عن طريق حبس الفلسطينيين البرابرة داخل
سرداب الضفة الغربية بينما يستولون هم على الأراضي والمصادر الطبيعية
الغنية. أكثر العناصر تطرفا وعنفا في إسرائيل والولايات المتحدة لا تستطيع
أن تضع أملها على هدية أعظم من هذا الاقتراح".
لو كان البديل الوحيد
المتاح هو "تسوية الدولة الواحدة" دون أي مراحل تمهيدية، لا يكون لدينا أدنى
شك في أن صقور الولايات المتحدة وإسرائيل سوف تبتهج جميعها، ولسوف يمضون
قدما، مع دعم جماهيري كاسح لفرض ترتيباتهم الوحشية الخاصة على المناطق
المحتلة. وحيث أن كوهين يتجاهل هذه المسائل بالكامل، سوف أتوقف عند ذلك
الحد، معلقا ببساطة إننا لم نصل إلى مستوى الدفاع عن موقف، بمعنى جدي، إذا لم
نخاطب كل هذه الأمور بعناية.
الكثير من الشيء ذاته هو
ما يتعلق بـ "حق العودة". كما ورد نصه بشكل واضح في المقابلة، "اللاجئون
الفلسطينيون يجب ألا يكونوا بالتأكيد على استعداد للتنازل عن الحق في
العودة". هذا ليس محل سؤال (تفسير كوهين المغلوط يحذف هذه الجملة الحاسمة).
السؤال المختلف هو هل هذا الحق سوف ينفذ أم لا. في هذه الحالة أيضا، تحت هذه
الظروف (التي لا يمكن تخيلها افتراضا) أي تأييد له وزنه قد يتطور لصالح هذه
القضية، سوف تلجأ إسرائيل إلى الأسلحة النهائية لمنع ذلك. هؤلاء الذين يكنون
أي اهتمام بمصير اللاجئين لن يتلاعبوا أمام أعينهم بآمال لن تتحقق. ومن
الصعب الادعاء بأنهم يفعلون ذلك عن موقف معنوي.
والشيء ذاته هو صحيح بشكل
عام، بما فيه الأمثلة الأخرى المذكورة هنا. شعب الشيروكي يمتلك أيضا حق
العودة إلى أراضيه التي طرد منها، و"يجب بالتأكيد ألا يتنازل عن" هذا الحق.
العشرة أو الخمسة عشرة ملايين من الأكراد الترك لديهم الحق في حكم أنفسهم في
كردستان أوسع كثيرا، و"يجب بالتأكيد ألا يكونوا على استعداد للتنازل" عن هذا
الحق. افترض إن شخصا ما جاء ليتلاعب أمام أعين الشيروكي أو الأكراد الترك
بأمل أن تلك الحقوق سوف تتحقق لو انهم فقط رفضوا أي ترتيبات قد تخفف لدرجة ما
من ظروفهم التعيسة. مثل هذا الشخص سوف يعتقد في نفسه انه "مدافع عن الشيروكي"
أو عن الأكراد، وانه يتصرف وفقا "للمبادئ"، ولكنه سوف يضللهم بشكل خطير.
أنا أتخيل لهذه الدرجة أن
ذلك هو النقاش بين الناس الذين يعتنون برعاية الشعب محل القضية ومصيره، خصوصا
الفلسطينيين، أكثر الضحايا بؤسا. هناك بالطبع، إمكانية اخرى. قد نتحول مرة
اخرى إلى الندوة الأكاديمية بين مثقفين في برج عاجي على كوكب المريخ. نستطيع
عندئذ أن ننضم إليهم في السخرية من "الواقعية" والقابلية للتنفيذ – أي،
الانتباه للعالم الحقيقي وأن نضع في اعتبارنا النتائج التي تترتب على حركتنا
لصالح الضحايا. ونستطيع أن ننخرط في مناقشات مجردة فيما يمكن أن يكون "حقا"
و"عادلا" في بعض الأكوان الغير قائمة. ولكن إذا ما قرر المساهمون في هذه
التمرينات الهبوط على الأرض، وان يكون لديهم بعض الاهتمام والعاطفة نحو
الضحايا، سوف يكون واجبهم أمامنا شرح كيف نشرع في التقدم من هنا إلى هناك.
لو كان لديهم مقترحات، فلنسمعها حتى نستطيع تقييمها، ولو كانت معقولة، نتصرف
على أساسها. هؤلاء المقتنعون بالاقتراحات إذا ما تم عرضها يوما ما يجب أن
يتتبعوها بكل وسيلة، ولكن حتى هذه اللحظة تظل الأمور أكاديمية، حيث لا توجد
مقترحات لها وزنها من اجل الحركة غير الخطوة خطوة التي تم تحديدها سابقا؛ على
الأقل مقترحات من التي صادف إنني قد رأيتها. وللأسباب التي شرحتها، اعتقد إن
هؤلاء الذين يتخذون المواقف دون الوصول بها إلى مستوى الدفاع عن المبدأ بشكل
جدي هم يخدمون قضية الصقور المتطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة، ويجلبون
مزيد من الأذى إلى الفلسطينيين الذين يعانون فعلا. وحيث أن التعليقات لم يتم
مخاطبتها، سوف أتوقف عند ذلك.
أنا لا أرى شيء ما موضوعي
في اتهامات كوهين التي لم يتم الرد عليها حتى الآن. لشرح عدم تحديد الإجابة،
سوف أتناول التهمة الأولى، مهملا سيل الخطابية التي تسبقها:
"عموما، المنطق يعتمد على
ركنين أساسيين:
1) يجب الفصل بين تاريخ
الاحتلال الاستعماري لإسرائيل وتوسعها وبين التاريخ الاستعماري للمستعمرين
الآخرين، كحالة خاصة ويجب أن نضع في حسباننا بشكل خاص المستوطنين
الاستعماريين الصهاينة كحالة خاصة بشكل تاريخي؛ 2) حيث إن هذه "الجماعة
الخاصة بشكل تاريخي" تمتلك أيضا قوة عسكرية مكثفة، وأسلحة نووية، ودعم أمريكي
سياسي واقتصادي، فالدعوة إلى وضع نهاية للنظام الاستعماري هو أمر غير واقعي؛
إنها فكرة تؤذي هؤلاء الرازحون تحت الاستعمار، ويجب إعادة توجيهها نحو أنشطة
أكثر فائدة.
الركن الأول هو محاولة
مشوهة للالتقاء بحجج تخلق منطقا عن العدالة؛ والثاني هو محاولة للوصول بهم
إلى المجرد بحجج عن الواقعية".
الركن 1) هو اختراع، إلا
إذا كان كوهين يقصد أن تلك هي "حالة خاصة" بالمعنى نفسه الذي تكون فيه كل
حالة هي "حالة خاصة"، بمواصفاتها الخاصة التي يجب وضعها في الحسبان عند أي
شخص لديه أي اهتمام بالشعوب محل الاضطهاد، والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص.
بقية 1) يمكننا تجاهله.
في الركن 2)، كوهين يقتبس
عن نفسه، وليس مني. الإشارة المرجعية إلى "الدعم السياسي والاقتصادي من
الولايات المتحدة" هي أيضا من اختراعه: اللقاء الذي يشير إليها، وكل ما كتبته
وقلته حول هذا الموضوع لعقود طويلة، يجعل بشكل واضح لا يقبل الخطأ إن إنهاء
هذا الدعم يجب أن يكون بشكل دقيق هو غايتنا – وليس تأكيد هذا الدعم باتخاذ
موقف مرحب اشد الترحيب بالصقور المتشددين، كما قد أوضحت توا. للحد الذي تكون
فيه تهمة "الواقعية" دقيقة، أنا بالتأكيد اقبلها، وسوف انصح بها كل من يأمل
أن يقوم بعمل شيء مفيد في هذا العالم، ولذلك يأخذ في اعتباره ظروف العالم
الحقيقي ونتائج حركتنا لصالح الشعب الذي يعاني.
البقية تتري على نفس
الخطوط. لو أي قارئ رأى ان هناك بعض النقاط التي لم يتم بحثها، سوف أكون
مسرورا أن أتناولها بالبحث.
|