استيقظت من النوم، وعانيت من الأنباء، وفتحت صندوق
بريدي الالكتروني. كانت هذه هي أول رسالة قرأتها.
"عن جد... أنا لا اعرف من يرد على بريدكم هذا،
ولكن هل تعتقد إن الأحلاف التي كانت تعمل من اجل إسقاط بوش كانت
تستطيع أن تتغلب على هذا الوغد؟ أنا اشعر بقلة حيلتي بشكل مروع...
لقد كنت مشاركا مع منظمة آكت (ACT)
ونقابة عمال الخدمات (SIEU)
في هذه الحملة اشتركت في النقاشات الساخنة واشتركت في الدعاية عن
طريق الاتصال بالناس تليفونيا والخ الخ الخ... أنا لا أستطيع تصديق
إننا خسرنا أمام هذا المريض العصابي مرة أخرى. أنا اعرف إن كيري
مغفل، ولكن ليس بأيدينا شيء... ما الذي بقى؟"
الإجابة الموجزة هي نعم تستطيع الأحلاف "التغلب على
هذا الوغد"، إذا كان لدى الأحلاف عقل وقلب حتى يفعلوا ذلك. من الحقيقي
إن كثير من الناس، حتى إذا ما كانوا متحدين، يمكن هزيمتهم. لا يجب أن
نتصور إن الحقيقة لم تكن كذلك. ولكن من الصحيح أيضا أن كثير من الناس
المتحدين يستطيعون الانتصار، والانتصار مرات ومرات. بالنسبة "لما
بقى؟" بالطبع ستكون الإجابة هي اليسار الحقيقي هو الذي بقى، ولو كان
لدينا ما يكفي من القلب والعقل نستطيع أن ننمي هذا اليسار حتى تصبح
الانتصارات الحقيقية هي انتصاراتنا. سأحاول تقديم بعض أجزاء من إجابة
مفصلة فيما يلي.
نتائج الانتخابات
أولا، الولايات
المتحدة ككل لم تصوت من اجل لا شيء فيما يتعلق بهذه الانتخابات.
حوالي 60% من الأصوات السليمة أدلت بأصواتها. وهذه نسبة مرتفعة قياسا
للسنوات القليلة الماضية، ولكنها ما تزال متدنية مقارنة بالمعايير
القياسية الدولية. وهذا يعني أن 30% من الأصوات الصحيحة قد صوتت لصالح
بوش ونسبة اقل قليلا من ذلك صوتت لصالح كيري. لو كان كيري قد كسب واحد
أو اثنين بالمائة أكثر من هذه الأصوات فإنه كان سيكسب تلك الانتخابات،
وما كانت هذه النتيجة أيضا ستغير تقريبا أي شيء من انتماءات سكان
الولايات المتحدة الأمريكية. لم يصوت من الناس إلا مؤيدي احد المرشحين.
فيما يتعلق بالحكم
على الجمهور الأمريكي، حتى قبل أن نسجل ملاحظاتنا على التعامل مع المشاعر
العامة التي صاحبت الانتخابات الأمريكية، فلن نستسيغ العمل كما لو كانت
البلاد يسكنها أوغاد مجردين من الأخلاق يبحثون عن مصالحهم الأنانية لان
بوش قد كسب، خصوصا ونحن نفترض إننا كنا سنحتفل بعودة أمريكا إلى الرشد
والأخلاقيات إذا ما سارت الأمور بشكل مختلف قليلا. فإذا كانت أفكار
مواطنيك بالأمس لا تضنيك، وإذا ما كنت لن تضنيهم حالة ما كان كيري قد كسب
الانتخابات في أوهايو، أو حالة دخل كيري سباق الرئاسة وجيفرت نائبا
للرئيس المرشح وكسب ميسوري وايوا بالإضافة إلى أوهايو والانتخابات، فمن
ثم ليس هناك أسباب كثيرة حتى تضنيهم كما هو حاصل الآن. انهم ما قد كانوا
عليه، يحتاجون إلى تحسن كثير ولكن من الصعب أن يكونوا بهذا السوء الذي قد
يستنتجه بعض الناس.
من الناحية الأخرى،
لو كانت الانتخابات قد ذهبت إلى كيري، في حين عدم إشارتها بشكل كبير إلى
حالة الوعي الجماهيري العام، فإنها بدون شك كانت ستغير ملامح العالم لبعض
الوقت في المستقبل ومن المحتمل أنها أيضا سوف تغير النشاط والقدرة على
التأثير في المدى القصير أمام هؤلاء الذين سوف يرغبون في بلوغ عالم أفضل
بشكل حقيقي. البكاء على هذه التبعات الحقيقية جدا لإعادة جلوس جورج بوش
وأجندته الأصولية على العرش سوف تكون مبررة.
نقطة اخرى في
السياق. ريتشارد نيكسون، وهو سفاك حقير أكثر إقناعا من بوش بقليل والذي
بالإضافة إلى ذلك لم ينظم تقريبا جهازا انتخابيا له، عندما دخل جولة
انتخابات الرئاسة في 1972من اجل فترة ثانية، كسب في كل الولايات ما عدا
ولاية واحدة. لقد كانت مذبحة انتخابية ومذبحة تصويت جماهيري. إلا انه،
طرد من منصبه بعد ذلك ليس بوقت طويل. الجمهور الانتخابي الأمريكي ليس
أسوأ على العموم الآن منه في ذلك الوقت، وهو بشكل يحتمل الجدل هو الآن
أفضل في نواح متعددة.
تماثل عام 2005 مع
1972ليس سببا للبشر والتهليل. بالنسبة للبعض منا، الناس في ذلك الوقت
والآن، سببا لاكتئاب عميق. أنا اكتب ودموعي تنهمر. ولكن في نفس الوقت
الوضع يكشف أننا لسنا نحيا بشكل مفاجئ نوع من أنواع الأزمنة المظلمة التي
لم نعهدها من قبل. الأمر يدلل على أن الجمهور لم يصبح بعد فاشستيا في
بعض الأوجه الجديدة والغير مسبوقة. وببالغ الأسى أقول، ما يظهره الوضع
أيضا، هو أنه بعد أربعين عاما من الكفاح لم نخطو للامام بعيدا لهذه
الدرجة، وهذه الحقيقة تستحق أن توضع في الاعتبار بشكل جدي.
حسنا، إذا ماذا عن
الناس الذين أدلوا بأصواتهم؟
إحصائيات الانتخابات وماذا تقول؟
طبقا للاستطلاعات
النهائية التي قامت بها الـ CNN،
صوت الرجال 54% إلى 45% لصالح بوش وقد صوتت النساء 52% إلى 47% لصالح
كيري.
صوت الرجل الأبيض 61%
إلى 38% لصالح بوش، والنساء البيض 54% إلى 45% لصالح بوش أيضا. الرجال
من غير البيض صوتوا 68% إلى 30% لصالح كيري، والنساء من غير البيض 75%
إلى 24% لكيري. كسب كيري الأمريكان الأفارقة بنسبة 9 إلى 1 ولكنه خسر
البيض بنسبة 6 إلى 4.
كسب كيري بين من هم
في شريحة السن 18 إلى 29، ولكنه خسر كل الجماعات العمرية الأكبر. لم يكن
هناك أعداد من أصوات الشباب لتكتسح أصوات الأكبر سنا.
من ناحية الدخل، ليس
من المدهش أن كيري حصل على أصوات اقل كلما كانت الهيئة الانتخابية أكثر
ثراءا وحصل بوش بالمقابل على أصوات اكبر منها. من الـ 45% من الناخبين
الذين تبلغ دخولهم اقل من 50 الف دولار في السنة، حصل كيري على 56% وذهبت
43% من هذه الأصوات إلى بوش. (طبعا، السؤال الكبير هو، ما السبب الذي
جعل 43% من الأصوات تصوت هكذا بوضوح ضد مصالحها المادية؟) من الناحية
الأخرى، من الـ 55% من الناخبين الذين يحصلون على أكثر من 50 الف دولار
في السنة، كسب بوش 55% إلى 45%. كسب كيري أيضا 51% إلى 48 من الـ 82% من
الأصوات الذين يكسبون 100 الف أو اقل. ولكن من بين الـ 18% من الذين
يكسبون أكثر من 100 الف دولار، كسب بوش 57% إلى 47%. لو ذهبت أناس أكثر
إلى مراكز الانتخابات، وهو ما يعني إن مزيد من الناس الأقل دخلا يذهبون
إلى الانتخابات، كان يمكن أن يكسب كيري الانتخابات. وعلى نفس المنوال،
إذا ما كان قد أعطى الناس الذين يكسبون اقل من 50 ألف دولار في العام
والناس الذين يكسبون اقل من 100 ألف في العام، أصواتهم لكيري بالتناسب مع
مصالحهم المادية الحقيقية، لكان كيري قد فاز.
كسب كيري 60% إلى 40%
من وسط أعضاء النقابات وعائلاتهم. وخسر 52% إلى 47% بين هؤلاء غير
المنتسبين إلى نقابات، ولكن هناك سبيل أكثر من الأخير. لو كان لدينا
عمال نقابيين أكثر منتسبين للنقابات، مرة أخرى لكان كيري قد كسب.
من بين المسجلين
الجدد في كشوف الاقتراع كسب كيري 55 الى 45%، ولكن ذلك لم يكن كافيا،
الناخبون الجدد، أو، إذا كنت تفضل، هذه الفجوة لم تكن واسعة بشكل كاف،
لتذهب بالانتخابات إلى كيري على الإجمال.
فيما يتعلق بالأديان،
كسب كيري اليهود بشكل كاسح، بالإضافة إلى "الأديان الأخرى"، وغير
المتدينين" – ولكن بوش كسب البروتستانت 58% إلى 41% والكاثوليك 51% إلى
48%. لو كنت ترتاد الكنيسة أسبوعيا فإنك سوف تصوت لصالح بوش 60% إلى
40%. ولو كنت تذهب بالمصادفة فقط، كنت ستصوت لصالح كيري 53% إلى 46%.
إذا لم تكن ذهبت أبدا، سوف تصوت لصالح كيري 65% إلى 35%. التدين العميق
له اثر رجعي عميق على الانتخابات الأمريكية، أو على الأقل يرتبط بصلة
متينة مع العوامل التي تؤدي لتلك الآثار الرجعية.
كسب كيري المثليين،
والسحاقيات، وثنائيي الميول الجنسية 77% الى 23%، ولكنهم كانوا 4% فقط من
كل الناخبين. كسب بوش من لهم ميول جنسية نحو المختلف 52% الى 47%. بدون
هزل، ومعتمدا تماما على الحدس، وجدت ان نسبة 3 الى 1 في هذا المقام لها
مغزاها كمؤشر. يبدو لي ان المثليين والسحاقيات وثنائيي الميول الجنسية
من المحتمل انهم متناغمون جدا مع الكارثة التي قد يجلبها بوش عليهم وعلى
طوائفهم. لذلك فأنا اشك ان نسبة 3 الى 1 تؤشر على الهيئة التي تفهم حقا
الاختلاف حول القضية وتشعر بقوة تماما ما هو الموضوع في المسألة.
أصحاب حيازة السلاح
(41% من مجموع الناخبين) صوتوا لصالح بوش 61% إلى 37%. الناخبون الذين
بلا حيازة سلاح (الذين كانوا 59% من مجموع الناخبين) صوتوا لصالح كيري
58% إلى 41%. (لاحظ، أنه من المفترض أن حيازة السلاح هي مسألة قوية جدا
ومحدد لوجهات النظر، ولها بالتأكيد ثقلها، ولكن بنسبة اقل من 2 إلى 1).
لو كنت من الـ 4% من
الناخبين الذين يعتقدون أن المسألة الأعظم أهمية في الانتخابات هي مسألة
التعليم، فأنت قد صوت لصالح كيري 75%. ولو كنت في الـ 20% الذين يعتقدون
أن الاقتصاد والوظائف هي أكثر أهمية فأنت قد صوت لصالح كيري 78%. لو كنت
من الـ 15% من الناخبين الذين يعتقدون أن العراق كانت الأهم فأنت قد صوت
لصالح كيري 75%.
لكن لو كنت من الـ
19% الذين اعتقدوا أن المسألة الأكثر أهمية هي الإرهاب، فأنت قد صوت
لصالح بوش 86%. وإذا كنت من الـ 22% الذين يعتقدون إن "القيم الأخلاقية"
هي الأكثر أهمية فأنت صوت لصالح بوش 79%. ولو كنت من الـ 5% الذين
يعتقدون إن الضرائب هي الأهم فأنت صوت لصالح بوش 56%.
باستثناء الضرائب،
أرقام النسب المتعلقة بهذه القضايا، على كلا الجانبين، هي 3 إلى 1 أو
أكثر. يبدو من ذلك ان الناخبين الذين يعطون كثير من الاهتمام لقضية ما
هم يعرفون فعلا الاختلاف بين المرشحين فيما يخص كل قضية وقد صوتوا طبقا
لذلك، والأمر حتى أكثر على هذا النحو مع اليمين. انتصار بوش، بالنظر إلى
الأمور من هذه النقطة المميزة، كان مثيرا للجدل لأن العديد من الناخبين
اعتبروا "الأخلاقيات" أو الإرهاب هو القضية الأولى.
الـ 46% من الناخبين
الذين يعتقدون إن الاقتصاد الوطني كان ممتازا أو طيبا صوتوا لصالح بوش
86% - 13%. والـ 52% الذين اعتقدوا انه لم يكن جيدا أو سيئا صوتوا لصالح
كيري 79% - 19%. كلاهما كان أكثر من 3 إلى 1.
الـ 13% من الناخبين
الذين يشعرون إن أوضاع عائلاتهم المالية كانت أحسن منها بأربع سنوات
سابقة، صوتوا لصالح بوش 79% - 20%. الـ 28% من الناخبين الذين اعتقدوا
إنها كانت أسوأ، صوت 80% إلى 19% لصالح كيري. بالنسبة إلى الـ 39% من
الذين شعروا انه لم يحدث تغيير، كسب كيري 50% إلى 48%. مرة اخرى التمايز
الواضح حول أي قضية كان ظاهرا. و، هنا أيضا، لو كانت الناس قد صوتت
بأعداد أكثر، لابد وانه كان سيوجد المزيد من الذين يشعرون إن أوضاعهم قد
ازدادت سوءا، وكان ساعتها سيكسب كيري.
الـ 26% من الذين
يعتقدون بوجوب زواج المثليين جنسيا صوتوا 77% لصالح كيري مقابل 22%. الـ
35% الذين يفضلون الاتحاد المدني صوتوا لبوش 51% - 48%. والـ 36% الذين
يعارضون الاعتراف القانوني بزواج الشواذ صوتوا 69% - 30% لصالح بوش.
وكان من المثير وبشكل اقل قليلا من المدهش، ان النتائج من المواقف
الرجعية لم تكن بهذه الدرجة من العدوانية كما كانت على ناحية التقدميين،
او بدت هكذا. من الناحية الأخرى، كثير من الذين انتخبوا كيري صوتوا
بوضوح ضد زواج المثليين في انتخابات الولايات.
الـ 23% من الذين
يعتقدون بأن الإجهاض يجب أن يكون قانوني دائما صوتوا لصالح كيري 73% -
25%. الـ 38% الذين اعتقدوا انه يجب أن يكون شرعيا على الأغلب صوتوا
لصالح كيري 61% إلى 18%. الـ 26% الذين يعتقدون إن الإجهاض يجب أن يكون
غير شرعي في معظم الأحيان صوتوا لصالح بوش 73% - 26%. الـ 16% الذين
يقولون بأنه يجب أن يكون غير قانوني دائما صوتوا لصالح بوش 77% - 22%.
يبدو أن التمايز هنا أيضا هو بأفضل من نسبة 3 إلى 1.
وهكذا – مع وضع البيانات، وخبراتنا، ومشاعرنا وأفكارنا في الاعتبار،
ماذا نرى في الانتخابات؟
يبدو أن الناس صوتت
بشكل واسع بما يتفق وأولوياتها. القليل هم من تم خداعهم حتى يعتقدوا أن
بوش أكثر معاداة للحرب من كيري أو أن كيري نصيرا الحرب أكثر من بوش أو أن
بوش منحاز لقضايا المثليين جنسيا أو أن بوش يقف مع قضايا العمال أكثر أو
أن كيري يعمل لصالح الأثرياء أكثر، وهكذا دواليك، من نتائج الاستطلاع
هذه. التصورات الخاطئة عند الناخبين لم تكن حول مواقف المرشحين بالدرجة
التي كانتها حول حالة العالم، أو حول القيم التي يحملونها.
الرواية الأولى:
خسر كيري والديموقراطيون لأنهم فشلوا في التأكيد على موضوع العراق
والاقتصاد. الناخبون الذين يقولون بان هاتان القضيتين هما الأهم صوتوا
بقوة لصالحه. الناخبون الذين توقفوا أمام قضية الإرهاب بشكل رئيسي
ويخشون الهجمات الإرهابية أو المهمومون بتحلل الحضارة عن طريق زواج
الشواذ – "وهي قيم أخلاقية" – صوتوا بقوة لصالح بوش. كان هناك ناخبون من
الفئة الأخيرة أكثر من الفئة الأولى، كلاهما ممثلة عبر البلاد وفي
أوهايو، لهذا كسب بوش. لم يحرك كيري بؤرة الاهتمام بشكل كافي من الإرهاب
والموقف ضد الشواذ إلى العراق والاقتصاد.
الرواية الثانية:
أدار كيري والديموقراطيون حملة جيدة كان يمكن لأي ديموقراطي آخر أن
يقودها. كان لديهم دعما نشطا كثيفا غير مسبوق من هوليوود وعالم الموسيقى
والغناء. لقد ضربوا بشدة على أوتار القضايا الأكثر تفضيلا لديهم لنقل
الجدل نحوهم، ولكن من اجل الاحتفاظ بالدعم المالي ولتفادي الهجمات
الإعلامية المكثفة، خاطبوا أيضا قضايا الأمن. لقد أداروا حملة هائلة
للحصول على الأصوات بواسطة عشرات الآلاف من المتطوعين، خصوصا في فلوريدا،
وأوهايو، وبنسلفانيا. برغم ذلك، كسب بوش التصويت الجماهيري عبر البلاد
وكذلك أصوات المجمعات الانتخابية أيضا، والأخيرة كسبها في كلا من فلوريدا
وأوهايو.
اللغز في ذلك، أن
كلا الروايتان صحيحتان.
الدين، وكراهية
الآخر، والمازوخية، والقيم الأسرية، والخوف الذين سبحوا بالقومية فوق
العقل والذين ارتفعوا بالبارانويا فوق التقمص العاطفي كانوا طوق النجاة
لبوش فوق الهموم الجانبية مثل أفول الحضارة، والمناخ، والاقتصاد والتضامن
وحتى الأمن. حدث هذا على الأرجح في جانب مهم من هذه الهموم التي اعتقد
العديد من الناس ولديهم أسبابهم في ذلك إن كيري لا يحمل لهم فيها آمالا
أكثر من بوش. حصل أنصار كيري على ناخبين جدد بشكل أفضل مما استطاع أي
امرئ أن يتنبأ به منذ شهور مضت، ولكن الجهود لم تستنهض فقط ناخبي كيري،
ولكن، كرد فعل، جلبت أيضا أصوات إضافية لصالح بوش.
المشكلة لم تكن
بالدرجة أن الناخبين قد خدعوا من قبل المرشحين. الذين أدلوا بأصواتهم
يبدو انهم يعرفون من هو المرشح الذي يتحدثون عنه، ومن ناحية اخرى
العلاقات التي أوردناها أعلاه سوف لن تكون على هذه الدرجة من القوة.
المشكلة هي إن الناخبين قد خدعوا في حالات كثيرة عن العالم، أو توفر
لديهم أراء قبيحة بشكل مباشر عنه، في بعض الحالات. وبالطبع، المشكلة هي،
لدرجات أعظم، أن الكثير من الناس الذين عارضوا بوش والذين كانوا سوف
يعارضونه حال أدلوا بأصواتهم، لم يصوتوا.
ما الذي نستطيع
قوله؟ اعتقد أن بعض الأشياء هي واضحة بشكل كافي. لن تحتضن الكيانات
الانتخابية المظلومة خضوعها. سوف يكون هناك نضالا حول العرق، والنوع،
والعلاقات الجنسية حتى يتم التغلب على كل المظالم المرتبطة بها. اليسار
الذي لا يعلم وعلى الأقل يمنع استقطاب، ويموه على الأفضل على، التأييد في
القضايا الاجتماعية بالإضافة إلى القضايا الاقتصادية والسياسية، لن يكون
منافقا وفقط وغير ذي جدارة، سوف يلقى أيضا صعوبة كبيرة في الانتصار.
الخوف هو دائما
احتمال. اليسار الذي يخاطب ذلك مباشرة – أخلاقيا، ومعنويا، وعقلانيا –
عن طريق التعامل مع العلاقات الدولية، وسياسة الولايات المتحدة الخارجية
متضمنا شرح جذورها وتبعاتها، وهكذا جذور وتبعات الإرهاب أيضا، من النادر
أن ينتصر إذا كان سوف ينتصر من الأصل. لو كانت الحركة المعادية للحرب قد
أقنعت 5% آخرين من السكان أن الحرب في العراق لا صلة لها بالإرهاب وإنها
كانت خطأ من الناحية الأخلاقية، لكان بوش قد خرج من الرئاسة.
ولكن هناك شيئا أخر
يتدخل في الموضوع. لماذا لم يصوت كل العمال بشكل افتراضي لصالح كيري،
ولماذا لم يصوت المزيد منهم له في النهاية؟ الديموقراطيون يصارعون
الجمهوريون على نفس مصدر التأييد الحقيقي، الذي هو النخبة الحاكمة التي
تحتكر الأموال ووسائل الإعلام. حتى لو كان الديموقراطيون لديهم ميول
مختلفة – نادرا ما تكون هي الحالة – هذه الحقيقة تقلص منظور جاذبيتهم
لأصوات الناخبين خوفا من خسارة الوسائل المالية وسبل الوصول إلى وسائل
الإعلام حتى يستطيعون خلق جاذبية لهم من الأصل. انهم لا يستطيعون التحدث
عن جذور مشاكلنا الحقيقية، حتى لو كانوا عالمين بها. لا يستطيعون التحدث
حول حلول حقيقية لمشاكلنا، حتى لو كانوا مستعدين لتصور هذه الحلول. انهم
يستطيعون فقط التمتمة بشكل غير واضح عن رغبتهم في حياة أفضل للشعب
ويستطيعون فقط منح أنصاف سياسات من اجل تنفيذ ذلك. غير ذلك سوف تجف
مصادر أموالهم. سوف تمسحهم الميديا. في نفس الوقت، الجمهوريون يفعلون
ما يتراءى لهم... مع وفير الأموال المتاحة، والبروز في وسائل الإعلام،
ليست لديهم أي مخاوف من هموم طارئة أيا كانت.
الخلاصة هي إننا
نحتاج إلى شيء ما أكثر من مجرد مرشح ديموقراطي أفضل. نحتاج إلى نظام
انتخابي جديد وقاعدة تأييد جديدة من اجل مرشحين جدد.
ولكن ما هو أكثر، حتى
المرشح الجيد الذي يحمل أشياء جديدة لينادي بها – نادر، كوب، كوتشينيتش،
شاربتون – نادرا ما يستمع إليهم الجمهور الأمريكي. لماذا يحدث ذلك؟
لدى جمهورنا فشل عقلي
بنسب كبيرة جدا. إنه أعظم حتى من جهلهم به، الذي هو من جوانب عدة عميق
جدا. انه أعظم حتى من عنصريتهم، التي هي غالبا ملموسة جدا. وهي اكبر
حتى من كراهيتهم للآخر وعنصريتهم الجنسية، التي هي بنفس الوضوح.
هذا المرض العقلي هو
أن سكاننا يعتقدون أن لا شيء أفضل من نظام الشركات الاقتصادية الاحتكارية
الكبرى الذي نكابده الآن ويعتقدون إضافة إلى ذلك أن النظام الذي نتحمله
يجعل معظم الجهود من اجل إصلاحات كبرى لا تثمر سواء بإيقافها قبل أن
تنتصر أو بالتراجع سريعا عن أي مكاسب يحصلون عليها فور تحققها مؤقتا بوقت
قصير.
هذا المرض ليس غبيا
لهذه الدرجة، كما يظهر. وراءه أسباب. للتغلب على هذا المرض الذي يسمى
غالبا بشكل غير دقيق اللامبالاة، يتطلب الأمر من الحركات أن تنشر أملا
واقعيا عن طريق الاتصال ونقل الرسائل حول كيف أن المجتمع يمكنه أن يكون
مختلفا وكيف إننا نستطيع أن نحدث التغييرات ولماذا تستطيع هذه التغييرات
الاستمرار والمثابرة بعد ذلك. لذلك مشكلة الرؤية هي محورية. وحتى نقنع
قطاعات لها وزنها من الجمهور الذي لا يذهب إلى صناديق الاقتراع لتغيير
وجهة نظره، يتطلب الأمر ان نتعامل معه.
كنت مؤخرا في اليونان
و كجزء من الزيارة لإلقاء أحاديث عن الانتخابات الأمريكية القادمة. لقد
نقلت أحساسا بأن لدى بوش فرصة طيبة لكسب الانتخابات. بالحديث مع احد
النشطاء اليونانيين لزمن طويل أخبرت أن الأمور تبدو ميئوسا منها.
الجماهير تبدو متبلدة الشعور، وهذا شكل من الأشكال التي تبدو عليها
بالضبط. انهم لا يبدون سخطا. أنا ومن بعدي الطوفان، هذا ما هم عليه في
نهاية كل أمر. اليأس مخيم على الجو. حاولت أن أجادل بواسطة طريقة ما ثم
بطريقة اخرى، ولكنه ظل يعود إلى الولايات المتحدة. كيف يمكن أن يكون
هناك تقدما جادا عندما يكون جمهورك بأعداد كبيرة جالسا بكسل متفرجا على
المصائب المريعة تتلو أمام عينه ضد الآخرين، وفي نفس الوقت تستغرقه مكاسب
شخصية صغيرة وسخيفة، حتى ولو كانت ليست مكاسب من الأصل؟ الناس، كما يشعر
بهم هذا الناشط، سوف يحصلون على ما يستحقونه، ولن يكون ذلك أمر حميدا.
بالنسبة لهؤلاء الذين
ما زالوا يتدبرون أمر العقلية الحالية للجمهور الأمريكي، ويخشون انهم غير
مهتمين أو الأسوأ وهو انهم قساة غلاظ القلوب، حاول هذا الاختبار الفكري
الذي طرحته على الآخرين بينما كنت في اليونان.
تخيل انه صباح الغد
اخبرنا الإله كلنا أن الانتخابات الرئاسية التي قد اكتملت توا هي ملغاة
ولا شيء. ويجب إجراء انتخابات جديدة. بوش سوف يرشح ضد شخص ما جديد –
ليكن اسمه زكا. وضع زكا للجمهور برنامجا جديدا غير مهادن يتضمن كل شيء
يريده اليساريون الطيبون – رعاية صحية شاملة، لا سلاح نووي، تحركات جذرية
نحو استدامة ايكولوجية، وليس فقط انسحابا من العراق ولكن تفكيك
الإمبراطورية وتطبيق المساواة الدولية، واستبدال صندوق النقد الدولي،
والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية بأممية حقيقية، لتطبيق حركة
ايجابية حقيقية نحو النوع، والجنس، والطبقة، معيدا توزيع الثروة إلى أسفل
إضافة إلى تأسيس أجورا عادلة بشكل حقيقي، وظروف محسنة بشكل واسع ومشاركة،
وهكذا وهكذا قدما.
ويقول الرب، هنا تنشأ
الأشياء. الحملة الانتخابية سوف تجري لمدة ستة اشهر. سوف يجري نقاشا
شاملا وحوار لكل القضايا والحقائق خلال المجتمع كله – في أماكن العمل،
المدارس، الأحياء، وهكذا، ولسوف أتأكد أن كل فرد يفهم الخيارات الحقيقية
المطروحة. سوف تتاح كل المعلومات، مع اعتبار إنني، الرب، سوف أتحقق من
صحة الحقائق عند إعلانها في كل مرحلة. بعدئذ سوف تقام الانتخابات. ثم
سوف اضمن أنا، الرب، أن الفائز سوف يتمكن من تنفيذ برنامجه أو برنامجها
بشكل ناجح في السنوات الأربع القادمة، حتى الانتخابات القادمة، التي سوف
تسير على نفس هذا المنوال.
كم عدد الناس الذين
سوف يدلون بأصواتهم في هذه الانتخابات في هذه الحالة؟ 95%؟ 100%؟ 105%؟
وكيف ستكون النتيجة؟
إذا كنت تعتقد إن بوش
سوف يكون المنتصر، حسنا، يجب أن تقلق على النفسية العامة وأخلاقيات الشعب
الأمريكي، أو، في الواقع كل الشعوب بشكل عام.
ولكن إذا كنت تعتقد
أن بوش سوف يخسر، سوف يعاني بوش من هزيمة مروعة، سوف يحذف بوش من الوجود
بعاصفة من البصيرة والفرح تأتي من تنفيذ سياسات تقدمية بشكل حقيقي، ثم
يتحتم عليك أن تطور رؤية، واستراتيجية، ورؤية واضحة عن الحقيقة، وتناضل،
لان العراقيل أمام مشاركة الناس والتي يجب أن نتغلب عليها ليست هي أن
الجماهير لا تبالي وليس لأن الجماهير غليظة القلب، أو متبلدة الشعور بشكل
خلقي، ولكن على الأغلب لأن الناس (وهو الأمر المعقول تماما) يشكون في
فاعلية جدارة الاشتراك.
الطريق إلى
الأمام
لو، وهذه لو كبيرة،
أمكن لطاقة أنصار كيري التي تتضمن عشرات الآلاف من المتطوعين أن تندمج
لمصلحة أجندة تقدمية عريضة تقاوم بوش، ولو استطاع اليسار أن يكتشف طريق
المال الكافي للاحتفاظ به قوة دافعة نحو رؤية جديدة وغايات جديدة إضافة
إلى ذلك، إذا يمكننا تكتيف بوش. نستطيع أن يكون لدينا أربع سنوات فصلا
إضافيا من الكفاح لتفادي المصائب وللظفر ببعض المكاسب ذات القيمة إلى
جانب ذلك، ليتبعها احد الديموقراطيين في البيت الأبيض، يتبعها ضغط مستمر
من اجل تحسين حياة الناس مضافا إليها نموا متصاعدا لحركة جادة معادية
للرأسمالية.
من الناحية الأخرى،
إذا لم نستطع تحويل أكثر الدعم الذي كان وراء كيري كفاحية إلى معارضة
جريئة لبوش، سوف يستمر الفصل الإضافي للرجعية المستمرة زمنا أطول من مجرد
أربع سنوات فقط ولسوف تستمر الآلام والمعاناة وسط كثير من الجماعات
المتعددة على أيدي الأصولية الأمريكية ولكن بصورة أكثر وحشية. وإذا لم
يستطع اليسار أن يتسامى من كونه معادي لبوش إلى تزويدنا ببدائل أكثر
ايجابية بشكل جاد وخيارات استراتيجية جادة، إذا فالانتظار من اجل تغيير
حقيقي سوف يبقى أيضا وقتا أطول حتى يتحقق.
إنها أربعون سنة منذ
الحين الذي أصبحت فيه أنا والعديد من أبناء جيلي مناضلين محترفين وبينما
أكدت جهود اليسار أن كل فرد تقريبا قد أصبح الآن يعرف عند مستوى معين أن
كل شيء قد تحطم – وهو الشيء الذي كان من النادر معرفته في عام 1965 – ما
زال معظم الناس سلبيون، يتم خداعهم بسهولة، يفتقدون الأمل، يكادون أن
يكونوا غير مشاركين في كفاح ما، ينبذون السياسة والكفاح، يقبعون افتراضيا
في عزلة، يتطلعون إلى القشور التي قد تكون متاحة، وفوق كل شيء متفرجون.
بكلمات اخرى، ما كنا نمارسه نحن أهل اليسار قد كان له بعض الأثر، طبعا،
ولكن القيام بنفس المجهود لمدة أربعين سنة اخرى كما كنا نفعله سابقا سوف
لن يكون له أي تأثير بالمرة. اليسار الجديد يقدر له أن يكون جديدا في
المكان الذي يصبح فيه كذلك – عندما يصبح لديه رؤية مشتركة مؤثرة وحقيقية،
أهدافا متوسطة وقصيرة الأجل حقيقية ومؤثرة، ممارسة واستراتيجية مشتركة
مؤثرة وحقيقية – حقا، عندما يمتلك رؤية طويلة الأجل واستراتيجية متمكنة
ومقاتلة على الإطلاق.
يحب علينا أن ننظر في
ذلك بشكل عريض. بوش، دون معارضة مؤثرة ونضالية ونشطة، يعني على الأكثر
هزيمة رو أمام واد، وإنهاء الفصل بين الدولة والكنيسة، وابتلاع الضمان
الاجتماعي والعناية الصحية. قد يعني ذلك التدمير الايكولوجي المتصاعد،
وتوسيع القانون الوطني والقمع، فجوات اكبر بين الغني والفقير، واتساع
العنف في العراق وما خلفها، والإصلاحات الانتخابية لحماية كل القوى
الرجعية هذه ضد الديموقراطية.
الانتخابات ليست
هي كل السياسة، إنها جزء صغير منها فقط. الكل هو، ويجب ان يكون، تطوير
وعي والتزام وممارسة للضغط الاجتماعي. يجب أن نعود مباشرة إلى ذلك. يجب
أن نفعل ذلك فورا. يجب أن نفعل ذلك بشكل أكثر حكمة مما فعلناه في
الماضي.
|