من خلال سلسلة نقاشات، هذا النص تم تحضيره في فترة
ستة اشهر، في اجتماعات الومبلز (wombles)
ومنتدياتها المفتوحة لتقرير ما هي استجابتنا للمنتدى الاجتماعي
الأوروبي [ESF] الذي
يعقد في لندن في أكتوبر 2004.
كان تحليلنا الذي نال الإجماع هو أن المنتدى
الأوروبي غير قادر على تحقيق تغييرا ثوريا لأنه يقبل النظام المراتبي
الحالي ويبحث عن تغييرات إصلاحية في حدودها الدنيا من داخل الهياكل
الحكومية الحالية. نحن نتحدث عن مجموعتنا ولا نتحدث عن أي احد آخر.
هذه النصوص شكلت موقفنا بورش العمل في اللقاء
الأوروبي الحالي لعمل الشعوب الكوكبي [PGA
info here]
وموضوعها مساحات التسيير الذاتي.
أولا يجب أن نفهم
المنتدى الاجتماعي العالمي (WSF)
– ولاحقا المنتدى الاجتماعي الأوروبي (ESF)
– كمؤسسات توازي في التطور مؤسسات الحاكمية الرأسمالية.
خلال الثلاثين عاما
الأخيرة، توسع رأس المال أفقيا (عبر الكوكب كله) ورأسيا (تسليع الحياة
اليومية؛ أي حياة الرفاهية). خلقت مؤسسات جديدة لإدارة ديناميكيات
الأسواق العالمية، مثل البنك الدولي، ومجموعة الـ 8 (G8)،
ومنظمة التجارة العالمية (WTO)
الخ. أنشئ المنتدى الاجتماعي العالمي من الأصل كـ "معارضة" لمثل هذه
المؤسسات، وبشكل أكثر خصوصية كـ "معارضة" للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي
انعقد في بورتو اليجري عام 2001. المنتدى الاجتماعي الأوروبي هو ابن
للمنتدى الاجتماعي العالمي ويركز انتقاداته على سياسات الاتحاد الأوروبي
(EU).
ولكن ما الذي يعارضه
كلا من المنتدى الاجتماعي العالمي – الأوروبي في الواقع؟ بالنظر إلى
مبادئه ومراميه (والأسوأ بالنظر حتى إلى غايات بعض أعضائه) فنحن نرى
أساسا مطالب إصلاحية مثل الضرائب على الشركات الاقتصادية الضخمة، وسياسات
حمائية/مناهضة للخصخصة التي تقوم بها الحكومات، وإعطاء سلطات "للمجتمع
المدني" الخ. هذه المطالب هي بشكل أساسي مطالب "منهجية"؛ انهم يحاولون
السيطرة على الآثار السيئة للنيوليبرالية، كما لو كانت السياسات هي
المشكلة وليست الرأسمالية نفسها بمؤسساتها كنظام كامل (1).
إذا ما طرحنا القضية
بطريقة مختلفة، سنجد أن المنتدى الاجتماعي العالمي لا يدافع عن تغيير ضد
النظام. انه بشكل بسيط يطلب "رأسمالية ذات وجه إنساني"، "تعاقد اجتماعي
جديد من اجل عدالة كوكبية". لذا، نستطيع أن نرى المنتدى الاجتماعي
العالمي، وبالتالي المنتدى الاجتماعي الأوروبي، كـ "أممية إصلاحية"
جديدة، كـ "اشتراكية ديموقراطية تتجاوز المؤسسية" عدلت من نفسها لتتوافق
مع السياسة المعولمة للرأسمال (والأفول المتزامن للسياسة البرلمانية
الخاصة بمستوى الدولة الأمة).
عمليا، المنتدى
الاجتماعي الأوروبي، كوسيط يتجاوز الحكومات يحاول أن يمارس نفوذا على
سياسات الاتحاد الأوروبي، يجب أن يقدم نفسه كـ "مفاوض شرعي". لهذا، فهو
يتصرف من داخل حدود المؤسسات الحالية دون أن يتحداها على الإطلاق. تعاون
المنتدى الأوروبي مع مؤسسات الوضع الراهن، مثل الحكومات الوطنية
والأحزاب، وإدانة أي حركات تناهض النظام وتكسر الحدود المفروضة للسيطرة
الاجتماعية بشكل راديكالي (2) هي مظاهر للخضوع والطواعية.
يصبح تكوين المنتدى
الاجتماعي الأوروبي محيرا تماما. السمة الأساسية فيه هي
"الجماعية/التعددية"، حيث أنها نتجت عن سعي نحو الانفتاحية. هذه
الجماعية/التعددية تساعد على تداول مختلف الخبرات، والأفكار، والكفاحات.
وأكثر من ذلك، يدير المنتدى الأوروبي الأمور ليجذب عدد ضخم من الناس
ناحية السياسة، أولئك الناس هم المبتدئون في نشاطهم السياسي. ولذا، يبدو
المنتدى حمال أوجه ايجابية. رغم ذلك، يبدو المنتدى أمامنا بشكل لا يمكن
تجنبه مفتقدا للتحليل الاجتماعي المشترك وتفتقد المجموعات المساهمة فيه
أيضا للتوجه نحو العمل المشترك، التي بدورها تقوم بتوجيهه [المنتدى]،
ككيان لسلطة (3)، تتوجه نحو حدود دنيا من المستهدفات.
دعنا نفسر هذه النقطة
بتفصيل أكثر، حيث أن الاختلافات في التحليل تطرح أهدافا مختلفة في الكفاح
الاجتماعي. باختصار شديد، كأناركيين/مناهضين للسلطوية، نحن نتصور
الرأسمالية نظاما يتطور من خلال اتجاهين ديناميكيين – الاتجاه الأول
يتعلق بالضرورة "بالمنافسة الرأسمالية"؛ المنافسة بين المؤسسات
الرأسمالية (مثل الشركات)؛ التي تقف على أرضية اقتصاد السوق وتؤدي إلى
"التنمية الاقتصادية"، إلى تحويل كل وجه من أوجه حياتنا إلى سلعة (التوسع
الرأسي) والى تحويل كل مكان على الكوكب إلى سوق (التوسع الأفقي).
الاتجاه الثاني،
والأكثر أهمية بالنسبة لنا، هي "المنافسة الاجتماعية"، المنافسة بين رأس
المال والمجتمع، في علاقته بالتطور التاريخي للدولة (أي؛ من الدولة
الليبرالية وأزماتها إلى دولة الرفاه الاجتماعي/الاشتراكية الديموقراطية
والآن إلى "الشبكات الأمنية"/الدول النيوليبرالية؛ من مجتمع النسق المنظم
إلى مجتمع السيطرة الخ). (4)
نقص مثل هذا التحليل
عند المنتديان: العالمي والأوروبي ككل يقود إلى احتواء المنظمات؛ أي،
المنظمات الغير حكومية (NGOs)،
تلك المنظمات التي لا تساهم بنقد والتي تيسر بشكل غير مباشر للتوسع
الرأسمالي، أي تيسر كلا من التسليع والتحول إلى السوق (تتحدث المنظمات
الغير حكومية عن "التخلف التنموي" في كوريا الشمالية ثم تدخل نايك)
وتتحدث عن السيطرة الاجتماعية (ترمي منظمة العفو الدولية "قنابلها
الأخلاقية" على يوغوسلافيا ثم يتدخل الناتو). في كلمات اخرى، يؤدي ذلك
إلى الانفتاح أمام جماعات ومنظمات أشكال حركاتها ليست مناهضة للرأسمالية
على الإطلاق. (5)
مشكلة اخرى تتعلق
بنقص التحليل الملموس يعطيها المثال التالي: في المنتدى الاجتماعي
العالمي المنعقد في بورتو اليجري في فبراير 2002، شارك لولا دا سيلفا
(الرئيس الحالي للدولة البرازيلية) مع حزبه. بالتعاون مع الباسكيين
القوميين من منظمة باتاسونا و"الأعداء الآخرين للنيوليبرالية"، انخرط
لولا في نشاط ضد اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين الأمريكتين (FTAA)،
التي تسيطر على دفتها الولايات المتحدة. ولكن هل نستطيع اعتبار لولا
عدوا حقيقيا للنيوليبرالية؟ بالطبع، لا. كان لولا ضد اتفاقية منطقة
التجارة الحرة لأنها كانت تتحدى منظمة الميركوسور (MERCUSOR)،
وهو اتحاد اقتصادي بين البرازيل والأرجنتين وباراجواي وأوروجواي الذي
كانت تسيطر على دفته البرازيل بشكل أساسي ومن خلفها الاتحاد الأوروبي.
بكلمات اخرى، أراد لولا حماية رأسمال (دولته). لهذا كان المندوبون
المشاركون في المنتدى الاجتماعي العالمي يبدو عليهم انهم لا يفهمون من
التحركات التي اضطلعوا بها ما الذي يدعمونه من وراء ذلك فعلا.
جانب آخر محبط بشدة
في كثير من الجماعات والمنظمات التي ساهمت في المنتدى الاجتماعي الأوروبي
– نتيجة لفقدانهم تحليلا متماسكا – هو حقيقة أن صورتهم أمام الناس هي
أنهم يميزون المشاكل الخاصة بالرأسمال على المستوى الدولي فقط، وأنهم
يهملون العلاقات الرأسمالية ونتائجها في حياتنا اليومية. الأثر الغير
مباشر لهذا الموقف هو التشديد فقط على المركزي (على مظالم "سياسات
الاتحاد الأوروبي") والإهمال التام للمحلي (ما تفعله حكومات بعينها،
ومجالس محلية ورؤساء).
هذا التشديد على
"المركزي" يظهر أيضا من خلال الهياكل التنظيمية للمنتدى الأوروبي. حتى
لو كانت دعاية المنتدى الأوروبي عن نفسه انه "ديموقراطية تشاركية لا
مركزية"، فإنه في الحقيقة مراتبي وهكذا أصبح ميدانا تحاول فيه منظمات
مراتبية أخرى، مثل الأحزاب السياسية، السيطرة عليه في سعيها من اجل
مصالحها الخاصة. إهمال المنتدى الاجتماعي المحلي للندن هو علامة كافية
على هذه الاتجاهات التنظيمية.
لنجمل ما قلناه،
تحليل المنتدى الاجتماعي الأوروبي ينتقد النيوليبرالية كإيديولوجية يروج
لها الأقوياء في العالم، وليست الرأسمالية ككل، بوصف الاخيرة نظاما
اجتماعيا-اقتصاديا وعلاقات يومية نحياها. أكثر من ذلك، المنتدى الأوروبي
لا يزودنا بأي نقد متماسك لآليات الهيمنة الأخرى مثل الدولة-الأمة، التي
هي مرتبطة مباشرة بالرأسمال. كنتيجة لهذا التحليل، المنتدى يروج لمطالب
إصلاحية باستخدام ضغوط رمزية (وليست مباشرة، ولا مادية) [6]، وهو يروج
لرؤية مبهمة عن "المجتمع المدني الديموقراطي".
وهكذا، المنتدى
الاجتماعي الأوروبي هو "خصم" لشبكات الأقوياء ومؤسساتهم الحالية– خصما لا
يتحدى بشكل حقيقي، خصما له غايات في حدودها الدنيا تتفق تماما مع صورة
"الديموقراطية الجماعية الطيبة". وحتى نذهب بها إلى مدى ابعد، حقيقة أن
المنتديان الاجتماعيان العالمي والأوروبي قد حاولا أن يمثلا حتى الآن
الحركة المعادية للعولمة [7] ويمثلا كذلك "المجتمع المدني"، تظهر هذه
الحقيقة دورهما البالغ الخطورة المحتملة على الساحة الكوكبية – وهو أن
يصبحا "مساحة" جديدة لتجميع الناس حيث يشعرون أنهم مشاركون سياسيون
نشطون، ولكن حيث تمرر آمالهم، وأسباب إحباطهم أو غضبهم من خلال مرشحات
تمضي بهم بعيدا عن أن تكون رؤى ومطالب تحررية راديكالية، ولكن لكي تكون
رؤى ومطالب إصلاحية.
المساحات
المدارة ذاتيا داخل المنتدى الاجتماعي الأوروبي.
حيث أننا نعتقد أن في
كل شخص طاقة كامنة ليكون راديكاليا، في كلا من التفكير والحركة، نريد أن
ننظم الوقائع التي تروج، ليس فقط لوسائل التنظيم (الأفقية) ولكن بالأحرى،
نروج لنقد راديكالي لا سلطوي للمؤسسات المعاصرة للهيمنة – ونحن نعتبر أن
المنتدى الاجتماعي الأوروبي واحدا منهم.
التمييز للمنتدى
الاجتماعي التحرري (LSF)
من بين إجراءات المنتدى الاجتماعي الأوروبي (ُESF)
هو، بالنسبة لنا، مثل واضح على عملية التحول الراديكالي. وهكذا، فقد
قبلنا، بعد كثير من الاجتماعات، والتردد، والشك، أن نعمل مع المنتدى
الاجتماعي التحرري، والاندي ميديا والجماعات الأخرى عند مستوى فضفاض من
التنسيق حتى نرتقي ببعض المساحات المدارة ذاتيا أثناء فترة انعقاد
المنتدى الاجتماعي العالمي.
نحن نعتبر، ونحن
نحتفظ باختلافاتنا واضحة، إن كثير من الجماعات في المنتدى الاجتماعي
الأوروبي، وأيضا الكثير من الأفراد الذين يحضرون الحدث، سوف يهتمون
بالتعرف على تحليل اجتماعي أكثر راديكالية وعملا مباشر أكثر راديكالية
أيضا.
وهكذا، بدلا من أن
نترك المنتدى الاجتماعي الأوروبي يتحول لهيئة جديدة تمثل "المواطنين
النشطاء ذوي الحساسية السياسية"، نحن نريد إبراز أن "عالما مختلفا ممكنا"
قائم هنا فعلا. عالم التنظيم الذاتي – والتضامن – والتسيير الذاتي –
والعمل المباشر.
ملاحظات:
1 – انظر على سبيل المثال المبدأ رقم 4 للمنتدى
الاجتماعي العالمي كدلالة على تحليل المنتدى العالمي: "البدائل
المقترحة داخل المنتدى الاجتماعي العالمي تقف في تعارض مع عملية
العولمة التي تقودها الشركات الاقتصادية الضخمة المتعددة الجنسيات
وتقودها الحكومات والمؤسسات الدولية التي هي في خدمة مصالح تلك الشركات
الضخمة، بالتواطؤ مع الحكومات المحلية". وهكذا، هل تكون المشكلة هي
الشركات الضخمة الشريرة أم الحكومات الشريرة؟ في رأينا، لا. إنها
"طبيعة" الرأسمال أن يتوسع ويصبح كوكبيا، حيث أن على الشركات الضخمة أن
تنمو (أو تموت) باستمرار بسبب المنافسة في اقتصاد السوق.
سياسات/أوامر/قوانين الدول أو المؤسسات الدولية (سواء أكانت اشتراكية
ديموقراطية أم نيوليبرالية) دورها هو مجرد تنظيم وتيرة نموهم، ولكن ليس
باستطاعتهم إيقافها (كما اظهر فشل الاشتراكية الديموقراطية)، إذا لم
نلغ تماما اقتصاد السوق والعلاقات الرأسمالية اللذين يروجان للتراكم
الرأسمالي والتوسع.
2 – انظر مثلا المظاهرات في جنوة 2001 وتسالونيكي
2003 حيث روجت المنتديات الاجتماعية الى التمييز بين المحتجين الذين
"لا يستخدمون العنف" والذين "يستخدمون العنف" حتى نتوافق مع الوضع
القائم وحتى يروننا "كممثلين شرعيين للحركة المناهضة للعولمة". من
نافلة القول أن نتحدث عن مستوى التضامن الحقيقي الذي أعطته المنتديات
الاجتماعية، ككل، للسجناء السياسيين بعد هذه المظاهرات؛ القليل جدا من
الجماعات المشاركة هي التي أظهرت أي اهتمام حقيقي....
3 – هناك منطق ان المنتدى الاجتماعي الأوروبي ليس
هيئة سلطة، وانه منتدى فقط. وهذا غير دقيق حيث انه عمليا (ان لم يكن
رسميا) يمتلك المنتدى الاجتماعي الأوروبي السلطة لصنع أشياء؛ أي النداء
الذي دعا للمظاهرات الضخمة المعادية للحرب.
4 – لسوء البخت، سيطرت السياسات الماركسية على
القرن العشرين التي وضعت الاستيلاء على الدولة كغرض رئيسي في الكفاح
الاجتماعي المعادي للرأسمالية، دون الأخذ في الحسبان أن الدولة، كمؤسسة
حاكمية منفصلة عن المجتمع، هي مصدر مركزي للهيمنة على المجتمع ذاته.
وهذا هو السبب في أن "التنافس الاجتماعي" لعب مثل هذا الدور الحاسم في
شكل ودور التنمية التي قامت بها الدولة.
5 – لا نتحدث عن موقف أعضاء المنتدى الاجتماعي
الأوروبي نحو الدول القومية.
6 – دعنا نتذكر هنا المظاهرات الضخمة في لندن
المعادية للحرب في الخامس عشر من فبراير 2003. تحالف امنعوا الحرب،
الذي هيمن عليه حزب العمال الاشتراكي (SWP)
(كما حدث مع المنتدى الاجتماعي الأوروبي في بريطانيا الآن)، أدار
الأمور ليأتي بمليون ونصف من الناس إلى الشوارع. لو كل هؤلاء الناس،
بينما هم عابرون في سبيلهم، استطاعوا أن يلقوا بحجر واحد صغير على حائط
البرلمان، كان سوف ينهار هذا الجدار لان مليون ونصف حجر قد ضربوه.
ولكن حزب العمال الاشتراكي، مثل المنتدى الاجتماعي في البلاد الأخرى،
يفضل "الضغط الرمزي". هل أوقفوا الحرب؟ لا. ما نريد قوله هنا،
كنتيجة عامة مستخلصة من هذا المثل البسيط، هو أن هذا الضغط الرمزي جيد،
ولكنه غير كافي في حد ذاته لإحداث تغيير اجتماعي حقيقي.
7 – الظاهرة المناهضة للعولمة هي على أي حال شديدة
التنوع للدرجة التي يكون تسميتها بـ "حركة" أمرا غير حقيقي.
ترجمة هذه المقالة - التي تعرض
أفكار احد أطياف الحركات المناهضة للعولمة - مهداة بشكل خاص إلى الصديق
الكريم د. ثائر دوري.
|