تستعد الحكومة البريطانية لإرسال جنودها إلى الشمال من
اجل تحرير الأمريكان في الهجوم على الفلوجة، من الضروري أن نركز على ما سوف
تعنيه هذه الهجمة الشرسة بالنسبة للمدينة وناسها. الفلوجة الآن تتعرض
للقصف بالقنابل يوميا، من اجل إضعاف عزيمتها أمام الحصار المتوقع منذ زمن
طويل. كانت سنة قاسية بالنسبة لأهلها. أولا، تحتل مدينتهم الكتيبة
الثانية والثمانون المحمولة جوا في الجيش الأمريكي، وهي كتيبة غير كفء من
اللصوص النهابون، كل ما يعرفونه عن الحساسيات الثقافية كان هو تحطيم أبواب
الدور بالضربات بدلا من نسفها. في خلال ثمانية شهور من الغزو، قتلت
الكتيبة 100 من المدنيين في المنطقة وفقدوا السيطرة على المدينة، فغادروها
تاركين لقوات المارينز الأمريكية مهمة استعادتها في ابريل الماضي.
انسحبت قوات المارينز،
بعد قتل 600 مدنيا، تاركين المدينة في أيدي 18 جماعة مسلحة، تضم رجال
القبائل، والإسلاميين، والبعثيين، ومجرمين سابقين وتشكيلة من المحاربين العرب
من خارج العراق يقال انهم تحت قيادة الأردني، أبو مصعب الزرقاوي.
منح أهالي الفلوجة الآن
اختيارا: تسليم الأجانب الذين لا يستريح لهم أهل الفلوجة (معظمهم من العرب)،
أولئك الأجانب الذين يتولون حمايتهم من الأجانب الذين يكرههم أهل الفلوجة
فعلا (الأمريكيين)، أو يتم تمزيق أشلاء مدينتهم بأكبر ماكينة قتل فتكا في
العالم، المارينز الأمريكيين. نفوذ الزرقاوي على المقاومة بولغ فيه بشكل شرس
– فعليا، الكثير من أهل الفلوجة لا يعتقدون انه موجود، والذين تقابلهم على
الأغلب هم من نوعية السلفيين الأصولية التي هي في تعارض مع تقاليدهم الصوفية
المحلية. اليوم، بلغ بأهل الفلوجة التعب مداه حتى من المجاهدين المنتمين
لهم، ولكنهم ثقتهم اقل بالجيش الأمريكي، ولديهم أسبابهم في ذلك. مؤخرا اخبر
احد المسئولين في إدارة بوش صحيفة النيويورك تايمز أن القصف يدق إسفينا بين
المواطنين والمحاربين من خارج العراق. ولو، حقا، يتم قصف السكان المدنيين
لهذه الغاية، فتلك إذا هي جريمة الحرب.
لدينا مخطط ما سوف يحدث
في المدينة أثناء الهجوم القادم:
الفلوجة، الجزء الأول.
ككل العواقب المرة القادمة سوف تكون أكثر دموية. في ابريل الماضي وجدت نفسي
امضي بصعوبة شديدة في وسط الزحام لأعبر احد الجسور داخل الفلوجة ألوح بتي
شيرت ابيض قديم: إمامي، يسد المارينز الجسر، يصرخون في حتى ارجع للخلف؛
وخلفي، جموع كبيرة من العراقيين يوبخونني لأمضي إلى الأمام، حتى يستطيعون
اقتفاء طريقا خلال كتل الحواجز التي تسد الطريق وإنقاذ عائلاتهم. بعد هنيهة،
فتح المارينز الجسر وسمحوا لمئات النساء والأطفال أن يندفعوا للخارج، ولكنهم
منعوا الأولاد الأكبر من 16 عاما والرجال الأصغر من 60 عاما من العبور
ومغادرة المدينة. منع المدنيين من مغادرة ارض المعركة هو ضد اتفاقيات جنيف –
برغم أن المعركة لم تسجل ما أصبحت عليه المدينة كمفرمة لحم بشري في الأسبوع
الأول من الهجوم، عندما كانت أغلبية خسائر المدنيين من قتلهم بالقنابل الذكية
الدقيقة التوجيه التي تطلق أثناء الغارات الجوية.
دفن القتلى في الحدائق أو
في قبور جماعية في ملعب المدينة لكرة القدم. أحاط لمدة ثلاثة أسابيع، 5 آلاف
من جنود المارينز بالمدينة التي يقطنها 340 الف نسمة – فكر في الهجوم على
مدينة كارديف. خلق المارينز جبهة متحركة من مدرعات الهمفي والدبابات، وقطعوا
الفلوجة عن ما عداها. في الجو، طائرات الهليكوبتر والطائرات المقاتلة تقصف
مدينة بلا دفاعات جوية، بينما تحلق بشكل مستمر طائرات التجسس بدون طيار حول
المدينة، تبحث عن الأهداف.
أثناء الأسبوع الأول،
اخبرني مقاتل عراقي أن المارينز استولت تقريبا على المدينة بعد أن وضعت يدها
على كميات هائلة من الذخيرة الخاصة بالمتمردين: أكوام من الألغام الأرضية
وقاذفات الصواريخ المصنعة محليا التي يمكن تشغيلها بواسطة ولاعات السجاير في
السيارات. براميل البترول المخططة بالألوان على مسافات محسوبة تصطف في
الشوارع حتى يستطيع المتمردون ضبط مدافع المورتار عليها. كان المجاهدون أكثر
من بضعة محاربين أجانب وبعثيين، كما كان يحكي الجيش الأمريكي ذلك لكل الناس.
في البدايات الأولى، جاءت
أغلبية الخسائر المدنية من القصف الذي تسبب في "جروح متعددة من الشظايا،
وأعضاء مبتورة، وبطون مشقوقة" كما اخبرني احد أطباء الفلوجة.
طبقا لاتفاقيات جنيف، يجب
أن تكون القوة متناسبة وعندما تظهر هذه الصور على شاشات التلفزيون العربية –
عائلات مقتولة ومكومة فوق بعضها البعض – فإنها تبدو على أنها أي شيء غير أن
تكون متناسبة؛ إنها تبدو كما لو كانت مذبحة قتل جماعي. أمر البيت الأبيض
بوقف لإطلاق النار، على عكس نصيحة قيادات المارينز. أعادت المقاومة تجميع
نفسها، واستعادت تزويد نفسها بالسلاح وأخذت تحارب مرة اخرى.
دبرت عودتي مرة اخرى إلى
داخل الفلوجة أثناء الأسبوع الثاني من القتال باستخدام بطاقة هوية عراقية
مزورة. كنت مصحوبا بمترجم كان يخبر الناس ابنى أخوه الذي يعاني من جيب في
المخ. غادرنا بغداد وقدت السيارة عبر الطرق التي كانت تحت حراسة مقاتلي حرب
العصابات. الريف من الرمادي شرقا إلى الفلوجة ثم إلى بغداد كان في ثورة.
كان علينا أن نمر عبر خطوط المقاومة حتى نصل إلى جنود المارينز ثم من خلال
الثوار حتى نصل إلى داخل المدينة. كان المارينز هم الذين يقعون تحت الحصار
وليس الثوار. كان هذا هو السبب في طلب الولايات المتحدة قوات بريطانية
لتحرير جنودها.
لدى الأمريكيون قوات أكثر
من كافية للهجوم على الفلوجة، ولكن فور ما يفعلون ذلك سوف تندلع الثورة مرة
اخرى في تمرد واسع، وسوف يأخذ ذلك كل ما تحت أيدي الأمريكيين للسيطرة على
القرى المحيطة كالحبانية، والخالدية والكرمة. طبقا لأقوال الرئيس العراقي،
غازي الياور، هناك فرصة طيبة عندما يضرب المارينز الفلوجة مرة اخرى إنه حتى
الموصل، موطن أكثر من ثلاثة ملايين سني، سوف تنفجر بالثورة. وليس على غرار
الجيش الأمريكي، السيد الياور يعرف عن ماذا يتحدث ويفهم الطريقة التي تتجمع
بها القبائل في شمال العراق، في شبكة محكمة الصنع من العائلات تمتد عبر
المثلث السني. إذا ما دفعت الموصل إلى حافة الثورة، سوف تصبح السيطرة على
الشمال مثل محاولة الاحتفاظ بغطاء فوق آنية البخار التي تغلي عن طريق إمساكه
باليد العارية.
فور ما وصلنا إلى داخل
الفلوجة، أخذونا تحت تهديد السلاح إلى جامع حيث تم استجوابنا بواسطة مجموعة
من الناس – البوليس السري العراقي والإسلاميون – قبل أن ينقذنا احد أصدقاء
مترجمي الذي اخبرنا فيما بعد انهم كانوا يحتجزون 18 رهينة في غرفة اخرى. كلا
من اتخاذ الرهائن واستخدام المساجد كقاعدة عسكرية– مثل منع المدنيين من
مغادرة أماكن القتال – هي أمور ضد قوانين الحرب. تستطيع سماع أصوات طلقات
رصاص القناصة الذي يتردد من حين لآخر، وأزيز طائرات الاستطلاع، ونيران
الدبابات، وقذائف المورتار. تتحرك عيون الأطباء في حيرة من هنا إلى هناك، في
عياداتهم، عند ذكر اسم المجاهدين، ولكن معظم غضبهم مركز على الأمريكيين.
المستشفيات التي تقع على طول ضفاف الفرات، تقطعت بها السبل مع باقي المدينة
بواسطة المارينز – وهو تصرف آخر محل مساءلة طبقا لاتفاقيات جنيف.
والأسوأ ما يزال، يقول
الأطباء، أن العديد من زملائهم قد اغتيلوا برصاص القناصة هم وسائقي سيارات
الإسعاف المصاحبين لهم، وكلا الأمرين خرق فاضح لقوانين الحرب. عند هذه
النقطة، معظم المدنيين جاءوا ولديهم إصابات في الرأس وجراح بالطرف الأعلى من
الجسم، على الأرجح بسبب رصاص قناصة المارينز. لم يجهزني شيء مما رأيته عند
قصف بغداد لمواجهة مصير الفلوجة تحت الحصار. لقد كان كما يبدو ان المارينز
استطاعوا قطع المدينة عن فكرة الأمن نفسها.
المرة الثالثة التي ذهبت
فيها إلى الفلوجة كانت أثناء التفاوض لتسليم السلطة في المدينة إلى ما أصبح
يعرف بفرقة الفلوجة. كان المجاهدون منهمكين في توصيل الأسلاك إلى القنابل في
أركان الشوارع، لاستخدامها في حالة فشل المفاوضات.
اليوم المدينة هي جهاز
تفجير عملاق مصنع ارتجاليا. ولكنهم القناصة هم الذين يخشاهم أهل الفلوجة
أكثر من أي شيء آخر.
أمضيت الوقت مع كلا من
مقاتلي المقاومة والجيش الأمريكي، وليس هناك محل للتساؤل في أن المارينز
يستطيعون الاستيلاء على المدينة. ولكن الولايات المتحدة قد طورت عادة كسب
الاتفاقات بينما تخسر الحرب – بينما تخرق قوانين الحرب في هذه العملية. هذا
ما سوف يساعد إعادة انتشار القوات البريطانية على إطلاقه من عنانه.
باتريك جراهام هو صحفي يعمل في العراق من نوفمبر 2002 حتى أغسطس 2004
لصحيفة الاوبزرفر، ومجلات هاربر ونيويورك تايمز. جراهام يؤلف كتابا عن
تجاربه.
عنوانه:
pwgraham@mailblocks.com
|