- فلسطين -

دولتان بلا حدود

عدنان الصباح

28 اكتوبر 2004.


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

 

 

 

مثل كل عباد الله في فلسطين، الوطن، وفلسطين، المنافي والشتات، يثيرني كل حديث عن مستقبل قضيتنا، ويشدني بشكل عجيب كلما جلس فلسطيني إلى إسرائيلي لبحث مستقبل العلاقة بين شعبينا وعلى هذه الأرض التي تحمل لغة ارض السلام.  ورغم أنني كنت من اشد المعارضين لاتفاقيات اوسلو إلا أنني وجدت نفسي انشر مقالات تتحدث عن أهمية التعاطي مع الواقع وقلت لعل وعسى وحاولت طويلا خلق مقارنة بين حالنا وحال ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أو حال روسيا بعد الحرب العالمية الأولى؛ مركزا على أن الأداء هو المهم وان بإمكاننا أن نضرب للدنيا مثلا عن إمكانية تحقيق ما نريد وإننا أهل لكل ما نطالب به وإننا أصحاب ارض، قادرين على حمايتها، وقادرين على صوغ تجربة تؤرخ للعالم غدا كما أرخ من سبقنا لنا.

وجاءت الانتفاضة الثانية - ولنتذكر أن الانتفاضة الأولى انتهت باوسلو الميت الآن - وبعد أن قدمنا على مذبح هذه الانتفاضة الآلاف من الشهداء والجرحى والمشردين والجوعى وما إلى ذلك؛ وبعد أن فشلت كل محاولات الحوار الفلسطيني - الفلسطيني في القاهرة وغزه ورام الله وغيرها، تماما كما كانت قد فشلت غيرها في عمان وبيروت ودمشق والجزائر؛ وجدنا أنفسنا في دوامة لقاءات إسرائيلية - فلسطينية تجوب كل بقاع الأرض بما فيها القدس - التي وجدنا فيها من يقدم إساءة لا تغتفر لوزير الخارجية المصري لأنه جاء ليصلي بالقدس.   

البحر الميت وروما ولندن وجنيف وغيرها وغيرها كانت مسرحا للقاءات ماراثونية بين فلسطينيين وإسرائيليين والغريب أن اللقاءات مع الإسرائيليين كانت تكلل دائما بالنجاح وكان يقرر لها مسبقا أن لا تنتهي إلا بنجاح؛ بينما اللقاءات الفلسطينيه الفلسطينيه كان يقدر لها دائما على ما يبدو أن لا تنتهي إلا بالفشل.  ولذا لم يكن أصحابها يكلفون أنفسهم عناء الانتظار لحظة واحده ولو على أمل بل يسارعون للعودة إلى قواعدهم سالمين غانمين وكل منهم يغني نفس الموال أن الآخرين لا يريدون الوصول إلى اتفاق.

الغريب اننا نصل في لفاءاتنا مع الإسرائيليين والأمريكان إلى صيغ اتفاق ولو لصيغة بيان صحفي بينما لم نتمكن أبدا من الوصول إلى مثل ذلك فيما بيننا.

كل الأوراق والاتفاقيات الرسمية وغير الرسمية التي وقعناها مع الإسرائيليين كانت دائما لصالح إسرائيل؛ ولم تهتز شعرة واحده من رؤوسنا ونحن نفعل ذلك.  وحتى حين طفح الكيل برئيس وزراءنا وصرخ انه سيلجأ إلى فكرة الدولة ثنائية القومية، انبرى العشرات للتخفيف من هول المصيبة ولم يسال احد نفسه أين هي المصيبة في أن يقول رئيس وزراء فلسطين لا يمكننا العيش خلف هذه الجدران ونفضل عليها الدولة ثنائية القومية.   ولماذا لا احد من الإسرائيليين يحاول التخفيف من أقوال شارون أو اولمرت أو غيرهم.  وحين تناقش أيا منهم تجدهم جميعا يقفون خلف ثوابت لا تهتز أبدا: كل الإسرائيليين تقريبا يصرون على حقائق ثابتة.

1- لا عوده لللاجئين أبدا

2- تأخير فكرة الدولة الفلسطينية وتعطيل قيامها ما أمكن ذلك

3- لا عوده إلى حدود 1967 وهذا يعني القدس أولا وأخيرا إلى جانب المستوطنات

4- حين يكونون خارج الحكم يتحدثون بلغة تختلف كليا عن لغتهم وهم في سدة الحكم؛ وإلا من هو صاحب فكرة الحصار وزيارة شارون للأقصى والاجتياحات الأولى لأراضي السلطة الفلسطينية؟   أليسوا هم أركان حكومة باراك؟  وأين كانت أفكار بيلين ويعالون آنذاك؟

أنا لا اعرف احد من المسئولين الإسرائيليين السابقين - ولست اعتقد أن أحدا منهم يعرفني أو حتى انه معني إلى حد ما بمعرفتي - حتى لو وافقت على التنازل عن فلسطين كلها فلا فائدة لذلك، وكل المحاولات التي تقوم بها المؤسسات الحزبية الإسرائيلية هنا وهناك في سلطتهم أو معارضتهم تهدف إلى تحقيق هدف واحد: تجريعنا كاس السم رويدا رويدا وبأيدينا؛ وتركنا نقترب من المحرمات رويدا رويدا: فتارة نتحدث عن تقسيم القدس إلى أحياء، وتارة نؤجل قضية اللاجئين ونترك موضوع الاستيطان، وتارة اخرى نطور التراجع إلى تراجع جديد وهكذا إلى أن نصل إلى ما يريدون.

هل كان اولئك الذين رفضوا قرار التقسيم أغبياء، جهله، مجرمين أم انهم رؤوا في ذلك غبنا لشعبنا وقضيتنا آنذاك؟  والآن، هل كانت فلتة اللسان من رئيس الوزراء احمد قريع جريمة أم أنها تذكير من احد صناع اوسلو أن إقامة دولة فلسطينية مقطعة الأشلاء أمر مستحيل؟  ولذا لماذا كانت فكرة الممر الآمن الفكرة الوحيدة التي لم ترى النور في اتفاقيات اوسلو؟  وأين هو التواصل الآن بين غزة والضفة، ونحن ندري أن من يريد الذهاب إلى غزه عليه أن يسافر إلى الأردن؛ ومن ثم إلى مصر ليتمكن من الوصول إلى غزة؟  ولماذا نخجل من تذكير إسرائيل بفلسطينيي الجليل والمثلث والنقب، حتى وان خجلنا من تذكيرها بالأرض هناك ما دامت لا تخجل من الإصرار على الاحتفاظ بالمستوطنات والطرق الالتفافية والحدود.

أية دولة فلسطينية هذه تلك التي يمكنها أن تعيش بجناحيها الضفة وغزة، وكانتوناتها وجدرانها وحدودها المسيطر عليها إسرائيليا بشكل مطلق؟  وإذا كان هذا ما سنصل إليه فلماذا كانت الانتفاضة إذن، وهل كان من الضروري أن نبدأ انتفاضه وان نقدم الشهداء تلو الشهداء حتى نصل إلى ما أرادت إسرائيل ونحن نركض للامام؟

هل من حق احد أن يفاوض باسم شعبنا ويتفق دون تفويض؟  هل من حق أي كان أن يقدم لنا تصوره ورؤيته للحل على انه الحل الوحيد ولا بديل عنه؟  وهل ستبقى القوى والأحزاب والتيارات الإسلامية والوطنية، وغيرها إن وجد، مصرة على الجلوس والانتظار والاكتفاء بقدرتها على الإعلان غدا حين يقع الفأس بالرأس، إنها لم تكن موجودة وقت ’الطوشه‘ وإنها لم تر الفأس ولا انتبهت لوجود الرأس!

باختصار شديد هذا رأيي.

لا يمكن لدولة فلسطينية تقسمها إسرائيل وتحتل أجوائها وحدودها وقمم الجبال بها أن تعيش؛ ولا يمكن لفلسطيني واحد ولدته أمه باسم فلسطين أن يتنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة أو، أن يرضى بالعيش في كانتونات جدار شارون أو أن يقبل بوصاية إسرائيل على الأقصى والقدس.  وكذا ليس من حق إسرائيل أن تحكم أكثر من مليون فلسطيني في الجليل والمثلث والنقب باسم دولة يهودية نقيه؛ وان تبقى القرى الغير معترف بها ويبقى مهجرو الجليل لاجئين على أرضهم.  

وأنا من حقي أن أرى أن فلسطين يجب أن تبقى واحدة موحدة، وهي تتسع للجميع بلا استثناء.  وبدل كانتونات الجدران لتكن اتحاد كانتونات - على غرار سويسرا - بلد مفتوح به أكثر من قومية، وكل قومية تدير شئون مناطقها بنفسها بعيدة عن الأخرى دون أن ترى هناك فرقا بين المنطقة الألمانية أو الفرنسية.  وكذا فان بالإمكان إقامة حكومات محلية صغيرة في كل منطقه بانتخاب حر ديمقراطي، بحيث تدار المناطق العبرية من حكام عبريين، وتدار المناطق العربية من حكام عرب؛ بينما تدار الحدود الخارجية من قبل الحكومتين المركزيتين بمؤسسة مشتركه لإدارة الحدود والضرائب.  وكذا ينطبق على الموارد الطبيعية، وباطن الأرض، والمياه الإقليمية.   

وتجربة سويسرا مثال حي عن إمكانية ذلك، ومثل هذا الحل يعطي اللاجئين الحق بالعودة إلى ديارهم ويمكن العبرانيين من إدارة أمورهم بأنفسهم داخل مناطقهم، كما انه من الضروري أن يترافق ذلك مع عودة الأراضي اللبنانية والسورية لأصحابها.  

وجعل فلسطين وإسرائيل ارض منزوعة السلاح كليا بما في ذلك الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، بما يوفر شرق أوسط خال من أسلحة الدمار، ويضعه على طريق النمو والازدهار.

ادري جيدا أن ذلك قد لا يروق لشارون أو نتنياهو، ولا حتى لبيلين ويعالون ومتسناع!! 

 لكنني أثق أن هناك الكثيرين منهم يعتقدون أن من الضرورة العيش بسلام على هذه الأرض، وان لا خيار لنا سوى ذلك.  وان المستقبل سوف يقدم كل الإثباتات إلى أن العالم يتجه نحو التخلص من الحدود وليس بناء الجدران.   وان مثل هذه الفكرة قد تصبح مقدمه لانضمام بعض دول المنطقة إليها دون أن ينتقص ذلك من استقلالها وكينونتها السياسية، أو القومية؛ بل على العكس. 

وأخيرا، قد يقول قائل إن ذلك يعني بداية النهاية للوجود اليهودي على هذه الأرض، ما دام اللاجئون سيعودون.  فأقول هل انتهى وجود الفرنسيين أو الألمان أو غيرهم على الأرض السويسرية؟!


المؤلف كاتب من فلسطين

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية