- الديموقراطية -

من الذى يقف وراء مسلسل ضربات الإرهاب الذى تشهده روسيا؟

مازن عباس

موسكو؛ 12-9-2004


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

سلسلة الضربات الدامية التى شهدتها روسيا بدءا من تحطيم طائرتي الركاب.. مرورا بتفجير مدخل محطة مترو فى شمال موسكو.. انتهاء باحتجاز أكثر من الف رهينة،  نصفهم من الأطفال فى مدرسة بيسلان بجمهورية آسيتيا الشمالية،  كان لابد أن تؤثر سلبا على تأييد الشارع الروسي لسياسات الكرملين.  وخلال هذا المسلسل الدامي الذى أدى إلى مصرع أكثر من 550 مواطن، وإصابة مئات بجراح بالغة، كان لابد أن تسفر هذه الضربات عن إضعاف نفوذ وهيبة الكرملين باعتبار أنه فشل فى تطبيق برنامجه، الذى كان يعتمد فى كسب تأييد الشارع على سياسة حازمة لاستعادة هيبة ونفوذ روسيا، والعمل على أحلال الأمن والقضاء على الإرهاب.  

ولعل الضربات الأخيرة والتي مست أمن المواطن الروسي كانت أكثر تأثيرا من سلسلة العمليات المسلحة التى نفذها مقاتلو المعارضة فى الشيشان وفى شمال القوقاز، وفى فقدان الكرملين لمصداقيته أمام المواطن العادي، وإثارة حالة من الاضطراب فى الشارع الروسي وصلت لحد المطالبة بمحاسبة بوتين.

لقد تعرض الكرملين لانتقادات حادة لأساليبه فى حل أزمة مدرسة بيسلان التي أسفرت عن مقتل أكثر من 400 رهينة، نصفهم من الأطفال، ومازال الجدل يدور حول ملابسات عملية اقتحام المدرسة، وفيما تؤكد الرواية الرسمية أن عناصر فرق الإنقاذ قد توجهت للمدرسة لسحب جثث القتلى بناء على أتفاق مسبق مع الخاطفين، وخلال قيامهم بنقل الجثث انفجر لغم مما أثار حالة من الفوضى والارتباك، وسارع الخاطفون لإطلاق النيران على رجال فرق الإنقاذ، مما أدى لمقتل أثنين منهم، وفتحت النيران من الجانب الأخر وفقد الخاطفون السيطرة على الرهائن، وأجبرت القوات الخاصة فى هذه الحالة على البدء باقتحام المدرسة، أما رواية الرهائن الذين احتجزوا فى الصالة الرياضية-حيث تم احتجاز القسم الأكبر من الرهائن فيها- فتشير إلى أنهم سمعوا انفجار وانهار إلى الداخل عليهم حائط الصالة، وظهرت على الفور قوات الأمن التى سارعت بتحريرهم، وسارع الخاطفون بفتح النيران على الرهائن المحتجزين فى قاعات المدرسة الأخرى، وبدأ اشتباك بين الخاطفين وقوات الأمن أسفر عن هذه الكارثة الإنسانية.

 ويعتقد بعض المحللين أن موسكو لم يكن لديها أي بديل سوى اقتحام المدرسة، باعتبار أن مطالب الخاطفين والتي تضمنت.. سحب القوات الروسية من الشيشان، ومنح الشيشان استقلالها، إضافة لرفض الخاطفين لعرض السلطات الأمنية بتوفير ممر آمن لهم والإفراج عن المسلحين الذين اعتقلوا منذ 8 أسابيع بسبب مشاركتهم فى الهجوم الذى نفذ على "نزران" عاصمة أنجوشيا، كل هذه المعطيات كانت تؤكد أن الخاطفين سيقومون بتصفية الرهائن، خاصة وان الأطباء كانوا يتوقعون حدوث حالات وفاة بين الرهائن بسبب رفض الخاطفين إدخال الأطعمة والمياه والأدوية.  ويطرح هذا الفريق من المحللين تساؤلا حول ما إذا كان يوم الجمعة هو التوقيت الذى اختارته قوات الأمن، أم أنهم أجبروا على هذا التوقيت؟        

ومن خلال استقراء الضربات الدامية التى تعرضت لها روسيا، سنجد إنها كشفت عن أن الإرهابيين يمكنهم التجول بحرية فى مختلف أنحاء روسيا ونقل معداتهم وأسلحتهم، دون آية صعوبات حقيقية، ولعل هذا الأمر كان واضحا منذ أحداث مسرح "الدبروفكا"الذى أحتجز فيه الخاطفون أكثر من 700 رهينة، وتبين أنهم خلال عدة شهور تمكنوا من تجميع مجموعة المسلحين – منفذي العملية، وعددهم حوالى 40 شخص- إضافة إلى نقل المتفجرات والأسلحة لموسكو وتخزينها فى المسرح المنكود.  ومنذ كارثة مسرح "الدبروفكا" كما يبدو لم تقم أجهزة الأمن الروسية بأجراء إصلاحات جذرية فى أوضاعها، واكتفت بحملات تفتيش عشوائية وتصعيد المطاردة وروح العداء لمواطني إقليم شمال القوقاز، ولم تتمكن من القضاء على الاختراق الحاصل فيها، والذى يسهل للمجموعات المختلفة القيام بضربات دامية تؤدى لقتل المدنيين.

 ويحرص الكرملين على إقناع الرأى العام بأن مسلسل الضربات الدامية يعنى إعلان الحرب ضد روسيا من جانب قوى الإرهاب الدولي.  أكثر من هذا أعلن سيرجى أيفانوف وزير الدفاع الروسي أنه ليس من قبيل المصادفة أن يتم تفجير باصات الركاب فى إسرائيل فى نفس اليوم الذى يقع فيه انفجار نفذته إمراة انتحارية أمام مدخل محطة مترو ريجسكايا فى شمال موسكو، ودعا المسؤول الروسي لتشكيل فريق عمل دولى لمكافحة الإرهاب، وليس من قبيل المصادفة أن يوقع وزير الخارجية الروسي بعد أيام قليلة فى تل أبيب اتفاق تعاون بين روسيا وإسرائيل لمكافحة الإرهاب.  ومع ذلك مازالت ملامح هذا الإرهاب الذى أعلن الحرب على روسيا غامضة، هل هو فرق المعارضة الشيشانية، التى لا ندري من أين تأتى بالتمويل اللازم لعملياتها؟ أم هى منظمة القاعدة، والتي لا نستطيع أن نعرف لحساب من تنفذ هذه العمليات؟ أم أنها جماعة الاسلامبولى  الغامضة التى فجأة قررت أنها تتحمل مسؤولية كل الأعمال التى تحدث فى روسيا؟

ومن خلال نظرة سريعة للخريطة السياسية فى روسيا، سنجد أن الكرملين بقيادة بوتين حقق نجاحات فى إزاحة رموز اليمين الروسي المرتبط برؤوس الأموال الأمريكية والإسرائيلية، وكانت معركة الكرملين قد بدأت ضد أبرز اتجاهات اليمين الروسي الذى تمكن خلال الرئيس السابق بوريس يلتسين من التحكم فى مفاصل الاقتصاد والسياسة الروسية.   ومنذ تولى بوتين مقاليد السلطة، تلاحقت الضربات ضد رموز هذا التيار المتمثلة فى بوريس بيريزوفسكى وفلاديمير جوسينسكى وميخائيل خدركوفسكى وليونيد نفزلين...الخ، وفسح الكرملين المجال لرؤوس أموال روسية جديدة لتملأ الفراغ بعد إزاحة هذه المجموعات المالية.

 واستندت سياسة بوتين- التى لاقت تأييدا فى أوساط المجموعات المالية الروسية- لاستعادة مناطق النفوذ السوفيتية لحساب الرأسمال الروسي فى العراق وسوريا وإيران وجورجيا..الخ، باعتبار أن هذه المناطق أسواق تقليدية للمنتجات (السوفيتية سابقا) الروسية حاليا.   ولم يقبل الكرملين بمنطق الغرب الذى اعتبر أن انهيار الاتحاد السوفيتي يعني بالضرورة إعادة توزيع مناطق النفوذ وميزان القوى فى الساحة الدولية مع إسقاط دور ونفوذ قوة عظمى كانت فى السابق موجودة وتسمى الاتحاد السوفيتي، وكان من الطبيعى أن يؤدى الصراع الدائر بين الكرملين وقوى اليمين الروسي بمختلف اتجاهاته- بدء من الاتجاه المطرود من السلطة انتهاء بالاتجاه الذى يخوض الصراع السياسى وفق أساليب الحياة الديمقراطية واستنادا للمنطق الليبرالي فى إدارة الصراع السياسى، والذى كان يمثله بوريس نمسوف وايرينا خاكامادا وأخرون من قادة حزب اتحاد قوى اليمين-إلى انتصار الكرملين بعد انسحاب يلتسين من السلطة، والذى كان يشكل خط الدفاع الرئيسى لهذه القوى.

كما كشفت معارك انتخابات البرلمان والرئاسة الأخيرة عن أن اليمين الروسي ليس لديه أى قاعدة جماهيرية تمكنه من الصمود، إذ أنه فى الوقت الذى توجهت فيه نيران الكرملين ضد الحزب الشيوعى، لتحجيم نفوذه الجماهيري، سقطت قوى اليمين وخرجت تماما من ساحة الصراع السياسى، ولم يعد لها أى تأثير أو تواجد، وبما أنه لكل فعل..رد فعل مساوي له ومضاد له فى الاتجاه.

يعتقد البعض أنه من غير المستبعد أن يكون رد الفعل قد جاء هذه المرة من أجنحة اليمين الروسي المتشددة والتي يسخر الكرملين فى مطاردتها كافة أجهزة القوة، هذه الأجنحة كانت ومازالت متهمة من قبل الكرملين بدعم وتمويل أكثر جماعات المعارضة الشيشانية تطرفا التى يتزعمها شامل باسايف.  ومما لاشك فيه أن توجيه اتهام بتورط هذه الأجنحة فى سلسلة الضربات الإرهابية الدامية الأخيرة، أمر غير وارد من وجهة النظر القانونية، إلا أن إعلان باسايف عن مسؤوليته عن عملية احتجاز الرهائن فى مدرسة بيسلان ومسرح الدبروفكا، قد يسمح للبعض بإلقاء ظلال الشك من وجهة النظر السياسية على دور هذه الأجنحة فى تصعيد الضربات ضد الكرملين .

 وإذا كان من مصلحة الغرب أضعاف نفوذ ودور روسيا بل وحتى تقسيمها، حتى يتمكن من السيطرة على منابع الثروة فى القوقاز، والاستيلاء على الأسواق التقليدية للمنتجات الروسية، إلا أنه بالتأكيد لا يهدف لضرب سلطة بوتين، باعتبار أن الغرب لا يريد عودة القوى اليسارية إلى السلطة فى روسيا، خاصة وانه بالرغم من أن نتائج انتخابات البرلمان والرئاسة الأخيرة قد عكست تراجع نفوذ قوى اليسار فى الشارع الروسي ، إلا أن الحزب الشيوعى يظل القوى الأكثر تنظيما، وفى حال انهيار حزب السلطة سيصبح الطريق خاليا أمام اليسار لاستلام السلطة.هذا الوضع لابد أن يجعل الغرب يستهدف تقليم أظافر الكرملين ويدفعه للتخلي عن طموحاته السياسية، ومن المستبعد تماما أن يسعى الغرب لتوجيه ضربات سياسية قاضية للقيادة الروسية.  ويدرك الكرملين أنه فى ظل غياب البدائل للسلطة الروسية الحالية، لن تتعرض هذه السلطة لضربات قاضية من جانب مراكز صناعة القرار السياسى الغربية، لذا يسعى الكرملين لإيجاد تسوية لإنهاء حالة الصراع اللا تناحري الدائر الآن والتي يمكن أن تتحول إلى صراع تناحري فى حالة ظهور قوى ليبرالية روسية قادرة على أن تكون بديلا للقيادة الحالية.  ولعل هذا الوضع ينفى بدرجة كبيرة تورط جهات غربية فى  مسلسل الضربات الدامية الذى تعرضت له روسيا، ناهيك عن أن مساعي الغرب لمكافحة الإرهاب، وحماية المدنيين من ضربات الإرهابيين الدامية، تقف حاجزا أمام مخططات من نوع بيسلان او تحطيم طائرتي الركاب.

ويبدو واضحا من القرارات التى أتخذها بوتين ويعمل على تحويلها إلى قوانين، والخاصة بتعديل تركيبة السلطة السياسية، تمنحه أمكانية السيطرة على كافة السلطات..التشريعية والتنفيذية وسلطات الأقاليم. أى أن الكرملين سيقرر كل شئ، كما أنه سيتحمل مسؤولية كل شئ، وبالتالي أصبح الحديث عن نظام ديمقراطي ليبرالي من ملامح الماضى، وبات واضحا أن المرحلة القادمة هى مرحلة ديكتاتورية الكرملين. ويعتبر بوتين أن هذه التعديلات ستمكن السلطة من مواجهة الإرهاب وتطبيق برنامجها لإحلال الأمن فى البلاد، إلا أنها فى نفس الوقت يمكن أن تهدد هذه الأهداف باعتبار أن تركيبة السلطة الروسية مازالت متناقضة وتتضمن مختلف التوجهات والمصالح، بدء من ممثلي رجال الأعمال ذوى الأصول الإجرامية..مرورا برأس المال المرتبط برؤوس الأموال الغربية..انتهاء بممثلي أجهزة الأمن والقوة !  مما يعنى أن السلطة ليست متجانسة، بل أن بعض أجنحتها يمكن أن تدخل فى صدام مع أجنحة أخرى، مما قد يؤدى لكوارث اقتصادية أو سياسية، وفى ظل النهج الجديد سيتحمل مسؤولية أى خلل أو فشل أو دمار سيد الكرملين.

وفى هذا السياق لابد من مناقشة ما نقل حول وجود بعض العرب ضمن خاطفي أطفال مدرسة بيسلان.  وفى البداية يمكن الرد على هذه المعلومات التى لم تتمكن أجهزة الاستخبارات الروسية من تأكيدها، لأنه إذا افترضنا وجود عرب ضمن هؤلاء الخاطفين، فهم نفس العناصر الذين قتلوا أبناءنا وإخوتنا فى مصر والجزائر وسوريا والسعودية بالأمس القريب.  إلا أن قوى اليمين الروسي المتعاونة مع المراكز الصهيونية تحاول استثمار المأساة الإنسانية فى لعبة سياسية، قد يصح القول أنها بدأت باستغلال تصريحات وزير الدفاع الروسي حول توحيد الجهود لمواجهة الإرهاب الذى ينفذ عملياته فى روسيا وإسرائيل، مرورا باتفاق التعاون لمكافحة الإرهاب بين روسيا وإسرائيل الذى تم توقيعه منذ أيام، انتهاء بتصريحات رئيس الأركان الذى أعلن فيها أن موسكو ستطارد الإرهابيين أينما وجدوا، وستوجه ضربات لقواعد الإرهابيين.  وفى هذا الإطار لابد من القول بأن العديد من الجهات العربية كانت تقف كمتفرج،  بعبارة أخرى فى الوقت الذى أثار الإعلان عن وجود عرب ضمن الخاطفين قلق عدد من الجهات الرسمية العربية، لم تعلن هذه الجهات عن استعدادها للتعاون مع روسيا، ونيتها على تقديم كافة المعلومات اللازمة لملاحقة هؤلاء الإرهابيين، الذين عانت منهم البلاد العربية، وترك الأمر لجهاز الموساد ليعرض خدماته، وهو الحلقة المعادية للتعاون العربي- الروسي.  وهو أيضا الحلقة الأضعف فى مواجهة هذه المجموعات، نظرا لأنه لا يتعامل معها، إضافة أننا لا نتذكر نجاح لهذا الجهاز فى التعامل مع عمليات من هذا النوع، أو حتى من أنواع أخرى.

  وإذا كان استخدام هذه المأساة الإنسانية فى اللعبة السياسية أمرا سيئا، فمما لاشك فيه أن الأسوأ هو اختيار موقع المتفرج إزاء آلام وأحزان المواطنين البسطاء.  ولعل هذه الأحداث الدامية تعلمنا أن حقوق ومصالح الشعب الشيشانى لم تعد لها آية صلة مع مجموعات باسايف، فى نفس الوقت الذى تطرح فيه تساؤلا حول طبيعة صلات مسخادف وأنصاره مع الجماعات الموالية لباسايف؟  وهى تجبر مسخادف على أن يتحرك لاتخاذ موقف ما يوضح موقعه فى هذا الصراع السياسى الذى أصبح داميا، كما تدعو الكرملين للتعامل بموضوعية مع تركيبة أطراف هذا الصراع، من أجل الوصول لتسوية نهائية، تغلق الباب أمام محاولات العديد من القوى لاستثماره.


صحفي مصري مقيم في موسكو - روسيا الاتحادية 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية