عقد في بيروت مابين 17-20 أيلول (سبتمبر) لقاء
للحركات الاجتماعية المناهضة للعولمة والحرب حضرة مندوبون عن أكثر من
50 بلداً في العالم([1]). وقد طغى على الاجتماع مسألة الاحتلال في
فلسطين والعراق.
ان الحركة المناهضة
للعولمة لم تنشأ على خلفية الاحتلال في فلسطين و العراق. وإنما انطلقت في
شوارع سياتل ضد منظمة التجارة العالمية وفي جنوا ضد مجموعة الثمانية (G8)
وتوجت كفاحها في لقاء بورتو اليغري في مواجهة عولمة الليبرالية الجديدة.
ولكن تطور المواجهة على الصعيد العالمي جعل لقاء بورتو اليغري الثاني
يعلن: "نحن مجموع الحركات الاجتماعية العالمية. نعمل من اجل تكوين إطار
مفتوح وراديكالي وديمقراطي وتعددي وأممي ونسوي ومعادٍٍِِ للتمييز
وللرأسمالية. ليكون إطاراً يسمح بمفصلة وتنسيق تحليلاتنا والتزاماتنا
ونشاطاتنا".
إن تطور المواجهة في
فلسطين بين الشعب الفلسطيني والمشروع الصهيوني الشاروني ودعم القوى
الإمبريالية أو صمتها عن الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني ومن ثم
احتلال العراق من قبل الإمبريالية الأمريكية ووقاحة الطاقم الأمريكي
الحاكم في الإعلان عن أهداف الاحتلال البعيدة والقريبة، باعتبارها حرباً
من اجل "ترتيب" أوضاع المنطقة العربية في إطار ترتيب العالم من اجل بناء
إمبراطورية رأس المال الساعي إلى التحكم بمصير الإنسان والطبيعة من اجل
الربح ولاشيء غير الربح. وافتضاح الوجه الأكثر همجية ووحشية للعولمة
الرأسمالية- ونعني به الحرب والعسكرة- وضع الحركة العالمية المناهضة
للعولمة أمام تحديات جديدة أعلنتها في لقاء الحركة في مومبي عام2004: "
مجددا، نؤكد نحن الحركات الاجتماعية والمنظمات الجماهيرية، التزامنا
بالنضال ضد العولمة النيوليبرالية، والإمبريالية، والحرب، والعنصرية،
والنظام الطائفي، والإمبريالية الثقافية، والفقر، والنظام الأبوي، وضد كل
أشكال التمييز الاقتصادي، والاجتماعي، والاثنى، والجنسي، والتمييز بين
الجنسين، نحن أيضا نناضل ضد كل أنواع التمييز ضد الأشخاص ذوي القدرات
المختلفة والمصابين بأمراض مفجعة مثل الإيدز.
نحن نناضل من أجل
العدالة الاجتماعية، وحق البشر في الحصول على الثروات الطبيعية- الأرض
والمياه والبذور – وكافة حقوقهم الإنسانية والمدنية، ونناضل من أجل
ديموقراطية المشاركة، وحقوق العمال من الجنسين باعتبارها حقوق مكفولة
المعاهدات الدولية، وحقوق النساء، وحق الشعوب في تقرير مصيرها".
إن احد التحديات التي
تواجه الحركة اليوم هو أن تقودها ضغوط الأحداث في المنطقة العربية
والهجوم العولمي لرأس المال بوجهه العسكري إلى نسيان أو التقليل من أهمية
المهام الأخرى الملقاة على عاتقها(النضال ضد الليبرالية الجديدة، النضال
من اجل العدالة الاجتماعية، النضال ضد العنصرية وضد كل أشكال التمييز،
النضال ضد الديكتاتورية من اجل الديمقراطية وحقوق الإنسان،...الخ).
ولكن هل كان من الخطأ
أن تضع الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب في لقاء بيروت في صلب
نقاشاتها وفي مقدمة مهامها النضال من اجل مواجهة الاحتلال في فلسطين
والعراق؟؟
لقد ذكرنا في المقدمة
أن الحركة المناهضة للعولمة لم تنشأ على خلفية الاحتلال في فلسطين
والعراق وحذرنا من خطر أن تنسى المهام التي نشأت وتطورت على أساسها.
ونعود لنؤكد مجدداً مواجهة العولمة الرأسمالية باعتبارها طوراً جديداً في
الرأسمالية الإمبريالية بجميع افرازاتها المتوحشة قديمة كانت أو جديدة.
إن وضع مسألة
الاحتلال في فلسطين والعراق من قبل الحركة العالمية المناهضة للعولمة
والحرب عل رأس جدول أعمالها كان رؤية صحيحة لواقع الصراع العالمي اليوم.
"في
بداية القرن الحادي والعشرين، لم يعد هناك صراعات محلية، وإنما، عوضا عن
ذلك، معارك محلية لحرب استعمارية عالمية جديدة بين الإمبريالية الأميركية
وحلفائها، وبين شعوب الكرة الأرضية التي تقاوم، أو قد تقاوم، أضرار
الرأسمالية العالمية والسيطرة الاستعمارية. والسبب الثاني لمركزية
القضية الفلسطينية هو أن الخطوط الأمامية لهذه الحرب العالمية والدائمة
والوقائية هي بالتحديد حيث تقيم إسرائيل جدار الفصل العنصري: شرق هذا
الجدار، في مدن قلقيلية وطولكرم، يبدأ محور الشر، الدول المارقة؛ غرب هذا
الجدار، في كفر سابا وزور يغال، تبدأ حضارة بوش. إسرائيل هي الخندق
المتقدم ل <<الحضارة التي تقاتل البربرية>>، أما فلسطين فهي الخندق
المتقدم لجيش الشعوب الضخم في القتال العالمي ضد حضارة <<ماكدونالدز>>
و<<مايكروسوفت>> و<<ميتسوبيتشي>> و<<لاغارديير>>.
ليس الجدار
فقط جدار فصل عنصري بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين، إنه جدار فصل
عنصري عالمي"([2])"
إذا كان جدار الفصل
العنصري في فلسطين هو جدار بين عالمين. عالم رأس المال المتوحش، وعالم
الشعوب المكافحة من اجل التحرر من سيطرته. وإذا كانت ساحة فلسطين قد شكلت
بالنسبة للمشروع الأمريكي للعولمة حلقة في ذلك المشروع ومختبر للتدريبات
الأولية لتحقيق ذلك المشروع تحت مسميات "مكافحة الإرهاب" والدول
"المارقة" والنظم اللا ديمقراطية. نقول إذا كانت فلسطين حقل التجارب
للمشروع الأمريكي- الصهيوني. فإن العراق اليوم هو الاختبار العملي لتحقيق
هذا المشروع. فعلى ضوء النتائج التي يسفر عنها الاحتلال الأمريكي للعراق
يتحدد مصير المنطقة والعالم. ومصير مشروع العولمة الإمبراطورية لرأس
المال ليس الأمريكي فحسب وإنما مصير رأس المال لكل المراكز الإمبريالية.
ومصير الحركة العالمية المناهضة للعولمة. ويمكن للمرء أن يلمس ذلك
بوضوح من خلال التضامن والتنسيق الذي تقوم به مراكز رأس المال مع الإدارة
الأمريكية كلما تعمقت أزمتها في العراق وازداد غرقها في المستنقع
العراقي. كما يندرج وفي السياق نفسه التنسيق الذي تبديه مراكز رأس المال
مع الإدارة الأمريكية اتجاه سورية وإيران.
إن تشبيه التورط
الأمريكي في العراق بالتورط الأمريكي في فيتنام ليس دقيقاً. فطبيعة
المواجهة في فيتنام ودوافعها تختلف نوعياً عما يتم الآن في العراق. فإذا
شكلت الهزيمة الأمريكية في فيتنام ما عرف بالعقدة الفيتنامية للإدارات
الأمريكية المتعاقبة لسنوات طويلة، فإن الهزيمة الأمريكية في العراق
اليوم إذا ما تمت لن تشكل إجهاضاً للمشروع الرأسمالي الأمريكي للعولمة
فقط، وإنما ستشكل عقدة للرأسمال العالمي. وبداية يمكن للشعوب المكافحة أن
تستثمرها من اجل التخلص من سيطرة عالم رأس المال وبنا ء عالم أفضل.
لذا فإن المطلوب
اليوم من الشعوب المكافحة ضد عولمة رأس المال المتوحش وفي مقدمتها الحركة
العالمية المناهضة للعولمة ليس التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي
فقط وإنما اعتبار المواجهة التي تتم اليوم بين شعوب المنطقة العربية
والمشروع المعولم لرأس المال في مقدمة مهامها.
الحلقة الضعيفة في الحركة المناهضة للعولمة.
منذ بدء اقتراب موعد
الانتخابات الرئاسية الأمريكية والحديث يدور في أوساط الحركة المناهضة
للعولمة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الحركة في هزيمة بوش وطاقمه
وانعكاسات ذلك على مستقبل المشروع الأمريكي في المنطقة والعالم. ويرى
الكثيرون في الحركة العالمية إن هزيمة بوش في الانتخابات الأمريكية
بالإضافة إلى كونه يلعب دوراً في أعادة حسابات طغمة رأس المال الأكثر
رجعية في الولايات المتحدة، فإنه يرفع من معنويات الحركة الأمريكية
المناهضة للعولمة والحرب، كما الحركة العالمية. وباعتقادنا إن هزيمة بوش
إذا ما تمت سيكون لها تأثير على مستقبل السياسة الأمريكية في العالم.
ولكن هذا التأثير لن يكون كبيراً إلى الحد الذي يغير من المجرى الرئيس
للسياسة الأمريكية. وهي سياسة ترتبط بمصالح رأس المال الأمريكي والعالمي
أكثر منها ارتباطاً بشخصية أو طاقم هذا الرئيس أو ذاك.
لذا فإننا نرى أن
اهتمام الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب بدعم كفاح شعوب المنطقة
العربية من اجل تغيير أنظمتها الديكتاتورية، هذه الأنظمة التي تشكل حصان
طروادة للمشروع الأمريكي هو أكثر تأثيراً في ميزان القوى القائم في
الصراع مع المشروع الأمريكي للعولمة من تغيير الرئيس الأمريكي أو رئيس
الوزراء البريطاني.
نحن ندرك إن المشروع
الأمريكي لعولمة رأس المال لم يكن اختياره للمنطقة العربية مصادفة وإنما
جاء نتيجة لاحتياجات ومصالح رأس المال ( النفط وإسرائيل). كما إنها
ترافقت مع وجود أنظمة في المنطقة العربية تتوزع مابين ديكتاتورية و خائنة
أو ديكتاتورية وعاجزة. إن وجود هذه الأنظمة أغرت الإدارة الأمريكية
بتحقيق نصر سهل وسريع. في ظل توقع غياب أي رد فعل شعبي نتاج سنوات طويلة
من القمع الذي مارسته هذه الأنظمة تجاه شعوبها وفي ظل كره وعداء هذه
الشعوب لأنظمتها.
لقد كانت حسابات
الإدارة الأمريكية ومنظريها صحيحة فيما يخص الأنظمة ولكنها أخطأت في ما
يخص الشعوب العربية. و هذا هو بالضبط ما يجعل الإدارة الأمريكية تأمل في
نجاح مشروعها وهو ما يشكل في الوقت نفسه بالضبط مأزقها في العراق وفلسطين.
إن المنطقة الأكثر
سخونة في الصراع مع المشروع العولمي هي المنطقة العربية وفي الوقت نفسه
هي الحلقة الأضعف في الحركة العالمية المناهضة للعولمة.
لذا فإن على الحركة
العالمية أن تولي اهتماماً أكثر لمساعدة هذه الشعوب للتخلص من أنظمتها
الديكتاتورية. وإذا كانت قضية الديمقراطية والحريات جزءاً أساسياً من
مهام الحركة العالمية فأنها مدعوة اليوم للتركيز على هذه القضايا فيما
يخص المنطقة العربية. فمقدمة هزيمة المشروع العولمي الذي تقوده
الإمبريالية الأمريكية يبدأ من هنا، ووحدها شعوب المنطقة المتحررة من
الديكتاتورية والقمع والمتحالفة مع شعوب العالم وقواه الاجتماعية قادرة
على هزيمة الهجوم العولمي الذي تقوده الإدارة الأمريكية من اجل بناء عالم
أفضل للإنسانية جمعاء.
هل نحن أمام عدو شرس ومتوحش؟؟.. نعم
هل نحن أمام قوى عاتية وجبارة؟؟..نعم.
هل نبدو كمن يناطح الصخر؟؟...نعم.
ولكننا نردد مع رمز العداء للإمبريالية( تشي غيفارا)
نحن واقعيون ولكننا نطلب المستحيل.
|