صباح التاسع من مايو بينما
كانت روسيا تحتفل بالذكري التاسعة والخمسين لانتصارها علي الفاشية دوي
انفجار في العاصمة الشيشانية جروزني ليفسد احتفالات الكرملين، وأدى لمصرع
مفتي الشيشان السابق ورئيسها احمد قديروف، ووزير الشؤون القومية تاوس
جبرائيلوف ورئيس مجلس الدولة الشيشاني حسين اسايف، وطفلين وصحفي، وتسبب
الانفجار في إصابة أكثر من خمسين شخص بجراح خطيرة، من بينهم قائد القوات
الروسية في شمال القوقاز فاليري بارانوف. ومما لاشك فيه أن انفجار جروزني
الذي أودى بحياة قديروف شكل ضربة لتسوية موسكو السياسية و التي تسعي لإغلاق
الملف الشيشاني، ومكن المعارضة من القضاء علي زعيم أكبر فصيل شيشاني يضم
أكثر من أثني عشرة ألف مسلح، نجح في استنزاف و استقطاب عناصر من مقاتلي
المعارضة الشيشانية علي مدار السنوات الماضية.
وكان واضحا من تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن
القيادة الروسية تعاني من ارتباك، وأنها تواجه أزمة حقيقية علي أثر اغتيال
احمد قديروف.. بدءا من البحث عن خليفة له قادر علي الاحتفاظ بولاء أكثر من
أثني عشرة ألف مسلح يمكن أن ينتقلوا إلي الجبهة المعادية.. مرورا باحتواء
الصراع الذي يمكن أن ينشب بين القيادات السياسية الشيشانية الموالية للكرملين
علي منصب رئاسة الشيشان.. وانتهاء باستقطاب المقاتلين عبر مختلف سبل التأثير
عليهم ومنها التأثير الديني الذي كان يتمتع به قديروف باعتباره كان مفتي
للشيشان. ولم يتضمن تصريح بوتين سوي عبارات تعزية، إلا أن الملفت للنظر أن
الكرملين حرصا علي أن تكون عبارات بوتين خلال لقاءه مع ابن قديروف بعد ساعات
من اغتياله، مما يعني أنه تم استدعاء رمضان قديروف فور مصرع والده إلي موسكو
علي وجه السرعة لدرجة أنه لم يتمكن من تغيير ملابسه الرياضية، والذي أعقبه
قرار بتعيين رمضان نائبا أول لرئيس الحكومة الشيشانية، مما دفع بعض المراقبين
للاعتقاد بأن الكرملين يدعم تولي ابن قديروف منصب الرئاسة باعتبار أن ولاء
أكثر من أثني عشرة الف مسلح، إضافة لصلاته مع مسخادف، يمكن أن يمكنه من حسم
الصراعات التي ستتفجر حول السيطرة علي مقاليد السلطة في الشيشان.
ولم يكن هناك أي تضارب حول كيفية تنفيذ عملية أغتيال
قديروف، حيث أكد خبراء السلطات الأمنية أن الانفجار كان ناجما عن عبوة ناسفة،
زرعت تحت المنصة الرئيسية في الاستاد الرياضي الذي تم فيه الاحتفال بعيد
النصر في جروزني، وأنها زرعت من فترة زمنية وتم إخفاءها بصب اسمنت عليها، وقد
أكد عدد من خبراء أجهزة الأمن الروسية أن منفذي عملية اغتيال قديروف هم من
العناصر الموثوق بهم من قبل أجهزة الأمن مما مكنهم من التنقل بحرية و تنفيذ
هذه العملية، بل وذهب بعض الخبراء للقول بأن أسلوب عملية اغتيال قديروف
يتشابه في العديد من الخطوات مع اغتيال يندربييف الزعيم الشيشاني الهارب إلي
قطر، والذي كانت روسيا تطالب بتسليمه باعتباره متورط في احتجاز أكثر من 700
رهينة في مسرح الدبروفكا منذ عامين، إلا أن هذا الفريق من الخبراء لم يعتبر
أن تشابه العمليتين يعني أن المنفذين هم نفس الأطراف. هذا وبعد تناثر العديد
من التصريحات التي أفادت باعتقال عدد من المشتبه في تورطهم في الانفجار، أكد
مساعد النائب العام أنه لم يتم اعتقال أي شخص حتى الآن...!
كافة هذه التفاصيل تقود بشكل أو بآخر لتساؤلات حول هوية
الجهة المنفذة لعملية اغتيال قديروف؟
مما لاشك فيه أن جبهة القيادات الشيشانية الموالية لموسكو
تشهد صراعات حادة منذ تعيين قديروف رئيسا للإدارة المؤقتة وقيام 12 رئيس مجلس
محلي في الأقاليم الشيشانية بتوجيه رسالة إلي الرئيس الروسي يطالبونه بعدوله
عن هذا القرار، مرورا بالصراع الحاد الذي كاد أن يتحول إلي صدام دامي بين
قديروف وبيسلان جانتميروف عمدة جروزني السابق، والذي اعتقل بتهمة اختلاس
ميزانية العاصمة الشيشانية ثم الإفراج عنه بقرار عفو من الرئيس الروسي السابق
بوريس يلتس في بداية الحرب الشيشانية الثانية لإرساله إلي الشيشان في مواجهة
قوي المعارضة، وانتهاء بصراع قديروف مع الياسوف رئيس الحكومة الشيشانية
السابق. أضافة لهذه الصراعات المستمرة حول السلطة، كان هناك صراع من نوع أخر
مع القيادات العسكرية العاملة في الشيشان والتي كانت تحقق منفعة مادية مباشرة
أما من الاعتمادات السخية من وزارة الدفاع لقطاعاتها العسكرية باعتبار أنها
تخوض حربا ضد الإرهاب، أو من بيع الوقود ومعامل تكرير النفط الصغيرة والغير
قانونية. وعلي كل الأحوال كان من مصلحة هؤلاء العسكريين بقاء الأوضاع مضطربة
في الشيشان- كما هو من مصلحة مقاتلي المعارضة- حتى يستمر تدفق الأموال!! إذ
كان العسكريون هم الحكام الفعليين للشيشان وكانوا يقومون أحيانا بإلغاء
اجتماعات الحكومة الشيشانية بحجة وجود معلومات عن اضطراب الأوضاع الأمنية.
مما لا شك فيه أن صراع السيطرة علي السلطة في الشيشان
الذي بدء منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي كان يستهدف ما يلي:
-
إيجاد منطقة متمردة يتمكن من خلالها الجنرالات تسويق
وبيع محتويات مخازن أسلحة ومعدات عسكرية هائلة، واختير آنذاك الجنرال جوهر
دودايف لتنفيذ هذه المهمة، و اختفت من الشيشان معدات و عسكرية و أسلحة كانت
كافية لتسليح جيش لا يقل عدد جنوده عن 50 الف جندي.
-
السيطرة علي مشروعات استثمار النفط، وعائدات أنابيب
نقل النفط التي تمر بالأراضي الشيشانية.
-
الاستفادة من مشاريع استثمار الشيشان في مجال
السياحة.
واعتبر عدد من القيادات السياسية الشيشانية ومنهم اصلان
بك اصلاخانوف أن جوهر دودايف قد خالف الاتفاقات التي عقدها معه و مع حزب
اللاتوف برعاية يلتسن حول كيفية استثمار الشيشان، فيما أكد حزب اللاتوف أن
الشيشان في عهد دودايف كان مقر لتجارة الأسلحة، كشف شامل بينو وزير خارجية
الشيشان في عهد دودايف عن صلات جوهر دودايف مع جنرالات في الجيش السوفيتي ثم
الروسي حتى بعد تمرده علي موسكو، حيث كانوا يتعاونون في تسويق هذه الأسلحة،
إضافة لمساعيهم لإسقاط حكومة يلتسن. بعبارة أخري لم تتغير الأهداف والوصفة،
وإنما تغيير الأشخاص والوجوه والشعارات، وبدلا من مواقف دودايف الشيوعية في
مواجهة يلتسن، ظهرت شعارات دينية في مواجهة حكم بوتين ..!! و بقي الحال علي
ما هو عليه، و استمرت الشيشان مصدر إفادة لكافة الأطراف باستثناء الشعب
الشيشاني، والذي كان الطرف الوحيد الذي لم يدخل في معادلة الصراع وتقسيم
النفوذ والأدوار.
وفي ظل صراع بوتين مع مسخادف وباسايف وأنصارهما، كان
انحياز قديروف لجبهة موسكو انتصارا هاما، وجاء هذا الانحياز بعد أن تم إبعاد
قديروف من السلطة الشيشانية بقرار من الجانبين - أي مسخادف وباسايف-، ولم يجد
بديلا سوي التحالف مع الكرملين، و قام بتسليم مدينته جودرميس للقوات الروسية
دون إطلاق طلقة واحدة، ودعا الشعب الشيشاني للوقوف في وجه مسخادف وباسايف
لإيقاف الحرب الشيشانية الثانية في عام 1999 بعد أن كان يدعو الشيشانيين في
الحرب الأولى عام 1994 للجهاد ضد الروس، وأكد علي ضرورة بقاء الشيشان ضمن
السيادة الروسية، رافضا مشروع الاستقلال الذي كان يطرحه مسخادف وباسايف،
واعتبر الكرملين أن تحالفه مع قديروف سيؤدي لشق جبهة المقاتلين وهو بداية
النهاية لجبهة المعارضين، وتم تعيين قديروف رئيسا للإدارة الشيشانية المؤقتة،
ضد إرادة العديد من العسكريين والقيادات الشيشانية الموالية لموسكو، إلا أن
الكرملين كان علي قناعة بقدرات المفتي في إنهاء الصراع انطلاقا من تأثيره
الديني وصلاته التاريخية مع قيادات ومقاتلي المعارضة، وتمكن قديروف من بناء
قوته الضاربة وأصبح لديه ميليشيات يقدر عدد عناصرها بأكثر من 12 الف مسلح،
كان بعضهم من مقاتلي المعارضة الذين قرروا العودة لحياتهم العادية.
وفي ظل الضغوط الدولية والداخلية قررت موسكو التجاوب مع
مطالب المجتمع الدولي والمدني وحل الأزمة الشيشانية عبر السبل السياسية بشكل
سلمي، إلا أن حل موسكو السياسي لم يكن به مكان لمسخادف، وكان تصدير للأزمة
للأطراف الشيشانية الساعية لتولي السلطة في الشيشان، واختار الكرملين أقواها
وهو قديروف بالتأكيد، وكلفته بهذه المهمة، وتمت المصادقة علي الدستور وتشكيل
هيئات الدولة، وقوات الشرطة، وأخيرا تم إجراء الانتخابات والتي أسفرت عن
انتصار ساحق لقديروف، بعد انسحاب منافسيه الأقوياء استجابة لطلب الكرملين.
هذا الوضع يعني عن وجود أطراف مختلفة من المعارضة
الشيشانية إلي جبهة أنصار الكرملين لها مصلحة في اغتيال قديروف، وسيؤدي أيضا
إلي إثارة الصراع حول السلطة في الشيشان، ولكن هذه المرة سيكون شرط
الكرملين. وما لاشك فيه أن موسكو حتى تستعيد هيبتها وحتى تقضي علي الدعم
المعنوي لبقايا مقاتلي المعارضة الناجم عن اغتيال قديروف ستشن حملات عسكرية
واسعة وقاسية لتصفية المقاتلين، مما يعني أن الملف الشيشاني عاد مرة أخري
ليغرق الكرملين في مشاكل لا حصر لها.
ولابد من القول أن موسكو لن تتمكن من إغلاق الملف
الشيشاني ما لم تجد حلا جذريا لأزمات الشعب الشيشاني الاقتصادية، وتوفير فرص
العمل للشباب حتى تقطع مصدر تغذية مختلف الفصائل المسلحة البشرية، إضافة
للتجاوب مع مطامح الشيشانيين في الأمن و الاستقرار و حرية التعبير وعدم إهدار
حقوقهم الإنسانية و التي لم تتم فقط علي أيدي بعض العسكريين أو بقرارات من
بعض حكام الأقاليم الروسية، وإنما أصبحت تحصل علي طابع قانوني في المحاكم
الروسية، التي تبرئ ساحة العسكريين الذين يقتلون المدنيين. لقد أصبح
الانتماء للشيشان في روسيا مرادفا للإرهاب والنهب والإجرام بفضل سياسات بعض
حكام الأقاليم ووسائل الإعلام الروسية، وأصبح المواطن الشيشاني محاصرا من
الجميع.
ويبقي أن نشير إلي أن سياسة الاعتماد علي هذا الفصيل
المسلح في مواجهة الفصائل الأخرى لا يمكن أن يشكل مخرجا، وإنما هو السبيل
الناجع لإبقاء الأزمة الشيشانية متفجرة.
صحفي مصري مقيم في موسكو - روسيا الاتحادية
|