- الديموقراطية -
  •  
    الإصلاحيون الجدد وأهل المعارضة اليسارية في مصر

    المفاجأة والإشكالية - الجزء الاول:

  • احمد زكي

    20 أكتوبر، 2004.


    فى نفس الموضوع:

     


    لنفس المؤلف:

    المؤتمر السنوي الثاني للحزب الوطني الديموقراطي (حزب الدولة المصرية الحاكم منذ ما يقرب من ثلاثين عام) انفض عن مفاجأة؛ وصدمة!  أما المفاجأة فقد كانت من نصيب تيار عام من أهل السياسة المعارضة في مصر (سواء الشرعيين منهم أم غير الشرعيين!)...  وأما الصدمة، فكانت موقف النخبة من أهل السياسة اليسارية ’الشرعيين‘ منهم و’الغير شرعيين‘ في أعقاب المؤتمر!!

     

    وتلخصت المفاجأة  في أن جلسات المؤتمر اقتصرت على سجال مجيد لنجوم [وزراء] جدد دافعوا دفاعا شرسا عن مجموعة من التغييرات ’الثورية‘ في أجندة الحكم الاقتصادية.  فقد انعقد وانفض المؤتمر ولم يصدر عنه أي تغيير في الأجندة السياسية للحكم الحالي ولو ’قيد أنملة‘، في الوقت الذي كانت تتوقع فيه نخبة المعارضة المصرية، أن يدشن المؤتمر تغييرا كبيرا في الحياة السياسية يكون ردا على المطالب العريضة الثلاثة لتحالفاتهم:

    1. الانتخاب المباشر لمنصب رئيس الدولة من بين عدة أشخاص (وليس عن طريق ترشيحه بواسطة مجلس شعب يسيطر على أكثر من ثلثي مقاعده حزب الدولة)، وكذلك قانون جديد وهيئات جديدة للانتخابات السياسية... 
    2. إلغاء حالة الطوارئ (المستمرة بلا انقطاع منذ ولاية الرئيس مبارك).
    3. توسيع الشرعية (الاعتراف بعدد جديد من بعض الأحزاب تحت التأسيس، و/أو زيادة حصة الأحزاب ’الشرعية‘ في المناصب السياسية الممنوحة لهم في هيئات واجهزة الحكم المختلفة [مجلس شورى، شعب، صحافة، نقابات... الخ]).

     

    المفاجأة:

    كان عدد من الظروف الدولية والمحلية قد سرب أوهاما للتيار العريض من أهل حرفة السياسة بأن نظام الحكم في مصر يمر بأزمة عدم استقرار وبالتالي هناك فرصة لان تكون مطالبهم قاب قوسين أو ادني للتحقق. 

    فالضغوط الخارجية التي تمارس ضد أنظمة الحكم الاستبدادية في منطقتنا (ومن بينها بالطبع مصر) تتصاعد بوتائر سريعة وتأخذ أشكال شتى؛ تتراوح بين:

    1. أشكال التدخل اللينة، مثل المبادارت التي ترفع شعارات الدعوة لآليات حكم ديموقراطية وإعطاء حريات اكبر لهيئات المجتمع المدني (مشروع باول للشرق الأوسط ومبادرة الشرق الأوسط الكبير)،
    2. أشكال التدخل العنيف حسب الحالة:
      • المباشر (الاحتلال الأمريكي للعراق، وإرهاب الدولة الإسرائيلية في فلسطين، القواعد العسكرية في الخليج و... )،
      • الغير مباشر (عقوبات الأمم المتحدة والتهديد بها، مثل ما تواجهه سوريا ولبنان والسودان وما يلوح في الأفق بالنسبة لإيران). 

    وأيضا، كانت مظاهر ضعف صحة الرئيس المصري (سقوطه في جلسة البرلمان واحتجابه الطويل نوعا قبلها وبعدها، وغيابه في الخارج لمدة شهر بسبب العملية الجراحية التي أجراها هناك)،  وطول مدة ولايته بلا نائب (ما يقرب من 24 عاما متواصلة)، وظهور ابنه على مقدمة المسرح السياسي (باعتباره مدنيا من خارج مؤسسة الجيش يمتلك فرصة حقيقية لتولي رئاسة الحكم في مصر لأول مرة منذ خمسون عاما)، قد ضاعف من الإحساس بعدم استقرار النظام. 

    كما أوحى التغيير الوزاري الأخير، وخروج عدد من الطاعنين في السن من أقطاب حرس الدولة الشمولية (وزير الإعلام، ووزير التعليم [كلاهما كانا من التلاميذ النابهين لأجهزة الدولة الناصرية الرهيبة]، ووزير الزراعة العتيد)، بان هذا الخروج مقدمة لتغييرات اكبر.

    هيأت كل تلك الظروف أوهاما للنخبة بأن النظام مقبل على صنع تغييرات ملموسة في صيغة الحكم حيث قد ضاقت به سبل المناورة أمام الضغوط الخارجية التي لا تفتر لفك قبضة الدولة الاحتكارية على أشكال الحياة في مصر، وضم السوق المصري إلى السوق العالمي ضمن مخططات قوى الرأسمالية الدولية لتوحيد السوق العالمي (العولمة الرأسمالية النيوليبرالية)، وما يليها من تبعات على بلدان المنطقة. 

    واعتبر الجميع أن مؤتمر هذا العام سوف يرسي أسس التغيير القادم بعد أن أصبح شائعا أن الرئيس لن يجدد ولايته وان ساعة حسم الخليفة سوف تبدأ من داخل المؤتمر حتى موعد الاستفتاء على رئيس الجمهورية القادم في أكتوبر 2005.

    شرع أهل المعارضة السياسية في إخراج رماحهم وسيوفهم وبكروا بالنزول إلى حلبة الصراع، ورص الصفوف وتوزيع الأدوار وعقد التحالفات من وراء الأبواب ومن أمامها. 

    وحتى قبل أن يبدأ النزال، تفرق أهل المعارضة بين فريقين كبيرين. كان أحدهما هو الفريق الذي أسبغت الدولة المصرية عليه الشرعية منذ زمن الجمهورية الثانية، وأكدتها الخبرة العملية في الجمهورية الثالثة.  أعلن هذا الفريق (التجمع اليساري، والناصري القومي والوفد الليبرالي وآخرون) انه يعارض من منطق الشرعية؛ ويرفض أن يضم إلى معسكره تيارات المعارضة السياسية الأخرى التي لم يسبغ الحكم عليها شرعيته بعد، وعددوا الأسباب الوجيهة. 

    أما الفريق الآخر فضم بين صفوفه كل من هو خارج الشرعية بغض النظر عن لون فصائله السياسية أو إيديولوجيتها. ولكن سرعان ما انقسمت فرق المعارضة الغير شرعية (التي تبحث عن الشرعية) إلى فريقين؛ أحدهما الحركة المصرية، والآخر الحركة الشعبية وكلاهما من اجل التغيير.

    كان المنظر العام غريبا وغارقا في الكوميديا السوداء معا.  التيارات الأيديولوجية الكبيرة الثلاث في المجتمع المصري: انشقاقات الناصريين القومية بالإضافة إلى الإخوان المسلمين وروافدهم الدينية مع منظمات الماركسيين المختلفة وآخرون هنا وهناك، يجمعهم عداء نظري أصيل للديموقراطية الغربية، يرفعون لافتات الديموقراطية الليبرالية عاليا ويقفون تحتها.

     

    علقت قناة الجزيرة على المؤتمر بان جلساته كانت تتابعها النخبة المصرية باهتمام كبير ومن ساعة لساعة، بينما لا يبدو أن الشارع المصري، (للأسف!)، كان يعطيها أدنى اهتمام.  انتظرت المعارضة مدهوشة أن يتناول المؤتمر مفردات المطالب التي نادت بها، ولكن المؤتمر بدا كما لو انه تركها كلها جانبا، وركز اهتمامه على الأجندة الاقتصادية والتغييرات التي حمل راياتها الفرسان الثلاثة الجدد للاقتصاد المصري (وزير المالية القديم الجديد، ووزيري الصناعة والاستثمار الجديدين).

    وبانتهاء المؤتمر، وبعد الخطاب الختامي الذي ألقاه رئيس الدولة، نزل الماء البارد على رؤوس أهل حرفة السياسة المعارضة في بلدنا؛ وقد علق أكثر من محلل في التلفزيون المصري أن المناخ السياسي في مصر بات بليل وقد ساده الإحباط العام.

     

    الإشكالية:

    هذا العام، طرح المؤتمر عرضا شديد الإغراء واللؤم على رجال القطاع الخاص المصري، من اجل تنفيذ الأجندة الخارجية التي باتت مطروحة اليوم بإلحاح شديد.   وحتى نلم بأفكار عن أبعاد هذه الأجندة، نلجأ إلى هربرت دوسينا، وهو باحث من مركز ’فوكاس على جنوب العالم‘ قضى عامين في بغداد متابعا لأجندة الاحتلال الأمريكي هناك، وشرح أبعادها الحقيقية في مقاله الهام "كتائب الديموقراطية الصامتة" بقوله:

    " تعلمت هيئة المعونة الأمريكية، أن التركيز على الدولة أو النخب الحاكمة فقط ليس كافيا.  "حتى لو إن الدولة أو النخب الحاكمة هي التي تقترح الإصلاحات – مثلا، خصخصة الصناعة المملوكة للدولة، أو تحسين النظام الضريبي، أو محاربة الفساد والرشوة والتهريب، مثلا – هذه الإصلاحات لا يضمن لها الاستدامة إذا لم يتعلم المجتمع الحاجة إليها ويتم تعبئته من اجل تدعيمها"، هذا ما يدعو إليه تقرير ’السياسة الخارجية من اجل المصلحة الوطنية‘.  هذا يشرح لماذا تهتم الولايات المتحدة جدا بموضوع "المجتمع المدني".  يعلق التقرير على ذلك بقوله، "الضغط المنظم من أسفل، في المجتمع المدني، يلعب دورا جوهريا في إغراء النخب الحاكمة بالحاجة إلى الإصلاحات المؤسسية من اجل تحسين طريقة الحكم".

    هذه الأجندة تحدث في العراق، وتحدث في مصر، وربما لو راجعنا مقال هربرت دوسينا سنجد نفس السياسة قد حدثت في أمريكا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية من قبل.

    هكذا تأتي حرب "تحرير مصر" بصورة مختلفة عن حرب "تحرير العراق"، ولكنها تأتي في نفس السياق. 

    هذا عن الأجندة العامة التي تحكم الصراع الدولي. 

    أما الصراع الداخلي الذي ترجمته وقائع وجلسات المؤتمر، وما أسفرت عنه هذه الوقائع والجلسات، فقد لخصه لنا بشكل واف، الدكتور عبد المنعم سعيد في مقاله بالأهرام (الثلاثاء؛ 28 سبتمبر 2004).  تحدث رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن الضغوط المستمرة التي تحاول الدولة المصرية مواجهتها مع العدو الخارجي وتبحث عن فكاك منها، وكيف جاء المؤتمر الثاني للحزب الوطني ليطرح بلسان فرسانه الثلاثة سيناريو الحل الذي صرخوا به في وجه المعارضة المكبوتة داخل الحزب الوطني واجهزة الدولة العريقة نفسها.  نعم! هناك معارضة لهذا السيناريو لا تتحدث علنا وموجودة داخل أجهزة الدولة السيادية والمدنية، تلك المعارضة التي هددها رئيس الوزراء بأنه سيعتبر أي محاولة منها لعرقلة مسيرة "الإصلاحات" وكأنها جريمة ’خيانة عظمى‘.

    بداية، يقدم لنا الدكتور عبد المنعم سعيد صورة شديدة الوضوح لما هي الدولة المصرية الآن، فيقول:

    "وما جري خلال الخمسين عاما الأخيرة في مصر‏, ‏ ومنذ ثورة يوليو المباركة‏, ‏ كان في العموم اتجاها نحو الدولة‏, ‏ ومن خلال عمليات التمصير والتأميم والهيمنة والسيطرة‏, ‏ أصبحت الحكومة المصرية هي المالك الأعظم لثروات المجتمع وأصوله وأمواله‏, ‏ تصرفها وتوزعها وتسحب بالمكشوف علي حسابها‏".‏

    وينتقد الدكتور عبد المنعم سعيد سياسة الدولة في مصر، طوال الثلاثين عاما الأخيرة (جمهورية السادات، ومبارك؟!)، بسبب كلا من مراوغتها لقوى الاقتصاد العالمي وإساءاتها للقطاع الخاص المحلي، من اجل الاحتفاظ بسيطرتها الشمولية على مقدرات المجتمع:

    "وطوال العقود الثلاثة السابقة‏, ‏ جري في مصر حديث عن الانفتاح‏, ‏ وفتح الباب للاستثمار الأجنبي‏, ‏ وحتى قيل بالخصخصة لشركات القطاع العام‏, ‏ بل وقيل الكثير عن قصد أو بدون قصد عن التحول نحو اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد العالمي‏.‏   ووعدت مصر عشرات من المؤسسات الدولية أنها سوف تقوم ببيع واحد من البنوك العامة في مصر‏.‏ ومع كل ما جري‏, ‏ وكل ما قيل‏,‏ كانت الثروة تنتهي في يد الحكومة‏,‏ وهي الموظف الأول‏,‏ والمستثمر الأول‏,‏ والمعلم الأول‏,‏ والإعلامي الأول‏,‏ وهي الحارس والحاكم الأول لكل الأموال العامة والخاصة‏,‏ وهي الدولة الأعلى في الحفاظ علي الاقتصاد العام بين الدول التي تدعي إتباع الاقتصاد الحر‏.‏ وبينما كانت الدولة تتحدث عن القطاع الخاص‏, ‏ فقد كانت توجه الملايين للمشروعات القومية‏, ‏ وبينما كان الحديث زاعقا عن إعطاء مزيد من الحرية لرجال الأعمال‏, ‏ كان الواقع يقودهم إلي السجن وتحمل المسئولية عن الكوارث الاقتصادية‏".‏

    ورغم الارتياب في النوايا الحقيقية للدولة حتى الآن، فالخطوات التي تتخذها الدولة حاليا يوافق الدكتور عبد المنعم على اعتبارها ’ثورة‘:

    "ولذلك عندما يطرح الحزب الوطني الديمقراطي مجموعة من الإجراءات التي تعيد الثروة إلي الناس‏, ‏ فربما كنا بالفعل أمام ثورة‏, ‏ فمن المؤكد أن رفع حد الإعفاء الضريبي لمحدودي الدخل بحيث يصل إلى‏5000‏ جنيه فإنه يعيد للفرد أموالا كانت الدولة سوف تأخذها نيابة عنه‏, ‏ وتصرفها نيابة عنه‏, ‏ وعندما تضاف الزوجة ويصل حد الإعفاء إلي‏10000‏ جنيه‏, ‏ وتنخفض الضرائب علي الدخل‏, ‏ بحيث لا تزيد علي‏20%, ‏ وتتقلص الجمارك وتنخفض‏, ‏ وتجري تسوية قضايا الضرائب وفق مبادئ جديدة‏, ‏ بل وتوضع قواعد جديدة للإقرارات الضريبية‏, ‏ فإن معني ذلك ليس فقط تحسين مناخ الاستثمار‏, ‏ إنما هو نقل الثروة للناس لكي يتصرفوا فيها وفق إرادتهم الحرة"‏.‏

    إلا أن الدكتور عبد المنعم سعيد يرحب بحذر بمن اسماهم ’الإصلاحيين‘، وثورتهم، فيقول:

    "وعندما بدأ الإصلاحيون [في الحزب الوطني] طريقا نحو إعادة توزيع الثروة في المجتمع ونقلها من الدولة إلى الشعب‏, ‏ ومن الحكومة إلى الناس‏, ‏ فإن دورة سياسية جديدة تكون قد بدأت في مصر‏, ‏ اعتمادا علي أدوات اقتصادية‏, ‏ لأن الموضوع ليس أموالا ونقودا وضرائب‏, ‏ وإنما هو توزيع جديد لمصادر القوة‏. ‏وهنا تحدث الإشكالية العظمي‏".‏

    لم يفصح الدكتور عبد المنعم كثيرا عن أركان الإشكالية، باعتبار إنها مفهومة ضمنا لدى من يتوجه إليهم الأستاذ الدكتور بحديثه، بل انه يختم مقاله الهام بصورة تنم عن عدم التفاؤل، ولكن مغلفة بأدب جم ودبلوماسية هو مطبوع عليهما:

    "الواضح أن الحزب مدرك ضرورة توسيع إطار الشرعية والمشروعية من خلال أدوات سياسية مثل قانون الأحزاب الجديد‏, ‏ ولجنة الانتخابات الجديدة‏, ‏ وقوانين النقابات وتنظيمات العمل المدني‏ (؟؟!!), ‏ ولكن ما ليس واضحا‏, ‏ هو ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية للتلاؤم مع الثورة التي طرحها وزير المالية ورفاقه من الثوريين الجدد في الحزب"‏.

    والإشكالية الأكبر أن الفرسان الثلاثة لم يكن حتى عرضهم الذي عرضوه مشمولا بأي ضمانات من تلك التي لم يقتنع رئيس مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية بالأهرام أنها كافية للتلاؤم مع الثورة، وحل اشكالياتها.

     

    في جلسة مناقشة السياسات الاقتصادية التي رأسها "السيد جمال مبارك"، تحدث الفرسان الثلاثة مخاطبين نفس الإشكالية التي وضعها الدكتور عبد المنعم سعيد (مقال الدكتور جاء تاليا لهذه الجلسة في الترتيب الزمني للأحداث).  وكانت الخطابات زاعقة وحماسية ومتطرفة، للحد الذي هدد فيه رئيس الوزراء كبار موظفي الدولة الذين سيقفون ضد هذه السياسات باعتبار موقفهم هذا "جريمة خيانة عظمى"!

    طمأن وزير المالية رجال القطاع الخاص بأن سياسة الدولة سوف تعتمد على ستة ركائز كان أهمها:

    "أولا: رفع العملية الإنتاجية من خلال ترك جزء اكبر من الفائض بالمجتمع لاستخدامه..."

    "خامسا‏:‏ المسئولية المشتركة بين الدولة والقطاع المدني الذي في استطاعته القيام بالمهام التي تقوم بها الدولة..."

    "سادسا‏:‏ ضرورة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع علي الشفافية وإتاحة البيانات للمجتمع الاقتصادي والمالي والمدني من شأنه المساعدة في تكوين الرأي‏,‏ وبالتالي رسم السياسة المستقبلية للمشاركة.‏"

    أما وزير الصناعة والتجارة الخارجية فقد سار على نفس منوال الفارس الأول في عرضه للسياسة الجديدة:

    "...ذلك في إطار التوجه للاندماج في الاقتصاد العالمي وان رؤيتنا تتمثل في رفع القدرة التنافسية للصناعة المصرية وكذلك رفع الإنتاجية ووصول منتجاتنا للمستوي العالمي لاختراق الأسواق الخارجية بنجاح؛ كما أن من أهدافنا رفع معدلات الاستثمار الصناعي والتصديري في المرحلة المقبلة‏، ‏ وذلك في إطار الشفافية للمعلومات والسماح بتداولها بين كل المتعاملين مع المراعاة الكاملة للبعد الاجتماعي وأيضا المشاركة بالمنافسة مع مختلف الأطراف المعنية بالإصلاح واعني بها الحزب والوزارات والمؤسسات الصناعية والتصدير والإعلام".

    وكرر الفارس الأصغر، وزير الاستثمار، نفس المنوال، ولكن باندفاع الشباب:

    "تقديم إدارة صارمة وكفء للمال العام‏, ‏ وكذلك ترجمة توجيهات الرئيس بضرورة وجود صف ثان وثالث لكل شركة وسيعلن ذلك قبل نهاية الشهر الجاري، إضافة إلى ضخ كفاءات وخبرات جديدة من القطاع الخاصة لمعاونة هذه الشركات (!!!) ـ كما انه ولأول مرة ستنشر تفاصيل محاضر الجمعيات العمومية بالكامل للشركات المملوكة للدولة وهذه ضمن قواعد الإصلاح"‏..

    "...لنصل في نهاية الأمر إلى وقف لعملية التنكيل بالمستثمرين الموفين بالتزاماتهم‏, ‏ ونقولها واضحة إن المسئولية مسئوليتنا عندما يتعثر مشروع استثمر صاحبه أمواله والقروض التي حصل عليها من البنوك كاملة مسئوليتنا في مساندته ومحاولة إقالته بكل الوسائل لكي يعود للعمل..."‏‏

    الفرسان الثلاثة يقدمون عرضا للشراكة الاقتصادية باسم الدولة أكثر كرما مما سبق تقديمه في الثلاثين عاما الأخيرة من عمر نظام "يوليو"، يتجسد مبدأيا في التخلي عن جزء كبير من فائض أموال المجتمع لاستثماره [بواسطة القطاع الخاص].  هذه هي الثورة الجديدة، وقد أظهرت الدولة نواياها الحسنة في هذا الاتجاه بالتنازل، فعلا، عن كميات هائلة من ثروة المجتمع في شكل تخفيض التعريفة الجمركية الجديد قبل البدء في المؤتمر، وفي شكل التخفيضات الضرائبية التي تنوي التقدم بها إلى مجلس الشعب فورا.  كل هذا جميل.  وجاء الأجمل أيضا في الإعلان عن بيع شركات قطاع الأعمال والشركات القابضة (لدينا‏172‏ شركة تمتلكها الدولة يعمل بها‏401‏ الف عامل وليس مليونا كما قيل - نص كلام وزير الاستثمار في الجلسة)، وأكدتها التوجهات التي أعلنت بعد المؤتمر بثلاثة أيام في اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء والمجموعة "الاقتصادية".

    ولكن كل ما وعد به الفرسان الثلاثة من ضمانات سياسية للقطاع الخاص كان هو الشفافية ونشر المحاضر، و’عدم التنكيل بهم‘ حتى تتحقق شراكتهم في اتخاذ القرار الاقتصادي، وأما الأدوات السياسية لهذه "الثورة" على حد تعبيرات الدكتور رئيس مركز الدراسات الأكاديمية، فلا حديث عنها في هذه المرحلة! 

    ثورة الدولة المصرية في صورة تنازلها عن مكانتها الاحتكارية المهيمنة على الاقتصاد ودعوتها الكريمة للقطاع الخاص للشراكة معها سوف تتم في ظل هيمنتها التامة على أدوات الحكم السياسية: الأحزاب والبرلمان والإعلام واجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية.  بل أن قبضة الدولة البوليسية على الحياة السياسية والاجتماعية لن تتخفف باستمرار قانون الطوارئ. 

    وجاء إعلان نية رئيس الجمهورية (نزولا على رغبة الأغلبية طبعا) في تجديد مدة ولايته للمرة الخامسة ضربة قاضية لكل آمال التغيير في المناصب أو الوجوه الحاكمة على الأقل لمدة ست سنوات اخرى قادمة.

    إذا هذه هي الصفقة بكامل أبعادها.  تنازل الدولة عن جزء من الأصول العامة والموارد السيادية لصالح القطاع الخاص، بلا أي مسئولية اجتماعية يتحملها الاخير، في مقابل عدم منازعة أهل الحكم في سلطانهم حتى يضمنوا الحماية ضد الانفجار الاجتماعي المنذر!!

    نبي الرأسمالية الرسمي هذه الأيام هو صمويل هنتنتون.  وربما تلخص كلماته هذه جوهر ما تعنيه قوى الرأسمالية المعاصرة الدولية والمحلية بكلمة الديموقراطية في زماننا هذا:

    "الديموقراطية السياسية تتوافق بوضوح مع انعدام المساواة في كلا من الثروة والدخل، وبمعنى من المعاني، ربما تعتمد على مثل هذه التفاوتات...  تعريف الديموقراطية بناء على غايات مثل الرفاهية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والإنصاف الاقتصادي الكلي هي أمور ضارة جدا".

    ولابد أن دولتنا العريقة التي تؤمن بهذا المبدأ قبل أن يخرج هنتنتون للحياة، قد لمحت إلى الخطر المحدق بالجميع، "الاستقرار".  فلم تذاع أي تفاصيل مفيدة عما دار في جلسة المؤتمر الوطني التي حضرها السفير الأمريكي وسفراء الاتحاد الأوروبي مع فرسان الثورة "الإصلاحية" أثناء المؤتمر.

    فالقطاع الخاص المصري ’طري العود‘، ولم يتحمل أبدا مسئولية ’حكم‘ من قبل، ولا تستطيع آليات الديموقراطية الغربية النموذجية حماية الاستقرار الاجتماعي، خصوصا في مثل هذا الوضع شديد الصعوبة الذي تراه البلد والمنطقة حاليا.

     

    الصدمة:

    قد يكون للحديث بقية...

    ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية