- العسكرة والحرب -

بيزنس الإرهاب
اعتداءات الأناركيين

ريك كولسئيت

لوموند دبلوماتيك – سبتمبر 2004.

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

الإرهاب قديم، موجود في كل عصر، كل قارة، كل دين.  لذا لماذا هذا الهوس الحالي بالأمن، والشك بوجود عدو خفي هائل خلف كل هجوم يحدث في العالم؟  يحمل التاريخ فترات كثيرة ذاع فيها الإرهاب والخوف نتيجة أحداث تشبه كثيرا ما يحدث هذه الأيام.

في 24 يونيو 1894، اغتال سانت جيرونيمو كازيريو، احد الأناركيين الإيطاليين، الرئيس الفرنسي، ماري-فرانسوا سادي كارنو، تلك العملية التي جاءت كذروة لسلسلة هجمات أناركية في فرنسا وأماكن اخرى.  شعر المجتمع الدولي بالتهديد نتيجة لذلك.  في الكونجرس الثوري الدولي في لندن عام 1881، دعا الأمير الروسي كروبوتكين (1) إلى العمل العنيف، "الدعاية من خلال الأفعال".  وكان أول عمليات العنف في الواقع قد ارتكبت قبل ذلك بسنوات قلائل، باغتيال وليام الأول أمير بروسيا، وملك أسبانيا وملك ايطاليا.  (كانت هناك سبع محاولات استهدفت حياة فيكتوريا ملكة بريطانيا طوال حكمها).

ولكن ثمانينات القرن التاسع عشر كانت مختلفة.  كان عقد القنابل: كان الديناميت هو السلاح الجديد وكان الملوك، والرؤساء، والوزراء والمباني الحكومية هم أهدافها.  بدأت الهجمات في فرنسا في 1892.  الإرهابي الفرنسي رافاشول (2)، الذي تمجده الأغاني الشعبية والروايات، أصبح رمزا حيا للكراهية والمقاومة، طبقا للمؤرخة باربارا توكمان (3).  كثير من المثقفين وشبان العائلات الثرية افتتنوا بالعنف.

وقعت تلك الهجمات في بلاد عديدة وشجعت في نفس الوقت على سيادة فكرة أن المنظمة السوداء الدولية هي الفاعلة.  كان التحريض في روسيا ذائعا، وقد ألهم اغتيال القيصر ألكسندر الثاني في 1881 وأفعال اخرى لعصبة الثوريين، نارودنايا فوليا (إرادة الشعب)، الأناركيين في كل أنحاء أوروبا.

لم تفلت حتى الولايات المتحدة.  اغتيل الرئيس وليام ماكينلي، بواسطة احد الأناركيين، واسمه ليون تشولجوزتش، في سبتمبر 1901 أثناء فترة من القلاقل الاجتماعية. اقتنعت سلطات الولايات المتحدة والجمهور وقتها بأن البلاد تواجه تهديدا دوليا.

من الصعب إدراك انه في خلال قرن تال من الزمان إلى أي مدى سوف تسيطر فيه على العالم أشباح الإرهاب الدولي.  عاشت باريس في خوف من هجمات قادمة.  لم تستطع الطبقات الحاكمة أن تفهم أسباب الكراهية وقد زاد كل عمل من أعمال العنف مخاوفهم من التمرد القادم من أسفل.  كان ينظر للعمال على انهم طاقة اجرامية كامنة وإلى الأناركيين على انهم كلاب مسعورة يجب تحطيمها بأي تكلفة.  خليفة الرئيس ماكنللي، تيودور روزفلت، وصف الإرهاب على انه "جريمة ضد الجنس البشري" وفي بعض البلاد رفعت درجة استعداد الجيوش.

دفع اغتيال الرئيس الفرنسي كارنو عام 1894، الحكومات وقوى الشرطة إلى اتخاذ التدابير اللازمة.  أول اقتراح بإقامة تعاون دولي جاء من ايطاليا، التي كانت تعتبر منبت الإرهاب الدولي وكانت لهذا السبب قلقة لتحسين سمعتها السيئة.  تورط الإيطاليون في عدد من المحاولات التي استهدفت رؤساء الدول وأصبح لدى المهاجرون الإيطاليون اسما سيء السمعة في أوروبا كلها.  كانت جالياتهم الكبيرة، التي تنتفخ بتدفق منتظم للعمال الموسميين، محل استهجان واسع.

المؤتمر الدولي لمكافحة الأناركيين افتتح في روما في 24 نوفمبر 1898، مع تدابير امن صارمة على كل الطرق المؤدية إلى قصر كورسيني.  قررت الواحد وعشرون دولة المشاركة بشكل لا يلين أن الأناركية يجب ألا ينظر لها على أنها مذهب سياسي يتوفر فيه النوايا الحسنة (bona fide)، وان الهجمات التي يقوم بها الأناركيين تحت دعوى المصلحة الشخصية هي جرائم جنائية تستوجب تسليم مرتكبيها إلى بلادهم.  ولكن هذا التعبير القوي عن الوحدة الدولية لم ينتج إلا القليل من النتائج الملموسة.  تكثف التعاون البوليسي ولكن الحكومات احتفظت بحقها في تسليم الأناركيين الأجانب إلى حكوماتهم كما يحلو لها.

لم يتم تفعيل الكلمات الرائعة لان الأحداث تجاوزتها.  بحلول القرن العشرين، كانت الأناركية قد أخذت تضمحل توا في معظم البلدان.  الأممية السوداء، كان الاعتقاد السائد أنها منظمة فضفاضة زئبقية لها هالات من السطوة الثورية، كانت تلك الأممية خرافة قائمة فقط في مخيلة البوليس والصحافة.  تنقل بعض الإرهابيين بشكل واسع بين الأقطار، واحتفظت بعض الجماعات بصلات مع بعضها البعض وكانت العمليات التي يقوم بها بعضهم تلهم البعض الآخر.  ولكن لم يكن هناك شبكة دولية، ولا تآمر دولي ولا تخطيط دولي.  لم تكن هناك قيادة مركزية، فقط أفراد يقومون بأعمالهم بشكل فردي مستقل في خلايا صغيرة، تتواصل جسورها فقط عن طريق الكراهية للوضع القائم وفي ظل هذه الصلات تم تهميش قطاعات واسعة من المجتمع.

بدا كل شيء في حالة من التدفق.  بالازدياد السريع في التجارة الدولية والسياحة والتغييرات التكنولوجية، كان من الممكن لأول مرة في التاريخ أن نتكلم عن سوق عالمي تتنقل فيه البضائع والخدمات والرأسمال والناس بحرية.  ولكن ما يسميه الفرنسيون بالزمن الجميل (Belle Epoque) لم يكن عصرا ذهبيا بالنسبة لكل فرد.  تنعمت القلة المختارة بالرفاهية ولكن الغالبية لم تمسسهم نعم النمو الغير مسبوق في الثروة ولم يكن لديهم صوت في السياسة.  اعتبر هؤلاء أصحاب السلطان أن الطبقة العاملة مصدر للخطر.  كان العمال موضع احتقار وخشية، يتمركزون في احياء معزولة ويحتلون هامش المجتمع. 

الخطر الأناركي اكتسب أبعادا خرافية.  باربرا توكمان وصفتها كأعراض لمجتمع مريض تبحث فيه الطبقة العاملة فقط عن لعب دورها بالكامل.  منطق المنفذين لعمليات الاغتيال كان هو انهم رفعوا السلاح في حرب شرعية من اجل العدالة؛ وان أفعالهم كانت مجرد دفاع عن النفس لصالح قطاع من المجتمع مهمش يخضع لوطأة الاضطهاد.  ادعت الخلايا الإرهابية أنها طليعة البروليتاريا بلا دولة، برغم أن بعض الناس قد أدرك انهم كانوا فقط مجموعات صغيرة ومنعزلة.  اعترف الأمير كروبتكين في احد المرات سرا لانريكو مالاتيستا (4) انه يخشى أنهما فقط الشخصان الوحيدان في العالم اللذان يؤمنان بان الثورة خالدة.

في الواقع لا يمثل الإرهابيون أي احد إلا أنفسهم.  لم تكن الأناركية أبدا موقفا فلسفيا متماسكا ولم تكن حركة سياسية.  معظم الأناركيين كانوا ضد العنف.  هؤلاء الذين قاموا بعمليات عنف كانوا فرادى غالبا والخلايا التي خططت لتلك الهجمات كانوا يماثلون الشيع الدينية الغير منظمة.  ولكن، كما لو كان الحدث يعقب الآخر، بدأ الناس يتخيلون أن الأناركية ماكينة دولية قوية ولهذا جذبت الأناركية المزيد من الأعضاء.  كان هناك دائما الشخص أو بعض الأشخاص من المتطرفين الذين على استعداد لحمل المصباح من اجل نصرة المظلومين.

انطفأ العنف الأناركي في حوالي بدايات القرن العشرين.  أدرك الزعماء من أمثال كروبتكين أن الإرهاب لم ينتج تغييرا وان هذه الاستراتيجية قد تكون بلا جدوى.  ادعى الأناركيون انهم يعملون لصالح الطبقة العاملة ولكن الفجوة بين الأناركيين والعمال اتسعت مع كل هجمة إرهابية.  الإرهاب لم يضعف الدولة ولكنه عزز قوى البوليس، والجيش والحكومة. 

أيضا، بشكل هام، بدأت الطبقة العاملة في اتخاذ سبيلا آخر للتعبير عن طموحاتها.  بين عامي 1895 و 1914 انقلب كثير من الأناركيين إلى الحركة العمالية والنقابية.  منحت الاشتراكية للعمال كرامة شخصية، وإحساس بالهوية ومكانا كاملا في المجتمع.  وما عاد العمال يشعرون بالعزلة وبأنهم في حرب داخل المجتمع.  اثبت الطريق القانوني والطريق الدستوري أنهما سبلا أكثر تأثيرا في الظفر بالحقوق السياسية والاجتماعية والحصول على التحسينات الاقتصادية.

استمر الإرهاب في الاشتعال بشكل متفرق في الدول التي تقع على الحدود الأوروبية.  في روسيا، وأسبانيا، والبلقان، استمرت الهجمات الإرهابية حتى الحرب العالمية الأولى.  شجع نظام الحكم في هذه الدول إحساس بالاستبعاد الاجتماعي والسياسي بشكل كاسح، بينما ترك القمع المستمر الطبقة العاملة بلا بديل سوى استخدام العنف.

في هذه الأيام، النظرة إلى المسلمين غالبا هي نفس النظرة التي تحمل خليطا من الخوف والاحتقار كما كانت النظرة للعمال في القرن التاسع عشر.  ويحمل الإرهابيون الجهاديون نفس المشاعر تجاه أمريكا كما كان أسلافهم الأناركيون يحملونها تجاه البرجوازية: يرونهم كصنم للعجرفة والسلطان.  أسامة بن لادن هو رافاشول القرن الواحد والعشرين، رمزا حيا للكراهية والمقاومة بالنسبة لأتباعه، ورجل عصابات بالنسبة للبوليس والأجهزة الاستخبارية.  الجهاديون اليوم يماثلون الأناركيون في الأمس: في الحقيقة، أعداد لا تعد ولا تحصى في مجموعات ضئيلة العدد؛ في نظرتهم لأنفسهم، طليعة تتصدى لحشد جماهير المظلومين (5).  أخذت العربية السعودية اليوم دور ايطاليا بينما الحادي عشر من سبتمبر 2001 هو الطبعة المعاصرة للرابع والعشرين من 1894، نداء للمجتمع الدولي من اجل اليقظة .

أسباب صعود الإرهاب الآن والأناركية في ذاك الوقت هي نفس الأسباب.   يتوحد المسلمون في جميع أنحاء العالم بشعور من الضيق والأزمة.  يبدو العالم العربي أكثر مرارة، أكثر سوداوية، واقل إبداعا أكثر مما كان في ثمانينات القرن العشرين.  هناك شعور متنامي بالتضامن مع المسلمين الآخرين، إحساسا منهم بان الإسلام نفسه في خطر.  هذا الأمر يصبح أرضا خصبة لصالح أقلية متطرفة.

قاد أسامة بن لادن الطريق بفتواه الشهيرة التي أعلنها في 1996: "أسوار الظلم والمهانة لا يمكن تحطيمها إلا بوابل من الرصاص".  نقاط التماثل مع الأناركية مدهشة.  من المحتمل أن يصبح العنف هو سبب دمار الإرهاب الجهادي، كما حدث مع الأناركية من قبل، ولكن الإرهاب سوف يتوقف أسرع إذا ما منح العرب والعالم الإسلامي أملا بديلا يخفف من إحساسهم بالاستبعاد.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية