- سوريا ولبنان -
  •  
    سوريا:
    "عدو" آخر، ليس إلا، يوحل مياه الشرق الأوسط أمام الولايات المتحدة
  • سول لانداو وفرح حسن

    16 سبتمبر 2004.

    ترجمة: احمد زكي


    فى نفس الموضوع:

     


    لنفس المؤلف:

    "المنظمة تقوم على أساس مبدأ المساواة ذات السيادة لكل أعضائها... كل الأعضاء يستنكفون في علاقاتهم الدولية عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد التكامل الإقليمي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو بأي وسيلة اخرى لا تتوافق مع أهداف الأمم المتحدة".  المادة 2، الفصل الأول، ميثاق الأمم المتحدة.

    غزاة العراق يتمسكون بهذه المادة مرة اخرى.  نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد، وهيئة المعاونين من المحافظين الجدد بقيادة نائب وزير الدفاع بول ولفوويتز ومساعد وزير الدفاع للسياسات دوجلاس فايث، نادوا على عدو آخر: سوريا.

    إنهم يريدون معاقبة نظام بشار الأسد على جرائم شبيهة بجرائم صدام الخاصة بأسلحة الدمار الشامل ورعاية الإرهاب.  على الرغم من ذلك، هجمتهم الكلامية العدوانية قد تكون مثل خططهم الحقيقية هي من اجل تشتيت الانتقاد الموجه لهم على التجسس وتسريب المعلومات من مكتب نائب الرئيس.  يدقق المحققون من قسم التحقيقات على معاوني تشيني الكبار لاحتمال أن يكونوا هم الذين ارتكبوا جريمة تزويد الصحفي روبرت نوفاك باسم عميلة الاستخبارات المركزية الأمريكية السرية فاليري بليم.  عندما "كشفها" نوفاك، هجرت السيدة بليم مهمتها ومهنتها.  اظهر رجال بوش بهذا الشكل لباقي الذين يرغبون في البوح بالحقيقة المحتملين التكلفة العالية التي سيتحملونها عند "توريطهم" الإدارة بقولهم لها.  زوج "بليم"، السفير جوزيف ولسن، هدم علنا قصة تشيني "بان صدام حاول شراء اليورانيوم من أفريقيا".

     مؤخرا جدا، مكتب التحقيقات الفدرالي ذكر بالاسم مساعد تشيني وأعضاء من لجنة الشئون الأمريكية الإسرائيلية العامة (AIPAC) كمتورطين في عملية التجسس لإسرائيل.  جماعة الضغط الإسرائيلية هذه التي تطالب بتمثيل السكان اليهود عملت طوال عقود من السنين على تشتيت الانتباه عن عدوانية إسرائيل وتصرفات السياسة الأمريكية عن طريق اتهام جيران إسرائيل غير الأصدقاء بالإرهاب – أولا، العراق، والآن سوريا وإيران.

    تأخذ كلمة "إرهاب" معنى جديد في أوائل سبتمبر عندما قتلت القوات الروسية والانفصاليون الشيشان أكثر من 300 فرد واغتالت القوات الإسرائيلية 14 فلسطينيا في غزة.  في هذا المناخ المرعب، لابد أن سوريا قد اكتسبت وضعا إنها غير- موضوع رئيسي.  برغم ذلك، تغلب نفوذ اللوبي الإسرائيلي على عناوين الصحف.  هكذا، بحلول خريف 2003، اقنع اللوبي الإسرائيلي الديموقراطيين الليبراليين أمثال السيناتور باربرا بوكسر من كاليفورنيا ورجل الكونجرس هنري واكسمان لتوليد الدعم لقانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة للبنان، التشريع الذي عاقب دمشق لعلاقاتها الإرهابية المزعومة وتخزينها لأسلحة الدمار الشامل.  في الواقع، الأغلبية الواسعة في الكونجرس يمينا، ويسارا، ووسط – صوتت لصالح التشريع دون الدخول في أي تقصي للحقائق أو مناقشة جدية.  وقع بوش القرار ليصبح قانون في ديسمبر وفي مايو 2004 حظرت صادرات الولايات المتحدة إلى سوريا وحظرت رحلات الطيران السورية من وإلى أي مقاطعات أمريكية.

    اللجنة الأمريكية من اجل لبنان الحر قادت الاتهامات الموجهة إلى سوريا.  لجنة لبنان الحر، التي تأسست كجبهة إسرائيلية في 1997، تحت قيادة زياد ك. عبد النور، عملت مع الايباك AIPAC والمحافظين الجدد للضغط من اجل فرض عقوبات على سوريا.  في الواقع، كانت واشنطن، بينما توجه سياط لومها على سوريا، تعاقب دمشق على أنها قد ساعدت الولايات المتحدة.  أظهرت الولايات المتحدة، وهي تصنع ذلك، طبيعتها المتقلبة لأنظمة الحكم الأخرى في المنطقة.

    في أوائل التسعينات، روجت سوريا بشكل نشيط لمحاولة واشنطن تنظيم لقاء سلام في مدريد.  وحتى بشكل محير أكثر، منحت سوريا معلومات استخباراتية حاسمة لوكالة الاستخبارات المركزية لمنع هجوم تشنه القاعدة ضد شخصيات أمريكية في البحرين في الفترة التي تلت أحداث 9/11.

    وكما لو كان بوش يريد أن يثبت إن الأفعال الطيبة لا تمضي دون عقاب، فقد لجأ إلى دبلوماسية لي الذراع ليهاجم سوريا في الأمم المتحدة.  هذا النوع من التصرفات، أثناء فترة ما قبل غزو العراق، أصاب المؤمنين بحكم القانون وفعالية الأمم المتحدة بالنكد والغيظ.  في 2 سبتمبر، دفعت الولايات المتحدة مجلس الأمن لاعتماد القرار 1559 (بنسبة 9 موافقون من الخمسة عشر عضو)، الذي يستهدف ولكن لا يسمي بالاسم على نحو معين – سوريا لاحتفاظها بقوات في لبنان والتدخل في الانتخابات الرئاسية اللبنانية القادمة.

    هذه المرة، اشتركت فرنسا في رعاية القرار، وهو تحول دراماتيكي من رفضها عام 2003 لمساندة غزو واشنطن للعراق.  متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون رحب بالقرار، ولكنه نعى انه كان اقل من اللازم فلم يفرض عقوبات على دمشق.  تحرك مجلس الأمن، على الرغم من ذلك، كان تعبيرا عن احتقار مبادئ الأمم المتحدة التأسيسية: احترام السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية.  دعا القرار "كل القوى الأجنبية المتبقية إلى الانسحاب من لبنان" و"إلى عملية اقتراع حرة وعادلة في الانتخابات الرئاسية القادمة تتم طبقا لأحكام الدستور اللبناني دون تدخل أو ممارسة نفوذ أجنبي".

    الصحافة السائدة، بدلا من التحقيق في دوافع سوريا للاحتفاظ بقواتها في لبنان، طبعت ببساطة ما تنسجه واشنطن كأنه أخبار عن أن: سوريا كقوة احتلال شريرة.  كم يكون ذلك هزليا، في ضوء الاحتلال الحالي للولايات المتحدة للعراق المجاورة وتاريخ القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان السورية.

    لم يتطفل التاريخ بعد على تفسير بوش للخير والشر الكوكبي، ولكنه منح أرضية تاريخية كافية يستطيع المرء منها أن يفهم لماذا أصبحت سوريا متورطة في الحرب اللبنانية 1975 – 1990.  في مايو 1976، مع مساندة من الجامعة العربية، بعث الرئيس السوري حافظ الأسد بقوات إلى لبنان لمساعدة الميليشيات المسيحية.  سوريا، بذلك، واجهت خصم إسرائيل، منظمة التحرير الفلسطينية، التي تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية.  في أكتوبر 1976، توصل القادة العرب لوقف إطلاق النار بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية.  دعت الاتفاقية القوات العربية – سوريا بالأساس – للبقاء في لبنان للحفاظ على النظام.  استخدم الأسد هذه الاتفاقية كرافعة في المناخ السياسي اللبناني، واستخدم الرقعة اللبنانية كمنطقة تتم فيها العمليات ضد إسرائيل.

    ولكن الأسد لم يتمكن من إنهاء الحرب الأهلية التي أخذت مصالح داخلية وخارجية تسعى من خلالها في تحقيق مميزات لها.  بدلا من ذلك، من أواخر 1976 وما تلاها، دعمت القوى الخارجية مليشيات الفصائل اللبنانية المتناحرة بينما تدمر هذه الفصائل بلادها.

    عام 1982، وحتى يتم تدمير الجناح العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية، غزت إسرائيل لبنان وعملت مع المسيحيين المارونيين في تنفيذ مذابح للفلسطينيين في معسكرات اللاجئين بصابرا وشاتيلا.  كانت إسرائيل تأمل أيضا في دفع الأمور إلى انسحاب قوات الأسد، الذي كان اقترابها من إسرائيل يخلق هموما أمنية.  استمرت القوات الإسرائيلية في احتلالها للجنوب اللبناني حتى مايو 2000 (ما عدا شريطا على طول الحدود اللبنانية السورية)، حتى طالب الرأي العام الإسرائيلي بنهاية لهذا الاحتلال.  ولكن سوريا، الأقل اهتماما بالرأي العام، استمرت في لبنان، وهو الأمر الذي سبب قلقا لإسرائيل.  سلوك إسرائيل ساعد الدول العربية على عقد تحالفات.  ولكن إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة – قد ساعدت أيضا بعض من أكثر الأنظمة سعارا ضد إسرائيل على هجر منظمة التحرير الفلسطينية.  بالمقابل، كان رد فعل "الشارع العربي" في صورة الحنو على أشكال العنف الديني المؤسس على أساس عرقي، والذي تسبب بدوره في هز استقرار أجزاء من المنطقة.

    بيزنطة؟  لا، ما قبل بيزنطة.  للسياسة المعاصرة في الشرق الأوسط جذور تاريخية تعود للحقبة ما قبل الاستعمارية، تسبق تاريخ طرد الأوروبيون للإمبراطورية العثمانية.  صانعو الحرب الأمريكيين، وكما يكتشف بوش بنفسه يوميا في العراق، لا يمتلكون من السياق التاريخي لتأسيس سلامهم إلا القليل.

    على رغم ذلك، الذين خططوا لغزو العراق، والبعض منهم ربما كان لديه صلات بعمليات الجاسوسية، هم الذين قدموا سيناريو "لوم سوريا".

    لقد طالبوا بتحركات عنيفة من الولايات المتحدة ضد هذا البلد من اجل "الحرب على الإرهاب" وتقديم النموذج الأمريكي للديموقراطية.  على شاكلة العراق، سوريا لديها حكومة مستقرة وعلمانية، رغم أنها سلطوية.  حكم حافظ الأسد من 1971 – 2000؛ وبشار، ابنه، من يونيو 2000 – اليوم.

     لم تغط الميديا حتى اقل جزء من المسار التاريخي الذي ذكرنا معالمه هنا.  ولم تعلق الصحافة كذلك على التنفيذ الجبري الانتقائي لقرارات مجلس الأمن في الشرق الأوسط.  فقد عوقبت العراق على أفعال مماثلة لتلك الأفعال التي ترتكبها إسرائيل: غزو الجيران، تخزين أسلحة الدمار الشامل، وانتهاكات حقوق الإنسان.

    في أكتوبر 2003، قصفت إسرائيل سوريا بالقنابل لمعاقبة دمشق على مساندتها للإرهاب.  لم تقدم إسرائيل أي دليل.  لم يدين مجلس الأمن إسرائيل على تصرفاتها العدوانية.  ولكن المجلس الآن يطلب انسحاب القوى الأجنبية من لبنان، دون إشارة إلى احتلال إسرائيل المستمر لمرتفعات الجولان السورية. 

    في 1981، أصدر مجلس الأمن القرار 497 الذي يصف سلطة إسرائيل التشريعية في الجولان "بأنها لا شيء وغير قائمة وليس لها أي تأثير دولي".  منذ 1967، احتلت إسرائيل أراضي فلسطينية عن طريق القوة، منتهكة مباشرة القرار 242 والقرار 338. 

    المتحدث باسم وزارة الخارجية توم كايسي وصف القرار بمد ولاية الرئيس اللبناني "... استهزاء صريح بالمبادئ الديموقراطية".  قال مصدر دبلوماسي سوري انه "بعد انتخابات فلوريدا عام 2000، إدارة بوش تمتلك أعصابا قوية لتخبر الآخرين كيف يتبعون القوانين الديموقراطية".

    تصويت البرلمان اللبناني لتغيير الدستور، لفائدة سوريا، يعكس سعيا من اجل الاستقرار أكثر من كونه ميولا غير ديموقراطية.  ولكن لا يجب أن يغفر أي ديموقراطي النفوذ المستمر لسوريا في الحياة السياسية اللبنانية.  إلا انه، حتى لو أرادت سوريا الانسحاب، فإنها لن تمسح قرونا عديدة من الاستعمار، من العثمانيين إلى البريطانيين والفرنسيين.  يمتلك العرب قانونا إمبراطوريا مطبوعا بشكل لا يمحى من ثقافتهم السياسية.  بين الحربين العالميتين، أدارت فرنسا سوريا وعبثت بدستورها حتى يناسب أغراضها الإمبراطورية.  دعمت فرنسا المسيحيين على حساب المسلمين في السياسة اللبنانية، ودعمت على طول الخط مع الولايات المتحدة وبريطانيا المصالح الإسرائيلية باستمرار.

    للمفارقة، عندما تأخذ السياسة في الشرق الأوسط منحى معادي لإسرائيل، تبشر الولايات المتحدة "بالديموقراطية".  في الواقع، "حكم المعينين بواسطة واشنطن" في العراق وفي أفغانستان يحكم من خلال القوة الأمريكية، وليست الشرعية الجماهيرية.  "التزام" واشنطن الكلامي بالديموقراطية قادت "الشارع العربي" وليس في دمشق فقط – إلى أن يستريب بشدة في دوافع الولايات المتحدة.


    كتاب سول لانداو الجديد "بزنس أمريكا: كيف اخذ المستهلكين دور المواطنين كيف نستطيع أن نعكس هذا الاتجاه".  لانداو زميل لمعهد الدراسات السياسية ويدرس بجامعة كال بولي بومونا.
    فرح حسن واحدة من منتجي فيلم "سوريا: بين العراق ومكان صعب".

    ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية