- العسكرة والحرب -

لا جديد في العالم

ريناتو ردنتور كونستانتينو

جريدة اليوم - الفلبين (Today- Philippines )؛ 11 سبتمبر 2004.

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

كتب نيتشة ذات مرة، "الذاكرة تقول، ’أنا فعلت ذلك‘، ولكن الكبرياء يرد، ’أنا لا أستطيع أن أتصور أنني فعلت ذلك‘.  واقعيا، الذاكرة تستسلم".

منذ ثلاث سنوات في أمريكا، في 11 سبتمبر، سقطت الطائرات من السماء ومات الآلاف.  أعداد لا حصر لها ناحت على القتل الجماعي.  ولا يزال آخرين لا حصر لهم ينوحون.  في نفس اليوم من 31 عاما، سقطت السماء في شيلي عندما أطيح بحكومة الرئيس المنتخب بشكل ديموقراطي، الليندي، في انقلاب دموي دبرته الحكومة الأمريكية.  من ينوح على السماء في شيلي؟

التذكر هو فعل سياسي، هذا ما كتبه كاتب العمود في صحيفة بوسطن جلوب، جيمس كارول، "النسيان هو وصيف الطغيان".

في 1953، نظمت الولايات المتحدة انقلابا في إيران طردت به حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق – العملاق الإيراني الذي تصادف انه كان يعيش داخل جسد ضعيف لشيخ هرم.

انتماء المارد الإيراني للإصلاح الاجتماعي لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد بينما وجوده العالي في الساحة الدولية كصوت البلاد الفقيرة كان تبشيرا بحقبة العمالقة من أمثال كوامي نكروما في غانا، وسوكارنو في اندونيسيا وباترس لومومبا في الكونغو.

أثناء فترة مصدق، حرر الفلاحون الإيرانيون من السخرة في إقطاعيات أسيادهم، وخضع أصحاب المصانع للأمر بدفع مزايا للعمال المرضى والمصابين، وتقررت إعانات البطالة.  تسبب العملاق في ذهاب عشرين بالمائة من ريع أموال ملاك الأراضي الكبار إلى صندوق لتمويل مشروعات تنموية مثل مكافحة الآفات، والإسكان في الريف، والحمامات العامة.

دعم العملاق حقوق المرأة ودافع عن الحريات الدينية وسمح للمحاكم والجامعات ان تؤدي رسالتها بحرية.  اشتهر المارد أيضا، باعتراف أعداؤه حتى، "كرجل طاهر اليد لحد بعيد جدا، وغير قابل للفساد الذي ساد العمل السياسي في إيران".

ولكن فوق كل شيء، كان المارد مستقلا.  مستقلا لحد بعيد.  طرد مصدق البريطانيين، أمم صناعة البترول في إيران من اجل أن يستطيع الإيرانيون الاستفادة من ثرواتهم الطبيعية، وكان ينوي تنفيذ مزيد من الإصلاحات الاجتماعية الكاسحة.  وهكذا في احد أيام 1953 – حينما كانت الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بعواطف الشعب الإيراني – قررت حكومة الولايات المتحدة أنه من الضروري ألا يحكم مصدق أكثر من ذلك.  ووضعت لذلك مخططات ومخططات ومخططات.

اسمها الكودي عملية اياكس، وصممها واحتضنها حتى أفرخت، وقادها كرميت روزفلت، احد العملاء الرئيسيين في وكالة الاستخبارات المركزية وحفيد الرئيس تيودور روزفلت، كان الأمريكان مايسترو الانقلاب الذي أطاح بمصدق وللأبد "أعاد تشكيل تاريخ إيران، والشرق الأوسط، والعالم.  استعاد [الانقلاب] الشاه محمد رضا لعرش الطاووس"، سامحا للملك الطاغية بان يفرض طغيانا دمويا لمدة 25 عاما حاصدا أرواح الآلاف من الإيرانيين.

تجمع عملاء الولايات المتحدة في مجمع مبان السفارة الأمريكية في طهران بمجرد التأكد من نجاح الانقلاب ويغمرهم "الخفة والمرح، والاحتفال، وقد اخذوا يخبطون أكتاف بعضهم البعض بقوة بينما احدنا أو الآخر تغلبه النشوة والحماسة"، هذا ما تذكره كيرميت روزفلت في كتابه الانقلاب المضاد: الكفاح من اجل السيطرة على إيران – الكتاب الذي صدر للسخرية في 1979، في العام الذي كانت فيه أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران.

المرح والاحتفال.  قد يكون كل ذلك باعتبار المستقبل.  وقد لا يكون.

حيث كانت تراه حكومة الولايات المتحدة "يوما مجيدا"، سوف يكتب المثقف الإيراني المنفي ساسان فايزمانيش فيما بعد بخمسين عاما، "نحن نراه يوم العار".  بينما المسئولون الأمريكيون "كانوا يتمنون ألا ينتهي اليوم أبدا، كنا نتمنى ألا يكون لهذا اليوم بداية من الأصل".  بينما الولايات المتحدة "كانت ترى في عودة جلالته للسلطة صورة مدهشة، كنا نرى صورا ضخمة لديكتاتورية وحشية، ومخبرين، وزنازين تحت الأرض، وتعذيب، وإعدامات".

لابد أن مصدق تذكر بعد الإطاحة به، "جريمتي الوحيدة هي أنني أممت صناعة البترول الإيرانية وأزحت عن هذه الأرض شبكة الاستعمار والنفوذ السياسي والاقتصادي لأعظم إمبراطورية فوق الأرض" – مشيرا لجلاد إيران السابق، بريطانيا.  ولكن مصدق ارتكب أيضا "جريمة" اخرى -- جريمة كانت لها عواقب أوخم لدرجة ابعد: لم يكن لديه أدنى فكرة عن حقيقة أن أمريكا قد هزمت بريطانيا في السباق الكوكبي الإمبريالي – أمريكا التي تسيطر عليها حكومة تحتقر استقلاليته حتى بينما هي تشتهي بترول بلاده.

ولكن من قتل يقتل ولو بعد حين.  هناك دائما يوم للحساب.                   

"انه لمنطق معقول"، هذا ما افترضته جريدة في السياسة الخارجية الأمريكية، "ولكن بالنسبة للانقلاب، إيران كانت سوف تصير ديموقراطية ناضجة.  كان ميراث الانقلاب مؤلما لهذه الدرجة التي عندما رحل الشاه بشكل نهائي عام 1979، خشي كثير من الإيرانيين تكرار ما حدث في عام 1953، وهو ما كان احد الأسباب التي حفزت لاحتلال الطلاب للسفارة الأمريكية".  وقع الرهائن في قبضة إيرانيين تحت وطأة الرعب خشية من إعادة الشاه بواسطة الأمريكيين.

سوف يتذكر احد المشاركين في احتجاز الرهائن بعد سنوات من الحادث انه كان "في خلفية عقل كل امرئ يعلق الشك في أنه، بقبول التجاء الشاه للولايات المتحدة، سوف يبدأ العد التنازلي لانقلاب آخر".  "مثل هذا الأمر كان هو قدرنا مرة اخرى، كنا مقتنعين بذلك، وانه لن تكون هناك إمكانية لتداركه.  كان علينا عندئذ تدارك ما لا يمكن تداركه".

اكد ستيفان كينتسر مراسل النيويورك تايمز في كتابه "كل رجال الشاه"، عن أزمة الرهائن – إعادة بناء باهرة للانقلاب الأمريكي – هي التي أفضت إلى الغزو العراقي لايران وساعدت على بروز وتماسك ديكتاتورية صدام حسين "بينما الثورة [الإسلامية] نفسها قد لعبت دورا في قرار السوفيت بغزو أفغانستان.  كثير من التاريخ، باختصار، يتدفق من أسبوع واحد في طهران...  هل يستطيع أي شخص ان يقول بأن الثورة الإسلامية في 1979 كانت حتمية؟  أو أنها قد أصبحت كذلك فقط فور ما أبيدت طموحات الإيرانيين بشكل مؤقت في 1953؟"

يقرر كينتسر، "انه ليس استنباطا بعيدا ان ترسم خطا من عملية اياكس وخلال نظام الشاه القمعي والثورة الإسلامية إلى القذائف النارية التي ابتلعت مركز التجارة العالمية في نيويورك".

هل هذا شاذا؟  ليس تماما، للحد الذي تستلم فيه الكبرياء للذاكرة.

"ليس هناك جديد في العالم"، كما قال هاري ترومان، "ما عدا التاريخ الذي لا تعرفه".


ريناتو ريدينتور كونستانتينو يكتب عمودا أسبوعيا لجريدة الفلبين القومية "اليوم".  بريده الالكتروني: xioi@excite.com  تستطيع متابعة مقالاته على مواقع: أنباء الفلبين : www.abs-cbnnews.com   وموقع الأنباء البديلة: www.wwviews.com  الكاتب يعيش في مدينة كيزون بالفلبين.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية