- الديموقراطية -
رئيس الجمهورية في إجازة
وكذلك قانون التراكم الكمي والتغير النوعي

 فداء عيتاني

نشرت في موقع الشارع 67 في: 09-09-2004


فى نفس الموضوع:

 


لنفس المؤلف:

يبدو البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير غاضبا، تسانده رؤية العذراء التي تحرك عيونها في البقاع تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار، في معجزة جديدة ربما تنذر بسوء أوضاع اللبنانيين، والتي كانت كلمات البطرك صفير الدائمة خير دليل عليها حين يقول: "نسأل الله أن يبدل الأحوال إلى أحسن حال".

إلا أن الرب ولحكمة نجهلها لم يبدل الأحوال استجابة لطلب البطريرك الماروني، ولم يعجل بالانسحاب السوري، ولم يعد إلى الرأسمال الماروني (الذي تمثل البطريركية اكبر ملاكيه الإقطاعيين بأراضيها الشاسعة) لم يعد إلى هذه الفئة الحكم ومقاليده المطلقة، بل استجاب إلى دعاء الرئيس اللبناني إميل لحود وتم أمر تمديد ولاية حكمه لأعوام ثلاثة إضافية.

"لنعط الرئيس أجازة" قال لي صديق، قبل أن يضيف:"ليس الموسم مناسبا لدخول السجن ولا ضرورة لان يختم الرئيس عهده باعتقال صحافيين، لنعطه أجازة وأنا أصر أن تذكر ذلك إذا ما اعتقلت، لقد طلبت منك رسميا إعطاء الرئيس أجازة". ولكن طبعا السلطات اللبنانية أذكى من أن تتورط باعتقال مباشر لإعلامي، خاصة أن الموسم هو موسم ردات الفعل على قرار التمديد، ويمكن بالتالي ان تترك الأمور على غواربها لمدة تكفي لاستيعاب ردات الفعل الغاضبة، مثل ردة فعل البطريرك الماروني الذي اعتبر أن الأمر تم تدبيره في الليل، علما أن اللقاءات السياسية الأكثر إنتاجية عادة ما تكون ليلية، وربما غاب ذلك عن ذهن البطريرك الذي ينام مبكرا كأكثر أهل الأديرة المسيحية.

من ناحية اخرى الجنرال السابق ميشال عون، غضب أيضا، إلى الحد الذي ينذر بنوبة حرب تحرير اخرى، ولحسن الحظ انه لا يزال نافيا نفسه في فرنسا حيث ربما يجد صعوبة في الحصول على مدفعية ميدان ودبابات، وهي عماد حروب تحريره، وإلا لكنا نسمع بحرب تحرير تبدأ من فرنسا وتجتاح أوروبا وتركيا لتصل إلى قلب الشام، لفرض حرية لبنان واستقلاله وإعادة الكرامة إلى أبنائه. ولحسن الحظ أن الجنرال يترهل وإلا لكان عاد ركضا إلى بعبدا وأقام مكان القصر الجمهوري قصر شعب آخر، بعد أن دمرت آخر حروبه قصر الشعب القديم ووجب فتح باب التبرع لإعادة بناء القصر الجمهوري.

لندع الرئيس اللبناني الحالي، وهو نفسه الرئيس اللبناني اللاحق في إجازة، وللنظر إلى اليسار، الذي ربما كان وليد جنبلاط أفضل مثال حالي عنه، اليسار أيضا غاضب، يشبه إلى حد بعيد البطريرك الماروني والجنرال المتنافي، غاضب وبشدة، ويعبر عن غضبه بعدم القيام بأي حركة، ولا أي اعتصام، انه يتابع موضوع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، ولكنه غاضب فعلا من التمديد لرئيس الجمهورية، وخطوته التالية في هذا المجال هي المزيد من الصمت، فهو ومنذ نهاية الحرب الأهلية تعلم أن الصمت من ذهب، وبهذا القياس فان أثرى القوى في لبنان حاليا هي اليسار، الذي لا بد أن لديه مخزون من الذهب يفوق ما لدى البنك الفيدرالي الأميركي.

رئيس الحكومة الحالية رفيق الحريري أيضا غاضب، وهو ورغم انه من اليمين الليبرالي (الموجة الأولى من الليبرالية التي لا تقيم الفرق بين تحرر الأسواق والاحتكار المطلق) إلا انه يتخذ موقفا يشبه موقف اليسار اللبناني، وربما هو أيضا يحرك عينيه ذات اليمين وذات اليسار كتمثال العذراء في البقاع، وان كان أحدا لم يفكر بنسب المعجزات لرئيس الحكومة.

رئيس مجلس النواب غاضب أيضا، وهو الآن صامت وغاضب جدا، إلا انه قرر المشاركة في التصدي للهجمة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة ودعم المواجهة للمشاريع التآمرية الغربية على العرب والعروبة، ورفع لواء المقاومة ضد العدو المتغطرس وصيانة عملية التحرير (وهي عملية تحتاج إلى صيانة دورية من ذوي الاختصاص كما يبدو) لذلك وافق رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل الشيعية على التمديد لرئيس الجمهورية لمدة ثلاثة أعوام اخرى، لاستكمال المواجهة والتصدي والتحرير.

سورية نفسها غاضبة، هي غاضبة من الأميركيين، وغاضبة جدا، وتملك غيظا من إسرائيل، ولذلك طلبت من حلفائها في لبنان دعم عملية التمديد لرئيس البلاد في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة العربية (ويمكن إضافة في هذه المرحلة وكل المراحل الحرجة من تاريخ الأمة العربية). وطبعا الحلفاء وافقوا مشكورين على التمديد، رغم أن وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا قالت في البيان الرسمي أن اللقاء بين حلفاء سورية والرئيس السوري تناول الوضع في العراق وقضية فلسطين، إلا أن الحلفاء عادوا ليلتها وعلى رؤوسهم الطير، وعلم الجميع أن سورية غاضبة وان التمديدات لا محالة.

أميركا أيضا غاضبة، البيت الأبيض عبر عن غضبه، وزارة الخارجية الأميركية تركت لموظف من الدرجة الثانية التعبير عن غضبها، وان كانت واشنطن غاضبة من التمديد نفسه، فهي ليست غاضبة من سورية، على الأقل ليس أكثر من المعتاد.
مخيم عين الحلوة غاضب، لقد أشاح اشتباك صغير النظر عن موضوع التمديد في لبنان، واتجهت الأنظار إلى مئات الألوف من الفلسطينيين المقيمين في لبنان بانتظار توطينهم أو طردهم أو التخلص منهم بأية طريقة. ورئيس الجمهورية نفسه غاضب، يبدو انه كان يود تجديد ولايته كلها، لمدة ستة أعوام اخرى، لمزيد من مواجهة التهديدات الأميركية والصهيونية في المنطقة العربية، وتحطيم المؤامرات الغاشمة التي من كثرة ما تحطمت على صخرة صمود رجالنا الأبطال أصبحت على حدودنا مع العراق.

باختصار الكل غاضب، ولأننا نعطي رئيس البلاد أجازة، ونستفيد من فسحة من حرية التعبير بانتظار عودة هيمنة أجهزة الأمن والرقابة وكل مرتدي الجزمات العسكرية، فإننا نكتفي بتسجيل غضب الجميع، بينما نحن في غاية الملل، كل هذا الغضب لن يؤدي إلى أية تغييرات، وهي من المرات النادرة التي تثبت فيها عقم نظرية التراكم الكمي الذي يؤدي إلى التغير النوعي، هناك تراكم لكم هائل من الغضب والاستنارات التي لن تؤدي إلى أي تغير في النوع.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية