- العسكرة والحرب -

حوار مع والدن بيللو

نشرت في نيو ليفت ريفيو؛ يوليو/أغسطس 2002

ترجمة : خالد الفيشاوي


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

في هذا الحوار يطرح والدن بيلو، المحلل الفليبيني، و منظم معهد ( فوكس )"نظرة على جنوب العالم "، و المناضل السياسي ضد حكم ماركوس، يطرح رؤية للمنتدى الاجتماعي العالمي بعد أحداث 11 سبتمبر، و يؤكد على الحاجة لربط الاحتجاجات ضد صندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية بالحملات ضد التوسع العسكري الأمريكي.

هل يمكن أن تحدثنا عن خلفيتك التعليمية و الأسرية ؟

ولدت في مانيلا عام 1945. كان أبي يعمل في مجال السينما في الفلبين، و تحول للعمل في الإعلان و الأنشطة الترفيهية. أما والدتي، كانت مغنية و ملحنة كلاهما كان مهتما بالفنون. لكن أبى كان واسع الإطلاع. تبدأ القصة باننى عندما ولدت أطلقوا على اسم والدن،ولكن كان لي أيضا اسمين أو ثلاثة أسماء أسبانية., فوالداي كانا يتحدثان الأسبانية، لكنهما لم يعلمونا إياها- كانت الإنجليزية هي اللغة الأساسية في منزلنا. و خلال نشأتي تعلمت لغتين فلبينتين، إحداهما  كنت لا اعرف الكتابة بها. تعلمت في المدارس الكنسية الجزويت من المدرسة الابتدائية حتى التخرج من الكلية.عرفت طريقي للراديكالية كرد فعل مناهض للنظام التعليمي المحافظ – لم تكن مدارس الجزويت في الفلبين متاحة إلا لأبناء النخبة. بطبيعة تكويني كنت رافضا بشكل غريزي لهذا التزمت و عرفت عبر هذا الرفض طريقي للسياسة

هل كان ذلك قبل التطور الذي حدث بظهور لاهوت التحرير؟

لم يكن هناك سوى حفنة من طلاب الجامعة اتخذوا مواقف راديكالية فى بداية حكم ماركوس. كان النظام الكنسي هو المهيمن الأساسي على عقول الطبقة الحاكمة. بالمثل كما كان الحال في أمريكا اللاتينية. نشأت طبقة مسيحية خلال مسيرة التحرير القومى، إسنادا إلى النظم الدينية القائمة،و ظهر بعينها بعض اتجاهات التجديد، مثل حركة المحررين. لكن هؤلاء لم يكونوا التيار السائد بين الكنسيين.

أعرفهم جميعا، لم يرتبط أى منهم بالسياسة التقدمية إلا ثمانية أو عشرة شخصيات على الأكثر.

الحقيقة أن الجزويت غير ليبراليين و لا دعاة تحرر مهما تشدق بعضهم بعكس ذلك، و يتضح ذلك من نظامهم فى التعليم وما يدفع به من خريجين يتميزوا تماما بالروح المحافظة إلى أقصى حد.

ماذا فعلت بعد التخرج ؟

تعليم الطبقة العليا فى الفلبين يؤدى بشكل أوتوماتيكي، إما للعمل فى الشركات متعددة الجنسيات أو فى القانون أو فى الحكومة، لم أكن أرغب فى الالتحاق بأى من هذه المجالات، على الأقل عندما قاربت على التخرج. كما ذهبت إلى " سولو " لأعمل بالتدريس بكلية فى " جولو " لمدة عام. وهناك اشتركت مع المثقفين المسلمين الذين كانوا آنذاك يسعون لتشكيل جبهة ميندانا للتحرر الوطني، التى ضمت فيما بعد عدداً من النشطاء كانوا من بين تلاميذي.

كنت أتعاطف مع تحليلاتهم الخاصة بالتمييز ضد المسلمين فى الفلبين لكنني لم أكن أؤيد على الإطلاق دعواتهم الانفصالية.

بعد ذلك، عملت لسنوات قليلة كمدير مطبوعات لمعهد الثقافة الفلبينية، الذى أقامه أساتذة فى علم الانثروبولوجي من جامعة شيكاغو. و على الرغم من منهجهم التجريبي فقد حظيت أفكارهم حول البنية الاجتماعية و الأنماط السلوكية الفلبينية حظيت بقدر كبير من التأثير و النفوذ. كان أولئك العلماء مرتبطين بعلاقات وثيقة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. فى ذاك الوقت كانت نسبة ضخمة من التمويل الأمريكى لأبحاث العلوم الاجتماعية تأتى من وزارة الدفاع الأمريكية. و كان الناس ينظرون للفلبين باعتبارها مكان للمنح البحثية. كان ذلك فى النصف الثاني من الستينيات، فى ذروة الحرب ضد فيتنام – و مع ذلك لا زال علماء الاجتماع يؤكدون أن أبحاثهم لم تكن لها أى تطبيقات أو استخدامات عسكرية.   كانت هذه الفترة بالنسبة لي فترة الارتباط القوى بالسياسة و إدراك الكيفية التى يعمل النظام وفقاً لها: حيث لم يكن هناك أى اختلاف على الإطلاق بين هذا الشكل من أشكال التمويل و بين البحث الأكاديمي.

هل كان ذلك وقت إعادة انتخاب ماركوس ؟

قبيل انتخاب 1969 مباشرة سافرت الى برينكتون من أجل الدراسات العليا، كانت معركة انتخابية تتميز بالفساد و الاضطرابات العنيفة كانت تلك أوقات لا تنسى. فى عام 1970، كانت هناك ما تسمى بعاصفة الربع الأول من الفلبين، و التى تميزت باندلاع الحركة الطلابية. لكنني كنت فى الولايات المتحدة، حيث لعبت الحركة الطلابية الأمريكية المناهضة للحرب فى فيتنام،لعبت دوراً فى تسييسي بشكل حقيقي. أما التجربة الهامة التالية بالنسبة لي، كانت الذهاب إلى تشيلي عام 1972 من أجل بحث الدكتوراه. حيث جذبتني تجربة اليندى و طريقه الدستوري إلى الاشتراكية، و أردت دراسة التحركات السياسية فى مدن الصفيح. قضيت شهرين فى العمل مع المنظمات الشيوعية فى المجتمعات المحلية، و إن كنت قد أدركت بمجرد وصولي أن علاقات القوى قد تغيرت بالفعل : حيث كانت قوى الثورة المضادة فى صعود آنذاك. كما استعدت التركيز على العمل الأكاديمي و الاهتمامات السياسية مع تصاعد القوى الرجعية فى تشيلي و هذا أمر ليس بالسهل خاصة مع قادم من العالم الثالث فطالما أنت غير تشيلي، و ملون، فأنت عميل لكوبا و جعلني ذلك فى وضع مضطرب فى بعض الأحيان.

كانت رسالتي للدكتوراه،  دراسة مقارنة للثورة المضادة فى ألمانيا، وايطاليا، و تشيلي. وهى الثورات المضادة الشهيرة بتدخل المخابرات المركزية فيها، و لكن فى الوقت نفسه شهدت دوراً ليس أقل تأثيراً ووزنا للقوى الطبقية المحلية التى شكلت جبهة متماسكة ضد اليندى.هذه التجربة جعلتني أتشكك على نحو صحيح من التوجه الواضح لعلم السياسة الأمريكى الخاص بالدول النامية، القائل بالدور الديموقراطي للطبقة الوسطى. حيث أرى أن هذه الطبقة شديدة التناقض.

بعد ذلك ، عدت إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى بداية عام 1973 للدفاع عن إطروحتى للدكتوراه، فى ذلك الوقت الذى فرض فيه ماركوس الأحكام العرفية و كان المجتمع الفلبينى فى حالة من الاضطراب.  و لذلك أصبحت لأول مرة نشيطاً فى أوساط السياسيين الفلبينيين الموجودين فى المنفى. حيث تشكلت العديد من الجماعات المتنوعة. فكانت هناك حركة تحرير الشعب الفلبينى المرتبطة بالسيناتور " راؤول مانجلابوس " أحد أعمدة النخبة المعارضة لماركوس الذى فر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة فور إعلان الأحكام العرفية، من ناحية أخرى شكل عدد من الأمريكيين، بعضهم خبراء فى شئون المنطقة، شكلوا جماعة أطلقت على نفسها " أصدقاء الشعب الفلبينى " :  كان منهم " دانيل سكيرمر " من بوستون الذى كان قد انتهى على التو من كتابه " الجمهورية أو الإمبراطورية ".  انجذبت حينذاك إلى اتحاد الفلبينيين الديمقراطيين، المتحالف مع الحزب الشيوعى الفلبينى، و الجيش الشعبى الجديد.

بالنسبة للفرضية الخاصة بالعلاقة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية و الأحكام العرفية و التى حللتها فى كتاب ( أشكال القمع : دور المساعدات الأمريكية فى دعم نظام الأحكام العرفية فى الفلبين. الصادر فى واشنطن 1977).. إلى أى مدى كان اليسار الفلبينى ينظر للمعركة التى يخوضها باعتبارها حركة للتحرر الوطني أكثر منها حركة معارضة للحكم العسكرى ؟

بالطبع ، ادعى ماركوس أن حركة النهوض الثوري هى السبب الأساسي الذى دفعه لفرض الأحكام العرفية، قائلاً أنها ضرورية لفرض المركزية الصارمة. أما ذريعته الثانية لفرض الأحكام العرفية كانت ما أطلق عليه "المأزق الديمقراطي" و الاحتفاظ بمسافة بعد بين النخبة التقليدية و اليسار، من أجل استمراره فى إعاقة التنمية و التطور. فى عام 1968، أعيد تأسيس الحزب الشيوعى الفلبينى – حيث كان ينظر للحزب الشيوعى القديم باعتباره حزباً متورطاً فى مساومات ميئوس من جدواها فضلاً عن أنه مؤيداً للسوفييت – و فى مارس 1969 تم تشكيل القوات الشعبية الجديدة، التى اتخذت من وسط و شمال شرق لوزون مركزاً لها و تبنت الاستراتيجية الماوية الكلاسيكية، التى تقوم على أساس خلق مناطق محررة فى الريف، و التعامل مع المدن باعتبارها جبهة ثانوية و الاهتمام فى الأساس بتجنيد الشعب فى القوات الشعبية  الجديدة.

حينما فرض ماركوس الأحكام العرفية، كان هناك نشاطاً كبيراً قائماً بالفعل، و كان اليسار الفلبينى قد استعاد حيويته و ازدهاره

هل عدت للفلبين بعد 1972؟

لا، حينما حاولت تجديد جواز سفري عام 74 أو 1975، تمت مصادرته بلا نقاش أو إبداء  مبررات.  لذلك بقيت بلا نشاط فعال لمدة سبع سنوات تالية. فى ذلك الحين، كان اتحاد الفلبين الديمقراطيين هو محور حياتي. ألقيت محاضرات فى كلية بسان فرانسيسكو، و فى جامعة ولاية نيويورك، وفى جامعة ولاية بيركلى لمدة أربع سنوات – لم يكن ذلك من أجل مواصلة عملي الأكاديمي، و لكن لمواصلة الحياة فقط. و التحقت بالحزب الشيوعى الفلبينى، و انتهى بي المطاف للعمل فى نيويورك، وسان فرانسيسكو، وواشنطن. لكنني كنت أتقدم فى مجال السياسة و الكتابة التى لم تكن تعكس الأولويات الحزبية بشكل أوتوماتيكي و لكنني كنت أشعر بأهميتها فى فهم حقيقة ما يحدث. حيث لم يكن معظم اليساريين يولون اهتماما بالبنك الدولى فى ذلك الحين، بينما كنت أشعر أنه يلعب دوراً حاسماً.  و دفعني للاهتمام بالبنك الدولى أسباب استراتيجية متنوعة، منها، أن أحد المشروعات الكبرى فى الفلبين، كان مشروع الطاقة النووية، الذى أثار اهتمامي بمشكلات الطاقة عموماً. وفى عام 1979، أنشأنا، "بيتر هايتز " من استراليا و " ليوبا زارسكى "و أنا، أنشأنا معهد علوم البحار، لبحث علاقات التداخل بين  الطاقة و السياسيين. وهى العلاقة التى لا زالت قائمة حتى اليوم، و إن كنت قد اشتركت فى بحثها فى الثمانينات، حينما قدمنا توثيقاً تاريخياً للمشروع النووي فى الفلبين و ذلك فى بحثنا الخاص بنشر القوات العسكرية الأمريكية فى الباسيفيك.   حينما بحثنا فى قضية المساعدات الأمريكية الثنائية لماركوس و حجم المساعدات المقدمة عبر البنك الدولى وجدنا من خلال البحث أن دور المؤسسات المتعددة الأطراف -  و البنك الدولى على نحو خاص – فى الفلبين أدى إلى تهميش و تصعيد الدعم الأمريكى المباشر. من هنا بدأ اهتمامي.  فى ذلك الحين، لم تكن لي خلفية منهجية فى الاقتصاد و اكتسبتها من خلال الممارسة العملية فى البحوث، و أصبحت أكثر اهتماماً باكتشاف تناقضات استراتيجية التنمية الشاملة و هو الأمر الذى انتهى بإصدار كتاب "كارثة التنمية". و بدأت فى التحقق من أن عمليات التنمية تملك فاعلياتها الخاصة و مدعومة بأيدولوجيا شديدة الوضوح.   تتميز الفترة من 1980 إلى 1986 فى الفلبين بوجود الأزمة الاقتصادية إلى جانب تآكل شرعية النظام. فى عام 1982 أضير الجنوب بشدة من الركود العالمى، و فقد ماركوس قدراً كبيراً من القاعدة التى يستند إليها من القوى المحلية، و أصبح أكثر اعتماداً على دعم الشركات متعددة الجنسيات و على الولايات المتحدة الأمريكية.  و مع انتهاء عقد الثمانينات و بداية التسعينات قام البنك الدولى بإجبار ماركوس على تعين مجلس وزراء من التكنوقراط لحماية نموذج السوق الأكثر انفتاحاً و الإنتاج من أجل التصدير، حماية من السلب و النهب الذى تمارسه الحاشية و الأصدقاء و المقربون.

قبل  عام 1983، كان الخوف الكبير لأمريكا أن تقع القوى المعارضة لماركوس تخت تأثير و نفوذ القوات الشعبية الجديدة، نتيجة لأن البديل الآخر لماركوس و هى الأوليجاركية الفلبينية كانت تعانى من الضعف و التشرذم – و كان زعيمها الأكبر، بنيجنو أكينو، خارج البلاد – بينما بدا اليسار القوى السياسية الأساسية المعارضة للأحكام العرفية. و هو الأمر الذى تغير عام 1983 حينما عاد أكينو و تم اغتياله و أشعل موته المعارضة فى أوساط الطبقة الوسطى و النخبة الفلبينية، و بالتدريج أصبحت قادرة على اكتساب المبادرة و الابتعاد عن اليسار.

فى ذلك الحين، أصبح ماركوس شوكة فى جانب الولايات المتحدة الأمريكية. لم يكن يرغب فى تغيير النظام، ولا يوافق على مقترحات واشنطن بإشراك المعارضة القانونية لتلعب دوراً سياسياً حقيقياً و بلغت التوترات بين الطرفين ذروتها فى بداية عام 1986، حينما أجبرت الولايات المتحدة ماركوس على إجراء انتخابات، فقام بتزويرها مما أدى إلى انفجار معارضة الطبقة الوسطى و النخبة المدنية و اندلاع انتفاضة عززتها القوات المسلحة. و حذر المسئولون فى واشنطن مثل مايكل ارماكوست، المسئول الرسمى عن المنطقة الخارجية الأمريكية،من مغبة الاستعدادات التى اتخذها ماركوس لضرب الثائرين بالقنابل، و تدخلت الإدارة الأمريكية لمنع ذلك، و طار ماركوس إلى "هاواي".

و تولت كورازون أكينو السلطة، بغية استرضاء الشعب. فى الواقع أعيدت الديمقراطية الأوليجاركية فى الفلبين. بينما كانت مقاطعة الحزب الشيوعى الفلبينى لانتخابات عام 1986 مثار جدل حول دورهم كمجرد واجهة مكنت ماركوس من البقاء فى السلطة و قنعوا بالاكتفاء بالفرجة على الأحداث المتلاحقة. كان ذلك أحد الأسباب الأساسية لتهميش اليسار عن مجرى الحياة السياسية فى البلاد.

ماذا فعلت بعد سقوط ماركوس؟

عندما عدت إلى مانيلا، التحقت بالعمل بإحدى كليات الجامعة الفلبينية و منذ ذلك الحين، أصبحت أكثر اهتماماً بالعمل فى القضايا و المشكلات العامة – دور الشركات المتعددة الجنسيات و النموذج الأسيوي للتنمية، و إعادة تصنيع البلاد – و ذلك أكثر من الاهتمام بالمشكلات الوطنية الخاصة. و منذ أواخر الثمانينات شاركت فى عدد من المنظمات – مركز الثروات الفلبينية، و منظمة الغذاء أولاً، و أوكسفام، و السلام الأخضر – و ذلك بصفتي الشخصية، و ليس لارتباطي بالحزب الشيوعى الفلبينى. لم يكن ذلك بسبب خيبة أملى فى القضايا و المشكلات الوطنية و لكن لأنني كنت أشعر أن اليسار فى الفلبين منبت الصلة بالواقع، سواء الواقع المحلى أو العالمى. و حينما تم القضاء على القوات الشعبية الجديدة فى منتصف الثمانينات، بإعدام الكثير من ميليشياته فى حملة مسعورة قام بها جواسيس من القوات المسلحة الفلبينية، حينذاك كتبت عن تلك الحملة، متسائلا عن بعض الادعاءات الفلسفية للحركة، الخاصة بما هو طبقي، وما هو شخصي. كما تأثرت بشدة من الحسابات السياسية الخاطئة

ما الذى دفعك فى تلك المرحلة إلى تأسيس معهد نظرة على جنوب العالم – فوكاس؟  

أردنا تأسيس معهد يبحث فى القضايا الاقتصادية، و السياسية و البيئية الآسيوية، و ارتباطهم بالصورة العامة فى العالم. أسسنا المعهد فى بانكوك، كان اختيار بانكوك نتيجة لأسباب متعددة جزء منها تكاليف الإنشاء و جزء أخر يتعلق بظروف  و شروط البحث و التحليل غير المتوفرة فى أى مكان آخر فى أسيا هذا فضلاً عن قدرة المنظمات غير الحكومية الفلبينية على جذب الناس للقضايا و المشكلات المحلية، رغم إننا فى حاجة للاهتمام و التركيز على العمل الاقليمي و الكوكبي. جعلتني دراسة التنمية التى يطرحها البك الدولى و غيرها من أشكال الهيمنة و السيطرة، جعلتني أدرك أن هذه الأشكال لا يمكن مواجهتها على المستوى الوطني. سواء كانت المواجهة تستهدف معارضة القوى العسكرية الأمريكية، أو تحدى البنك الدولى أو صندوق النقد الدولى أو الشركات المتعددة الجنسيات، فمن الضروري البدء فى خلق روابط و علاقات إقليمية لمواجهة تلك التحديات.

فحينما نجحت الحركة الفلبينية فى إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية فى أوائل التسعينيات و ساعدت على ذلك عوامل طارئة متنوعة، حذر بعض منا من أنه إذا لم تتغير التوازنات العسكرية فى المنطقة فان الانتصار الذى تحقق لن يستمر و بالفعل عندما لم تتغير التوازنات العسكرية فى المنطقة، عادت الآن القوات الأمريكية إلى الفلبين بأكثر مما كانت عليه. إن الحركات الوطنية لا تكتسب أهميتها إلا فى ارتباطها بالحركات الإقليمية و الكوكبية. و إن كانت الأشكال التقليدية للتضامن الدولى لم تعد مناسبة فى الأوضاع الراهنة

من كان معك فى تأسيس معهد نظرة على الجنوب – فوكاس؟                         

كمال مالهوترا، من الهند كان مديراً مشاركاً معي فضلاً عن العديد ممن ساعدوا فى إقامة معهدنا فى بانكوك من العلماء التايلانديين، مثل " سوتى براسارتسيرت "، الذى قدم مساهمات فكرية هامة.  كذلك،  كنا على علاقة وثيقة مع الحركة الكورية"، و مع شخصيات من اليابان مثل " موتو ايكيو" و القليل منهم التحق بمجلس إدارة المعهد الذى حاولنا أن نجعله يتميز بالتنوع قدر الإمكان. و رغم أننا بدأنا من المشكلات و القضايا في أسيا و الباسيفيك، إلا أن أشكال الهيمنة و أساليب المقاومة الكوكبية كانت دائماً محور اهتمامنا و لم تغب عن إدراكنا.

فيما يتعلق بقضية المصطلحات.. هل ترى أن هناك مشكلات فى تحديد أو تصحيح ما تعنيه كلمات مثل "الجنوب" و " الشمال" أو " التنمية" و " العولمة": و غيرها من المصطلحات التى عادة ما تستخدمها و تنشرها المؤسسات الدولية بطريقة تثير الحيرة و الارتباك ؟

أأمل ألا يكون معهدنا مشاركاً فى ذلك. عادة نحن نتشكك و نستريب من كلمة "التنمية"، فالتنمية الرأسمالية يجب أن تكون اصطلاحاً أكثر وضوحاً و عادة نحن نتحدث عن العولمة التى تقودها الشركات الاحتكارية الكبرى فى ارتباطها بديناميات الرأسمالية العالمية فى البداية قاومت استخدام كلمة العولمة، على هذا النحو المشوش الذى يعمى على القوى الطبقية الحقيقية التى تسعى إليها و تجنى ثمارها. فى الحقيقة،كل هذه المصطلحات تستخدم بدون تدقيق و بشكل فضفاض. روعتني " أوكسفام " عندما صنفت بعض المرتبطين بها باعتبارهم " مصابون بالهلع من العولمة " و قامت بتشويه أى شيء و كل شيء كانوا يناضلون من أجلها. فعلى الرغم من أن " الشمال " و " الجنوب " قلقين، إلا أنه لابد من التمييز بشكل  واضح بين البلدان الصناعية الكبرى و بين بقية بلدان العالم أو التمييز بين مركز الاقتصاد الرأسمالي الكوكبي و بين محيطه فى الوقت نفسه، فإن نموذج العلاقات غير المتكافئة بين الشمال و الجنوب يتم إعادة إنتاجها داخل الشمال نفسه، بينما هناك نخب العالم الثالث تعيش و تنتمي للجنوب لكن مصالحهم الاقتصادية و أنماط حياتهم ترتبط بأحكام الشمال. لذلك، نحن نسعى لأن نستخدم هذه المصطلحات بطريقة أكثر عملية، و أكثر تكيفاً مع الحقائق.

هل يمكنك الاستفاضة فى رسم صورة لأنشطة فوكاس؟

عملنا مشروط بأولويات الصراع الكوكبي – حيث تشكل التجارة المحور الأساسي. و تصبح العلاقات التجارية الدولية، و منظمات مثل منظمة التجارة العالمية، تصبح أكثر اهتماما ببناء الاقتصاد الكوكبي، و تستلزم أيضاً الاهتمام الخاص. و فى المقام الثاني تأتي " قضايا الأمن" المحور الثاني فى اهتماماتنا و فى هذا الإطار، نتابع الأشكال الجديدة للهيمنة العسكرية و السياسية الأمريكية، خاصة فى منطقة أسيا المطلة على الأطلنطي و تقديم يد العون لبناء المقاومة. أيضاً، نبحث فى الأساليب التى تتبعها القوى المحلية للاندماج فى النظام الاستراتيجي الكوكبي، خاصة التى تتبعها القوى المحلية فى جنوب و شرق أسيا. المحور الثالث لاهتمامها، هو المجتمع المدني، حيث نبحث المجالات المختلفة لأنشطة المنظمات الشعبية و إمكانياتها الكبيرة فى تحقيق الديمقراطية، و أيضاً ميولها الكبيرة لفرض خياراتها و أجنداتها على الحركات الأكثر اتساعاً.

وفى النهاية نبحث دور الأيديولوجيات. والإدراك المغالى فى التبسيط الذى يصل إلى حد التشويه و سوء الفهم الذى تروج له السى إن إن و التصورات الشبيهة لشعوب الجنوب. نحن ننحاز لرؤية نقدية للجوانب المختلفة و المتنوعة للإحياء الإسلامي و نضع نصب أعيننا عناصر الانحطاط و التردي الكثيرة التى تشوبها، ولا زلنا فى حاجة للتساؤل : لماذا يقف الإسلاميون فى طليعة القوى المناضلة ضد الولايات المتحدة الأمريكية ؟ و على الرغم من ذلك فإن الأصولية الإسلامية ليست هى الشيء الوحيد الذى نناقشه فنحن نتابع أيضاً المواقف و الرؤى الهندوسية و المسيحية. ولازالت المؤسستان الرئيسيتان اللتان تحتلان جانبان أساسياً فى اهتماماتنا هى منظمة التجارة العالمية و البنتاجون، فى هذا الإطار فإن أحد انتقاداتنا للحركة المناهضة لعولمة الشركات الاحتكارية الكبرى هو عجزها عن الربط بين المنطق الاقتصادى للشركات متعددة الجنسيات و منظمة التجارة العالمية و بين الهيمنة العسكرية الأمريكية. فنحن فى حاجة لفهم العلاقة بين الاثنين و هو الأمر الذى سيساعد على توحيد الحركات المختلفة

ننشر الكثير من أبحاثنا و تحليلاتنا، بلغة و واقعية في مطبوعات فوكاس. و إذا ألقيت نظرة على موقعنا على شبكة الإنترنت www.focusweb.org سترى سلسلة مما قدمناه من أبحاث و تحليلات و ما نقوم به.  ننظم مؤتمرات، خاصة في القضايا المالية، و التجارة و القضايا العسكرية . كما نعمل مع الحركات الكوكبية، خاصة، حركات السلام و الحملات المناهضة لعوامة الشركات الاحتكارية. و نشارك أيضاً بدور فيما يسميه البيروقراطيين ببناء القدرات. من ناحية أخرى، تعاونت الحكومة الفيتنامية معنا ما إذا كان يجب عليهم الالتحاق بمنظمة التجارة العالمية أم لا و أعطيناها معلومات فنية حول المنظمة، و التي أوضحت كيفية وأسباب الكارثة التي تلحق بفيتنام إذا ما التحقت بمنظمة التجارة العالمية.  إن احد  وظائفنا هي التعاون مع المجتمعات السكانية المحلية و المنظمات الوطنية، و أيضاً بعض الحكومات، و تقديم المعلومات لهم حول الأعمال التي تقوم بها المؤسسات الكوكبية و في هذا الإطار، نبادر إلى الاستماع إلى المبادرات الهامة الكثيرة التي تقوم بها المجتمعات السكانية المحلية. على سبيل المثال، تبذل الجهود في تايلاند للاستغناء عن النظام الوطني الحالي، حيث بلغ الأمر حد أن يقوم الناس بسك عملاتهم النقدية بأنفسهم في بعض المناطق. وكذلك تبذل جهود مماثلة فى مجتمعات محلية في الأرجنتين و تشيلي، حيث ابتدعوا أنظمة للمقايضة تمكن الناس من السيطرة على التجارة.

كيف يتم تمويل عملكم؟

لدينا أكثر من عشرين مصدر للتمويل منها المنظمات الأوروبية غير الحكومية مثل نوفيب، و أوكسفام، و إنتربريس، و التنمية و السلام الكندية. كما نحصل على بعض الأموال من فورد فونديش و من جهات أخرى على أساس كل مشروع على حدا. و لدينا فى هذا الأمر عدة مبادىء. أولاً: تنويع مصادر تمويلنا، فلا نحصل من مصدر واحد على أكثر من 20% من تمويلنا.  و ذلك لضمان استقلاليتنا و لضمان عدم قصر تمويلنا على واحد أو اثنين من الممولين. ثانياً : نحن فى حاجة لضمان أن التمويل لا يتضمن أى شروط تخل باستقلاليتنا. ثالثاً : نحن نرفض أى تمويل من الدولة الأمريكية. و رابعاً: عادة ما يتولى مجلس المعهد تحديد أهداف أى مشروع مشترك مع الحكومات و المؤسسات الأخرى حتى الآن تمضى أعمالنا على نحو جيد. على سبيل المثال، على الرغم من أننا نتلقى أموالاً كثيرة من أوكسفام و لنا كثير من الملاحظات على عملهم فإن التزامنا بقاعدة 20%  فقط من التمويل مكنتنا من أن ننتقد علنا حملتهم الخاصة بحرية الوصول إلى الأسواق، و تقريرهم الأخير حول التجارة، الذى ناقش قضية تمكين بلدان الجنوب من الوصول إلى أسواق الشمال و هى القضية الشائكة فى نظام التجارة العالمى.

على ماذا تختلف فى هذا الشأن؟

نحن لا نقر بأن حرية النفاذ للأسواق هو القضية الأساسية و بالتالي لا نوافق على دعم برنامج الإنتاج من أجل التصدير، أو على ما يقضيه ذلك من فتح أسواق الجنوب فى المقابل أمام الواردات علاوة على ذلك، فان حملة أوكسفام تسعى بنشاط لحرف الحركة عن المشكلات الأكثر أهمية. و تجاهل الأولوية الأساسية فى الوقت الراهن، و هى معارضة منظمة التجارة العالمية التى تعمل على فرض برامجها على بلدان العالم المختلفة. إن البرنامج الحالي لمنظمة التجارة العالمية يعزز التنازلات المنتزعة من البلدان النامية فى الدوحة (المؤتمر الوزارى الرابع لمنظمة التجارة العالمية عام2002) من أجل جعل المؤتمر الوزارى الخامس الذى يعقد فى المكسيك فى العام القادم نقطة انطلاق لتوسيع مجال مفاوضات منظمة التجارة العالمية لتشمل الاستثمار فقط

كانت دورة الأورجواى لمفاوضات منظمة التجارة العالمية قد دارت بتوسع حول سياسة  التدابير الحكومية و المنافسة.  هذا ما يجب أن يركز عليه معارضو الليبرالية الجديدة: زيادة الضغوط المحلية فى قضايا الخلاف الحقيقية داخل منظمة التجارة التجارة العالمية، تصعيد الاختلافات حول التعريفات الجمركية الصارمة و الدعم المقدم للإنتاج الزراعى. كذلك علينا أن نسعى لاستغلال شرط الإجماع الذى يعتبر نقطة ضعف فى اتخاذ القرارات داخل منظمة التجارة العالمية – و هو ما يعنى إمكانية انهيار المفاوضات فى هذا الإطار، و وفق هذا الإدراك يمكن قلب العولمة التى تقودها الشركات الاحتكارية رأسً على عقب، على نحو ما ترى الأيكونوميست.

هل يمكنك إيجاز انتقادك لمنظمة التجارة العالمية ؟

منظمة التجارة العالمية تتميز بعدم الشفافية، و عدم الديمقراطية و اكتساب عضويتها يتم بالاختيار و ليس بوسائل ديمقراطية، و تؤدى عدم الشفافية إلى سيطرة أيديولوجيا التجارة الحرة على المنظمة و التى تروج لروشتة اللبرلة، و الخصخصة و التخلص من النظم الاقتصادية المتبعة على المستويات القومية لصالح النظام المعولم – تعمل منذ 21 عاماً مضت على إعادة ترتيب اقتصاديات العالم الثالث، و لم تسفر روشتاتها إلا عن المزيد من الفقر و عدم المساواة. الهدف الأول لها هو تنفيذ مبادىء نيو ليبرالية تؤدى للمزيد من المعاناة. و ثانياً، تعد منظمة التجارة العالمية هيئة مستقلة، ومع ذلك فإنها لا تمثل سوى مصالح الدولة و الشركات الاحتكارية الأمريكية الكبرى. و ترتبط بإحكام بالحاجات المتغيرة للولايات المتحدة، التى تحولت من دعم الجات (المعاهدة الدولية للتجارة و التعريفات الجمركية ) إلى دعم منظمة التجارة العالمية الغنية باعتبارها نظام متعدد الأطراف اسمياً، و قواعده ملزمة.

و بصرف النظر عما إذا كان الإتحاد الأوروبي أو اليابان مؤيدان و متحمسان لمنظمة التجارة العلمية وقت إنشائها، تلبية لرغبة إدارة كلينتون فإن الدولة الأمريكية شديدة المرونة فى كيفية تحقيق أهدافها فتعقد اتفاقيات متعددة الأطراف وقتما تريد، و اتفاقيات ثنائية فى الوقت نفسه. إن خدعة منظمة التجارة العالمية تكمن فى سريتها، و عدم ديمقراطيتها، و عملية اتخاذ القرار فيها التى تخضع لسلطة أوليجاركية.

ما الذى تفترضه كبديل لنظام منظمة التجارة العالمية ؟

لا زلت أعتقد أن الإسهام فى إحداث المزيد من الفوضى و الارتباك في عمل المنظمة هو الشيء الوحيد المفيد إذا افترضت أن مؤسسة مركزية تفرض معايير واحدة على كل أنحاء الكوكب، فأنت تتجاهل التمايزات بين البلدان النامية و حقها في تحقيق إستراتيجيتها الاقتصادية بنفسها. الآن أصبحت سياسة التجارة من أجل التصنيع محرمة و محظورة من جانب منظمة التجارة العالمية. إذا نظرت إلى تجربة البلدان المصنعة حديثاً – في أمريكا اللاتينية في الستينيات و السبعينيات -  ستجد أن إنجازهم هذا القدر اليسير من التنمية الرأسمالية كان بسبب قدرتهم الواسعة على المناورة. نحن نعتقد أنه يجب إضعاف منظمة التجارة العالمية و الهيئات المشابهة لها، إذا لم يكن من الممكن التخلص منها تماماً أما المؤسسات الدولية الأخرى مثل الأونكتاد – مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة و التنمية التى كانت تؤدى دورها بفاعلية و مسئولية، إلى أن سحبوا اختصاصاتها و منحوها لمنظمة التجارة العالمية – هذه المؤسسة الدولية يجب دعمها و كذلك يجب دعم المنظمات  الإقليمية المثيلة، كما لابد من إنشاء مؤسسات مالية إقليمية. فلو كان صندوق النقد الآسيوي موجوداً عامي 1997 و 1998الذى انشىء بدعم من كل بلدان المنطقة لكانت الأزمة المالية الآسيوية أخذت منحى مختلف.

كانت فكرة هذا الصندوق قد قضى عليها فى السابق باعتبارها تمثل تحدياً لهيمنة صندوق النقد الدولى . بمعنى أخر نحن ندعو لأكبر قدر من اللا مركزية، و أوسع تعددية و المزيد من التروي و التوازنات ففى نظام أقل تعولماً يجب أن تكون جماعات السكان المحليين و الحركات الشعبية فى وضعية أكثر فاعلية فى تحديد الاستراتيجيات الاقتصادية.  عادة ما تقول النخب المحلية فى اللحظة الراهنة:"نحن لا نملك السير فى هذا السبيل – و إذا ما فعلنا ذلك، فإن صندوق النقد الدولى أو منظمة التجارة العالمية سيحكمان علينا بأننا نتبع سياسات مؤيدة لحماية الإنتاج الوطني".  لا يقف معهد فوكاس – نظرة على الجنوب" ضد التجارة و إن كان يرى ضرورة إدارتها بشكل أفضل وان زيادة الصادرات و الواردات أمر جيد. إلا أن المؤشرات فى العالم الثالث تشير إلى التوجه نحو الإنتاج من اجل التصدير، و هو الذى يجب تصحيحه ليتوجه الإنتاج لسد احتياجات السوق المحلى – و استعادة التوازن المفتقد بين الصادرات و الواردات، و الذى يؤدى إلى تدويل اقتصادياتنا. نحن لا نستطيع عمل ذلك إلا من خلال تنظيم التجارة ليس من خلال قواعد فتح الأسواق التى تفرضها منظمة التجارة العالمية و لكن من خلال المفاوضات بين الأطراف المختلفة صاحبة المصلحة. ولا يستلزم الحد من العولمة قبول المنظمات الإقليمية الموجودة فعليا، و التى تتميز بعدم الاتفاق على قواعد محددة للحد من العولمة. حيث أن بعض هذه المنظمات الإقليمية ليست إلا منظمات للدفاع عن الاقتصاد المعولم، و عن سيطرة النخب التكنوقراطية و الصناعة المحلية على الأسواق العام. و بعضها الآخر يساند برامج التنمية الإقليمية الزائفة.

ماذا يعنى الحد من العولمة بالنسبة للشئون المالية ؟

الفوضى التى تميز تحركات الأموال الكوكبية هى المسئولة عن المزيد من عدم الاستقرار التى يصيب اقتصادياتنا منذ أواخر الثمانينات.  نحن فى حاجة للسيطرة على راس المال سواء على الصعيد الإقليمي أو على المستوى المحلى. فى هذا الإطار فان التجارب المختلفة فى ماليزيا و شيلى و الصين تجارب مثمرة و فعالة. ما نحتاج إليه هو آلية نقدية آسيوية لا تدعم فقط البلدان الواقعة تحت ضغط الأزمة، و لكن أيضا لابد من البدء فى إقامة قاعدة للتحكم على المستوى الإقليمي.  لكنني اشك كثيرا فى قدرة أي  سلطة نقدية عالمية على التحكم المالي على النطاق الكوكبي، بسبب أن هذه البنى المركزية تنفذ من خلالها الآن القوى المتحكمة في الأسواق، خاصة البنوك المركزية الكبرى. لا اعتقد أن مثل هذه المؤسسة المركزية ستدافع عن مصالح بلدان العالم الثالث. ولا اعتقد أن منح الحرية لراس المال الأجنبي كان عاملا استراتيجيا في التنمية بل يمكن أن يكون عاملا إضافيا فقط.  فى الحقيقة أن النخب المحلية في بلادنا تسعى لان تثبت أقدامها في النظام العالمي القائم،و لديها احتياطيات ضخمة من راس المال. المشكلة انه مهما كانت قدرة حكومات دول المنطقة على مواجهة سيطرة راس المال عليها، فان المضي في النظم الضريبية المتبعة فى جنوب شرق أسيا نظما تعمل لصالح راس المال. بالطبع يجب أن تكون ثروات هذه النخب خاضعة لنظام ضريبي صحيح و مناسب.

ماذا عن الإصلاح الزراعي ؟

تبقى قضية توزيع الأرض قضية محورية. أحد الأسباب الرئيسية لدعم البنك الدولي في السبعينات لاستراتيجية الإنتاج من اجل التصدير، و تأييد هذه الاستراتيجية بقوة من جانب المؤسسات و التكنوقراط المحليين, هو الضيق الشديد للأسواق في البلدان النامية، نتيجة التفاوت الضخم في توزيع الثروات و الدخول. كان تركيز النخب على الصادرات يبدو كسبيل للفكاك من مأزق ضيق الأسواق المحلية – و إلحاق صناعاتك بالسوق الخارجي الكبير. في الوقت نفسه كانت هذه الاستراتيجية هي السبيل لتفادى القيام بالإصلاح الزراعي الكبير و الضروري لخلق قوى شرائية محلية تدفع عملية التصنيع المحلى. إن الإصلاح الزراعي و إعادة توزيع الأرض أمر ضروري اجتماعيا و اقتصاديا في أسيا و في أمريكا اللاتينية.

منذ الانتصارات التي تحققت في سياثل، و هناك خلافات داخل الحركة، خاصة بين النشطاء و المنظمات التي تنتمي للشمال ويجتمعون حول المشكلات البيئية و قضايا حقوق العمال – وهو الموقف الذي وصفته بالحماية الخضراء – و بين أولئك الذين ينتمون للجنوب و يروا أن التنمية هي القضية ذات الأولوية الرئيسية. لا يمكن توهم إمكانية تحقيق اتفاق بين هاتين الرؤيتين بسهولة، أو تحقيق الانسجام فيما بينهما . إذا كان لهذه الحركة أن تتطور،فما هو السبيل للتغلب على هذه الاختلافات و إيجاد حلول لها؟

الاختلافات حقيقة واقعة، و اعتقد أنني أشرت إلى أن هناك مجالات واسعة للاتفاق بين الحركات الشمالية و الحركات الجنوبية – كالاتفاق على النقد المشترك للشركات متعددة الجنسيات و راس المال الكوكبي، و الإدراك العام لحاجة المواطنين للعب دور كبير في تحديد قوانين السوق و قوانين التجارة. في الواقع أن الشعوب في الجانبين تمكنت من أن تلتقي في تحالفات و أعمال مشتركة في سلسلة من القضايا و هذا دليل على قوة المصالح المشتركة فيما بينها. علاوة على ذلك، اعتقد أن الخلافات حول القضايا العمالية يتم حلها. نحن ننتقد بشدة الطريقة التي تحاول نقابات العمال  الأمريكية من خلالها أن تناقش ضرورة دعم منظمة التجارة العالمية إذا ما أيدت الحقوق الجمركية و حقوق العمال.  أننا نرى انه  لا يجب الدعوة لتعزيز و دعم منظمة التجارة العالمية. هذا باختصار شديد رأينا فيم يتعلق بالقضية الأولى، أما بالنسبة للرطانة البلاغية حول حقوق الإنسان في الجنوب فهي حركة حمائية لا تستهدف إلا حماية وظائف الشماليين. و الحد من حركة انتقال الجنوبيين للعمل في الشمال. و كلما طرحنا هذه القضية للمناقشة بطريقة ودية، يدافعون عنها بشدة. نقول، دعونا نبتعد عن الرياء و التظاهر الكاذب : طبعا يجب أن ندافع عن وظائف العاملين فى الشمال – ولكن بالطريقة التي تدعم حركات الطبقة العاملة في أي مكان أخر، وليس بغرض حماية مصالح قطاع وحيد و إهمال الآخرين. نحن في حاجة لاستراتيجيات بعيدة المدى للرد على الأسلوب الذي تتبعه الرأسمالية في إعادة تقسيم الطبقة العاملة على النطاق العالمي – وهو التقسيم الذي يقص مئات الملايين من العمالة الريفية عن أعمالهم. أن ديناميات راس المال الكوكبي تخلق فئات واسعة من غير المنتمين طبقيا، ولا ينالون أي دعم من النقابات في الشمال. هذا هو ما نحتاجه في استراتيجيتنا, و هو بذل جهود قوية لتنظيم الطبقة العاملة العالمية.   حتى الآن لازالت الاستجابة من الشمال – خاصة من النقابات العمالية – استجابة دفاعية تتخفى وراء قناع حقوق الإنسان. و تضعنا هذه الرؤى و المواقف من جانب الشمال فى موقف صعب فبينما تدعم شعوب بلادنا حقوق العمال بقوة و تعارض بفاعلية الأخطار البيئية لسياسات التنمية تنظر إلى أصحاب هذه الرؤى باعتبارهم أعداء للبيئيين و العمال. أن حرية الوصول إلى الأسواق ليس القضية المحورية، و إن كانت تمثل مشكلة، هناك اتجاه في الشمال – ليست كل منظمات الخضر طرفا فيه – يدعو لاستخدام المعايير البيئية كسبيل لفرض حظر على السلع الواردة من البلدان النامية، سواء بالنسبة لطرق الإنتاج أو بالنسبة للمنتج ذاته. و تكون النتيجة هي فرض شكل من أشكال التمييز في المعاملة.

نحن ندعو لمشروع مارشال على نطاق الكوكب – تشارك فيه الجماعات البيئية بشكل فعال – لتطوير طرق و أساليب الإنتاج في الجنوب و الإسراع بالتحول إلى التكنولوجيا النظيفة. هذا ما يجب أن تركز علية منظمات الخضر في البلدان المتقدمة، و يشكل هذا نوعا من الانتقال الإيجابي للتكنولوجيات، بدلا من فرض العقوبات الاقتصادية.  من السهل جدا فرض عقوبات اقتصادية لحماية مصالحهم، وهو السلاح الذي تشهره أيضا بعض المنظمات التقدمية في الشمال.  وما يؤسف بشدة أن الحركة العمالية الأمريكية انحازت لهذا الموقف المرائي و تدعى في الوقت نفسه أنها قلقة بشدة بشان الشعب الصيني، رغم أنها لا تهدف في الحقيقة إلا لتحقيق أغراض أنانية خاصة. إذا ما تجاوزنا هذه الحجج و الذرائع و أقمنا حوارا حول المبادئ, و المصالح العامة للطبقة العاملة العالمية، فسوف نمضى قدما للامام.

إلى أي حد يمكن أن تعتبر المنتدى الاجتماعي العالمي في البرازيل ساحة لطرح و تسوية تلك الخلافات ؟

حينما طرحت فكرة إنشاء منتدى لأول مرة، كان معهد فوكس أحد المنظمات التي منحت دعمها الكامل مباشرة لهذه الفكرة. ما كان يفترض البرازيليون هو مجال مفتوح يلتقي فيه الناس معا في حركة مشتركة لتأكيد تضامنهم. كان ذلك عنصرا هاما في المنتدى الاجتماعي الأول الذي عقد في 2001. كان هناك شعورا عاما بالحاجة للحوار حول البدائل بعد سياثل. اعتقد أن بذلت جهود حقيقية لإشراك الحركات الجنوبية، سواء في داخل البنية التنظيمية للمنتدى أو في المناقشات العامة. رغم ذلك قد لا يكون هناك نجاح كامل في مشاركة كل مناطق الجنوب. منذ البداية شاركت فاندانا شيفا و آخرين من الجنوب، ليس بطريقة الرعاية الأبوية، و لكنهم قدموا مقترحات حقيقية حول ما يجب فعله. فى الحقيقة إن الموند دبلوماتيك، و منظمة اتاك لعبا دورا مشتركا هاما فى عقد هذا المنتدى، فضلا عن دعم حزب العمال البرازيلي الذي يشكل الحكومة المحلية فى الولاية التى تتبعها بورتو اليجرى كان دعما حاسما.  و لكن على الرغم من أن اتاك و الموند دبلوماتيك لازالا يلعبان دورا حيويا فى المنتدى الاجتماعي العالمي الثاني الذي عقد عام 2002، إلا أن دورهم كان اقل كثير. و لم تلعب أي منظمة دورا محوريا و مركزيا فلم تهيمن المنظمات البرازيلية غير الحكومية و جماعات المجتمع المدني ولا حزب العمال، ولكنهم كانوا قوة محركة للمندى. الشيء الأكثر إيجابية الذي تم منذ انعقاد المنتدى الاجتماعي العالمي الأول هو إنشاء لجنة دولية تناقش فيها المشكلات الإقليمية. غالبية المشاركين من العالم الثالث لازالوا من الأمريكيين اللاتيني ولو أن هناك حاجة لوجود الأفارقة و الآسيويين في هذه العملية وهو الأمر الذي دفع البرازيليون أنفسهم لاقتراح عقد الاجتماعات القادمة فى الهند.

فى الحقيقة أن في الكثير من المناقشات العامة كان المتحدثون الرئيسيون شخصيات جاءت من الشمال مثل ناعوم شومسكى و ايمانويل  ولرشتاين. أنا لا اعترض على ذلك لأننا استفدنا كثيرا من مشاركتهم. كما لعبت شخصيات أخرى من الجنوب دورا محوريا مثل زيجوبرتا منتشو و سمير أمين.   وإن كنا في حاجة لأناس أكثر من الجنوب للمشاركة في هذه العملية المتنامية لكن الوظيفة للمنتدى هي إيجار مجال، من خلال اجتماع يعقد في كل عام أو عامين، نكون فيه قادرين على اللقاء معا و تبادل وجهات النظر فى مناخ مفتوح و حر – و ليس لمجرد القيام بمظاهرة احتجاجية أخرى. إن التركيز الأساسي الآن يجب أن ينصب على خوض المعارك الفكرية فى المنتدى الاجتماعي العالمي يجب أن تكون اجتماعات المنتدى مهرجانا للحب تسعى فيه كل الشعوب على اختلافها للتفاهم و التوافق. و نهدف من وراء ذلك إلى شحن أفكارنا بحثا عن البدائل، و ليس بمجرد توطيد التعايش السلمي.

ما هي الأعمال الجماعية التي تتصور انه يمكن للمنتدى الاجتماعي العالمي أن ينظمها في السنوات الأربعة أو الخمسة القادمة؟  حتى الآن نرى احتجاجات ضخمة تحظى بالأضواء مثل احتجاجات سياتل، و براغ، و واشنطن. ولكن كان هناك مستوى آخر من التحركات تزامنت مع تلك الاحتجاجات، وهى الحملات الكوكبية حول قضايا و مشكلات خاصة، آلا يقتضي ذلك درجة متعاظمة من التنسيق المركزي؟

لا اعتقد أن المنتدى الاجتماعي العالمي أنشئ لهذا الغرض. الشيء الأساسي الذي يسعى المنتدى لعمله هو حشد الناس معا لمناقشة البدائل و تأكيد تضامنهم و يصعب بشدة أن يتحول المنتدى لمنظمة مناضلة على شاكلة تحالف عالمنا ليس للبيع. انه في حاجة لان يكون منتدى يضم الجميع، حيث يمكن للبشر الذين قد لا يكونوا موافقين على الأهداف الاستراتيجية المتوسطة المدى، يمكن لهم أن يشاركوا فى حوار مثمر و جاد.أأمل أن كل التحركات و التحالفات المختلفة تشعر بأهمية استعدادها الكافي للمشاركة كل عام أو عامين فى ساحة المنتدى حيث يمكن مناقشة الإستراتيجيات و التكتيكات, و ليس مجرد طرح أفكار حول البدائل. أما التحالفات فهي تشكل خطوة أدنى من المنتدى الاجتماعي.  فهذه التحالفات لها استراتيجيات فعلية محددة. الآن يبذل تحالف عالمنا ليس للبيع جهودا لإعاقة الاجتماع الوزاري القادم لمنظمة التجارة العالمية. كذلك حملة كفى خمسون عاما التي تلعب دورا أساسيا في المنتدى الاجتماعي العالمي، تنظم حملتها بالأساس ضد صندوق النقد الدولي.  كما أن الحملة ضد المعامل التي تستخدم عمالة منخفضة الأجور و ضد "نايك "شديدة الفاعلية و قد أنشأت كشبكة ضد الشركات الاحتكارية الكبرى بالأساس.من ناحية أخرى، تولد الحركة المناهضة للحرب من جديد يمكن أن تكون بمثابة هيئة من الخبراء لتحديد الاستراتيجيات الكوكبية.

تتحدث عن أن المنتدى الاجتماعي العالمي منتدى يشمل الجميع، و لكن ألا يتضمن ذلك خطر أن يلقى نفس المصير الذي انتهت إليه حركة عدم الانحياز، حيث تبددت الأهداف الأصلية النبيلة لمؤتمر باندونج، و لم تسفر عنه شيء.  و لكن  سوهارتو ومن على شاكلته يتحدثون مع قادة و زعماء حاولوا بجدية تحسين العالم، وجعلوا الحركة بلا مغزى أو هدف؟  عادة ما تخلى أسوأ هؤلاء التجار عن مبادئ الحركة و اغتنموها فرصة لتحسين صورتهم فى العالم الثالث مع الوضع فى الاعتبار اختلاف الظروف، ألم يكن المنتدى الاجتماعي العالمي الأخير مزينا بكل أشكال و تلاوين السياسيين من يسار الوسط من إيطاليا، و فرنسا، و من أماكن أخرى، من أولئك الذين هتفوا بحماس لشن الحرب ضد الإرهاب،و الهجوم على أفغانستان؟

نعم، أوافق تماما على أن هذا الأمر يشكل خطرا.  كان عدد من الناس الذين ظهروا بوضوح فى بورتو اليجرى، جاءوا فقط لتحسين صورة أنفسهم و تقديم أوراق اعتمادهم كتقدميين، رغم انهم يلعبون دورا ضارا و خبيثا في بلادهم في الوقت نفسه، اعتقد أن المنتدى سوف يصبح أكثر حصافة فى اختيار من يدعوهم و لكن يصعب القول أن حضور أولئك كان طاغيا، فضلا عن أن هذه القلعة من السياسيين لم يطلب من أحد منهم الحديث.  وان كان بعض المسئولين في البنك الدولي قد حضروا و طلبوا الحديث من المنصة و حينما رفضنا، و قلنا له : تستطيع الذهاب إلى أي  مكان في العالم لكن هذا المكان ليس مكانك للحديث ". حينئذ ذهب متحدث باسمهم لايكونوميست و قال : " إنني منعت، و هذا انتهاك لحرية التعبير"، و بالطبع أبرزت الايكونوميست ذلك.

هناك تحدى أخر هو كيفية الحفاظ على استقلال الأحزاب السياسية القائمة.فى الوقت الراهن، لازال مركز ثقل المنتدى يتمثل في الحركات الاجتماعية – على الرغم من الدور القيادي الذي يلعبه حزب العمال البرازيلي، الذي لا يسعى لجذب الأحزاب السياسية التي على شاكلته. لكن الآن هناك خطر من تطلع يسار الوسط القديم و الأحزاب الاشتراكية للمنتدى الاجتماعي العالمي و دهشتهم من أنة استطاع تجميع هذا الحصاد الوافر من منظمات السكان المحليين. و الآن نشاهد جهودا حثيثة في عدد من الأماكن لإقامة منتديات اجتماعية على يد جماعات سياسية تقليدية.

ما هو أثر أحداث 11 سبتمبر على حركة مناهضة العولمة عموماً ؟

أعلنت صحافة المال و التجارة بابتهاج أن تلك الأحداث قضت على الحملة المناهضة للعولمة،لأنها كشفت أن الديماجوجيا المناهضة للرأسمالية على حد زعمهم تقضى عادة إلى احتجاجات عنيفة في الشوارع، والتي تؤدى بدورها إلى الإرهاب. و من حسن الطالع إن أحداث 11 سبتمبر لها تأثير فى إفاقة الشارع من هذه الديماجوجيا. فى الحقيقة إن كثير من النشطاء ارتبكوا بشدة و أصابتهم الكآبة و الإحباط، نتيجة لاستيلاء الحرب على الإرهاب على الاهتمام العام، فضلا عن أن الحركة نفسها لم تكن مستعدة جيدا للتعامل مع تلك الأحداث.

ألمحت مبكرا إلى الانفصال بين الحملة المناهضة للعولمة التي تقودها الشركات الاحتكارية الكوكبية التي تستهدف الشركات المتعددة الجنسيات باعتبارها العدو، و بين الانتشار العسكري للولايات المتحدة الأمريكية و عسكرة الدولة الأمريكية، كما استشعر البعض أن من الأفضل تجنيب القضية من أجنده الحركة. إذا كانت الحركة لا تملك الإمكانيات للتعامل المباشر مع هذه الأحداث فمتى تتمكن من مجابهة هذا الواقع. و كيف أعاقها ذلك عن مواجهة التحديات؟

كان التأثير المباشر لأحداث 11 سبتمبر هو الارتباك الشديد، خاصة حينما ألغى البنك الدولي و صندوق النقد الدولي اجتماعها الذي كان مقررا عقده في نفس الشهر في واشنطن، و سعدوا بذلك. و امتنوا للقاعدة لقيامها بتلك التفجيرات، و قاموا آنذاك بتجاهل احتجاجات السكان المحليين و اغتنموا الخوف المفاجئ الذي أصاب البلدان النامية و راحوا يفرضون إعلان الدوحة لمنظمة التجارة العالمية و كان هناك اتفاق بين وقفنا ضده. لا أحد ينكر أن ما حدث كان بمثابة هزيمة. و لكن في الوقت نفسه كانت هناك بعض التطورات الموازية فى البداية، أثيرت فضيحة انرون.  لم يستخف أحد بالدور الغير شرعي الذي تم و الذي حال دون إنجاز انتصارات و تحقيق تقدم ايدولوجي في أعقاب 11 سبتمبر. ثانيا.هناك أزمة مستمرة في الأرجنتين، تشكل كارثة اجتماعية و اقتصادية بسبب النيوليبرالية. أدت إلى تزايد الشكوك في مشروع العولمة الذي تقوده الشركات الاحتكارية الكبرى. ثالثا، هناك البرنامج الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية. حيث لازال البنتاجون يعجز عن الإمساك بابن لادن، لكنه أصبح الآن يتواجد و ينتشر بتوسع مفرط فى مناطق يصعب على الولايات المتحدة أن تتحرر من أخطار هذا التوسع المفرط. فضلا عن أن الدخول إلى العراق سوف يخلق مشكلات كبرى أخرى.  من المفترض أيضا، أن التوترات في جنوب آسيا و الصراع فى الشرق الأوسط، يضران الوضع الإستراتيجي للولايات المتحدة قد يكون الآن أسوأ مما كان عليه قبل 11 سبتمبر، نتيجة لهذا الإفراط فى التوسع أن الرد الأمريكي يساعد على تعزيز الاتجاهات الأصولية الإسلامية لن يساعد على تجميعها. و أن كان كلا من فهايتر و مشرف يعملان بنشاط بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن الفجوة بينهما و بين شعوبهما تزداد اتساعا. فى النهاية اعتقد أن هناك تحولا في دور الكثير من الجماعات المناهضة لعولمة الشركات الكوكبية, فقد شرعت الآن فى مواجهة مشكلات الحرب و العسكرة. أما على صعيد الصراع الراهن فى فلسطين، لدينا عدد من الناس يسعون لاختراق المخططات الإسرائيلية. شارك 50 ألف فى المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عقد هذا العام، في مقابل 15 ألف شاركوا في يناير 2001. وفى القمة الأوربية التى عقدت فى برشلونة فى مارس شارك فى المظاهرات التي أقيمت ضدها 300 ألف معارض، أكثر كثيرا من عدد المعارضين الذين شاركوا فى احتجاجات جنوة. لا شك أن هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به قبل أن نعود للوضع السابق على سبتمبر 2001، و رغم ذلك، هناك العديد من المؤشرات على أن الحركة تستعيد دورها النضالي. أحد الأمثلة على ذلك، حينما أرسلت الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين في يناير 2002, وجهنا نداء للناس للمشاركة في حملة إعلانية للسلام، و استجاب له عدد ضخم من المتطوعين، مكنونا من القيام ببث و استقصاء شامل بدء من الذهاب إلى باسلان، و دراسة الوضع، و التحدي مع الناس – و منهم الأمريكي – و عدنا من هناك بتقرير نقدي استهجنته الحكومة الفلبينية، و نشر في الفلبين. كان هذا مثالا على تحرك الناس التي تهتم بقضايا التجارة و يمتد اهتمامها للمشكلات المرتبطة بالأمن. كذلك أحد الذين ذهبوا إلى باسيلان " ماتى وورى "عضو البرلمان الأوروبي، و الرئيس السابق لجماعة السلام الأخضر و كان ذهابه شكلا من أشكال الربط و التحولات التي تحدث.

عادة ما تشير إلى السياسات الطبقية، و هذا الأمر ليس شائعا في الحركات المناهضة للعولمة. من أين تستمد معاييرك الفكرية في الوقت الراهن؟

أود أن أقول أنني براجماتي. أتعامل مع أي شيء أراه مفيدا للعمل الذي أقوم به و هذا بوضوح يشمل المخزون النظري للماركسية. لكنني لا اعتبر نفسي لينيني, لأنني اعتقد إن الأزمة التي عصفت بالمجتمعات الشيوعية ارتبطت بالطبيعة النخبوية لمنظمات الطلية الينينية، يمكن للمرء ان يتفهم الأسباب التاريخية لنشوء مثل هذه المنظمات، فقد نشأت فى ظروف قمعية، و لكن حينما أصبحت النخبوية اللينينية حالة دائمة و مستمرة و مبررا نظريا لافتقار الى الديمقراطية الداخلية، أصبحوا فى الحقيقة قوة سلبية. أنا أكثر اهتماما بوجهات نظر الحركة الجديدة – بشكلها التنظيمي غير المركزي بمعاداتها للبيروقراطية و إتباعها للأفكار الخاصة بالديمقراطية المباشرة. و استلهامها لروح جان جاك روسو في هذا الشأن سواء وصفت هذه الحركة الجديدة وجهات نظره بالفوضوية أو لا توصف بذلك. لازالت فى هذه المرحلة، اعتقد أن أكثر المساهمات القيمة للحركة هو نقدها للعولمة التي تقودها الشركات الاحتكارية الكبرى، فضلا عن النموذج الذي تقدمه للمستقبل المشترك و لعملية صنع القرارات على الرغم من ذلك الآن هناك أزمة كوكبية للديمقراطية التمثيلية في الغرب، و أيضا فى بلدان مثل الفلبين. لكن الحركة لم تقدم بديلا لهذا النموذج. فهل البديل هو العمل الديمقراطي المباشر؟ هل هو ما شاهدناه في سياتل و جنوه؟ كذلك يجب أن نتساءل كيف يمكن لنا أن نتطور فى المستقبل. كيف نقيم مؤسسات وإن كنت اكره استخدام هذه الكلمة – آي نؤسس أساليب للحكم الديمقراطي المباشر؟


والدن بيللو؛ المدير التنفيذي " لموقع قوكاس علي جنوب العالم " ومقره بانجكوك، وأستاذ علم الاجتماع والإدارة العامة في جامعة الفلبين، والحاصل علي جائزة حق الحياة ( الجائزة البديلة لجائزة نوبل ) عام 2003، ومستشار علمي لجامعة كاليفورنيا في إيرفين لعام 2004.

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية