خطأ فادح أم مؤامرة؟ هنالك على الأقل ثلاثة روايات
محتملة لأصول الصدام الأخير في النجف. كشف الحقيقة يتطلب إجراء تدقيق عن
قرب في مسلك آية الله العظمى علي السيستاني، الذي يحتفل به الآن بوصفه جالب
السلام للنجف.
كان اللحن الذي تؤديه
صحافة الغرب المعتادة هو أن الشيخ الشيعي المتشدد مقتدى الصدر قرر شن انتفاضة
ضد الاحتلال الأمريكي في الخامس من أغسطس.
وهذا يصفع وجه حقيقة أن
الولايات المتحدة، كما أوردت الفاينانشيال تايمز في تقاريرها، هي التي قررت
’الهجوم‘ ضد جماعة الصدر، ’لتكسر بذلك شهرين من وقف إطلاق النار مع أتباع رجل
الدين المتطرف مقتدى الصدر‘ عن طريق تطويق منزله في الكوفة، المجاورة للنجف،
مشعلة بذلك تبادل لإطلاق النيران بينها وبين أفراد ميليشيا الصدر.‘ (فاينانشال
تايمز، 3 أغسطس 2004).
حدث ذلك في الثاني من
أغسطس، بعد ثلاثة أيام من غارة جيش المهدي على مركز للشرطة في النجف وهي
الحادثة التي تروى عادة على أنها بداية الصراعات.
يدعي المسئولون
الأمريكيون أن حادثة الثاني من أغسطس في الكوفة لم تكن غارة على منزل الصدر:
’لم نكن نعرف أين يقطن الصدر لانه لم يكن لدينا علم بالشوارع الجانبية. وما
كنا نقدم على ما فعلناه، حتى نعرف تلك الحواري‘ هذا ما قاله الليفتنانت مايك
وايرش من وحدة المارينز الخاصة الحادية عشر، التي تولت ’قيادة‘ المنطقة قبل
يومين فقط من الحادثة. من ناحية اخرى، طبقا لقول احمد الشيباني، المتحدث
الرسمي باسم الصدر في النجف، "انهم عبروا الحواجز، وحاصروا المنزل وحاولوا
الدخول". (نايت رايدر، 3 أغسطس)
القائلين بتفسير "الخطأ
الفادح" لا يشرحون لنا لماذا، في نفس اليوم ’الذي اقتحم فيه‘ المارينز’داخل‘
منزل الصدر، 'قامت' القوات الأمريكية أيضا ’بشن الهجوم‘ ضد جماعات الإسلام
السياسي السنية، ’لتقبض على رجل دين سني له نفوذ واسع في بغداد‘. (فايننشال
تايمز، 3 أغسطس، ص 9). لا يوضح القائل بهذا التفسير أيضا لماذا أغارت قوات
الولايات المتحدة (مع بعض قوات رمزية من قوى الأمن العراقية)، في الأيام
القليلة التي سبقت، على بيت ممثل الصدر في مدينة كربلاء المقدسة، لتقبض على
كلا من الشيخ مثال الحسناوي وأخيه. (استراليان، 31 يوليو)
في أعقاب الثاني من
أغسطس، كانت هناك ’أيام من تصعيد التوتر‘، حيث قبض على ’العديد من كبار
مساعدي رجال الدين‘ في منطقة النجف، وقبض جيش المهدي في النجف على ’18 ضابط
من الشرطة العراقية كرد فعل‘. (الجارديان، 6 أغسطس، ص 2).
وفيما قبل وفيما بعد
الثاني من أغسطس، كان هناك نسق من التحرشات ضد الصدر (وعلى الأقل مجموعة
إسلامية معارضة اخرى). حادثة الثاني من أغسطس في الكوفة تكاد تكون بالتأكيد
محاولة مبيتة للقبض على الصدر.
هل هي مبادرة محلية؟ أين
اتخذ قرار تصعيد العنف في النجف؟ دعنا نلتفت إلى ثاني حادثة كبيرة سببت
الصراع، القرار في الخامس من أغسطس بإرسال قوات أمريكية إلى مناطق في النجف
مستثناة من شروط وقف إطلاق النار المبرمة في يونيو.
رواية في نيويورك تايمز
تقول أن ضباط المارينز في النجف ’قالوا انهم حولوا اشتباكا بالنيران مع قوات
الصدر في الخامس من أغسطس إلى معركة ساخنة لمدة ثمانية أيام دون أن يأخذوا
موافقة البنتاجون أو كبار المسئولين العراقيين‘.
تغلبت ’سياسات الحرب‘
فعلا، بسبب مقاومة جيش المهدي التي أبطأت تقدم القوات الأمريكية في منطقة
المدافن المقدسة بالنجف، وفقدت بذلك القوات الأمريكية الفرصة لاجتياح قوات
الصدر حول المسجد. ما كان يأمل فيه المارينز هو ’معركة سريعة، حاسمة‘ تنتهي
إلى وضع جمود.
تتابعات الأحداث التي
’تذكرنا بشكل صارخ بمعركة الفلوجة في ابريل‘: ’في كلا الحالتين، واجهت وحدات
المارينز التي وصلت حديثا على الفور قوات رجال حرب العصابات في تراشق
بالنيران الذي تصاعد بسرعة. وفي كلا الحالتين، فشلت العسكرية الأمريكية في
تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وانسحبت بعد أن تزايدت الخسارة السياسية
للمواجهة‘.
أخبرت قوات المارينز
النيويورك تايمز ’أنها اشتبكت مع قوات الصدر بناء على طلب من قوات الشرطة
العراقية المحلية‘. وأنهم لم يسعوا إلى طلب موافقة من قادتهم العسكريين
الأكبر أو من القادة السياسيين العراقيين، ما عدا محافظ النجف‘. (18 أغسطس،
أعيد نشرها في انديانابوليس ستار)
توقيت مغادرة السيستاني
المثير للاستغراب هو واحد من الصعوبات التي تتطلب إجابة في هذه الرواية وهي
العقدة الواضحة لآية الله العظمى علي السيستاني، الذي ترك هذا الصدام الحرج
من اجل علاج طبي لقلبه المريض في لندن.
اجتاحت النجف الدبابات
والمدرعات الأمريكية، التي تقودها لأول مرة قوات الأمن العراقية، في [الخامس
من أغسطس]، بعد ساعات من مغادرة آية الله السيستاني المدينة... وفي الوقت
الذي وصل فيه آية الله السيستاني إلى مطار هيثرو، بعد أن بدل طائرته في
بيروت، كانت معركة شاملة لا يمكن إيقافها على وشك البدء والتي استمرت لسبعة
أيام وسبعة ليال‘. [صنداي تلجراف، 15 أغسطس، ص 18]
البروفسور خوان كول، واحد
من أكثر المعلقين على العراق إدراكا، اقترح في السابع من أغسطس أن الولايات
المتحدة قد ’ألهمت‘ السيستاني بالسفر خارج النجف ليمهد لها الطريق للهجوم على
الصدر. لاحظ كول أن ’جريدة الحياة قالت في تقريرها أن السبب وراء مغادرة
السيستاني لهذا المأزق كان هو إخفاء نفسه من على مسرح القتال ورفع عباءة
سلطته من على حركة الصدر‘، ليسمح بالهجوم.
لاحظت الفايننشال تايمز
انه قد كانت هناك ’حملة بين أنصار الصدر همست بان ذلك كان جزءا من خطة تآمر
لوضع نهاية للسيد الصدر‘. (28، 29 أغسطس، ص 10)
’احد القادة الأمريكان،
الميجور ديفيد هولاهان [الضابط التنفيذي، للكتيبة الأولى، من فرقة المارينز
الرابعة]، قال عن مغادرة السيستاني: "كثير من الناس يعتقدون انها كانت الضوء
الأخضر بالنسبة لنا حتى نفعل ما كان ينبغي أن نفعله". (صنداي تايمز، 15
أغسطس، ص 19)
ضابط من الولايات
المتحدة، ربما كان هولاهان مرة اخرى، قال حينما عاد السيستاني إلى النجف
بعدها بثلاثة أسابيع لإنهاء القتال، ’كان هناك كثير من الأفكار حول انه قد
غادر البلاد من الأصل ليعطينا الفرصة من اجل السيطرة على الأوضاع. الآن هو
يعود مرة اخرى ليساعدنا من اجل إيجاد حل، من المحتمل نتيجة سلمية. ولكن
النتيجة النهائية هي انه يريد منا مساعدته لنزع سلاح وحل جيش المهدي‘. (دي
فيلكينس، ’مراجعة الأسبوع‘، نيويورك تايمز، 29 أغسطس). في 12 أغسطس، خوان
كول لاحظ، ’تقول جريدة الشرق الأوسط اليوم أن السيستاني لن يكون في حاجة إلى
عملية في القلب، وان شرايينه المتصلبة سوف تعالج بجراحة شرايين تاجية،
(توسيعهم بالبالون)‘. التايمز اللندنية علقت على القرار الغريب ’بالذهاب إلى
لندن من اجل جراحة بسيطة يمكن إجراءها في بغداد‘. (27 أغسطس، ص 27)
سكان حي الأمير في النجف
قد أدانوا آية الله توا: شاكر قاسم، 25 عاما، قال ’السيستاني هرب من النجف.
هناك المزيد من المستشفيات في بغداد التي تعالج نفس المرض ولكنه هرب لينقذ
نفسه‘. صفاء عبد الزهرة، 20 عاما، اتفقت مع ذلك، "السيستاني هرب من العراق
لأنه كان خائفا. هنا مستشفيات [في العراق] تستطيع علاجه. في الأخير، انه
شخص جبان‘.
لاحظت الفايننشال تايمز
أن، ’الغضب الشعبي قد تعمق بحقيقة أن السيد السيستاني ذهب إلى لندن بدلا من
إيران، حيث ولد، أو لبنان، وهو موطن لواحدة من اكبر الأقليات الشيعية في
العالم العربي‘. (26 أغسطس، ص 9)
توقيت عودة السيستاني
المثير للاستغراب: ’لقد اظهر عدم حصافة في اختيار التوقيت. في الأيام التي
أدت إلى [صفقة السلام]، بعض العراقيين كان يمزق صور السيستاني في شوارع
النجف، نتيجة للغضب من أنه لم ينقذ المدينة. ولكن في اليوم الذي تركت فيه
ميليشيا جيش المهدي التابعة للصدر العتبات المقدسة، [بعض] العراقيين وجدوا
توقيت عودة السيستاني مضبوطا، قائلين انه قد تدخل بينما كان الصدر محاصرا
بالقوات الأمريكية والعراقية ولقد استجابوا لخطة السلام التي قدمها...' (نايت
رايدر، 27 أغسطس)
’لقد اختار لحظته بعناية،
منتظرا حتى شدد الأمريكان من حصارهم للحد الذي وجدت فيه المليشيا نفسها وقد
ضاق الخناق عليها وتخلخلت صفوفها. صمته في خلال الثلاثة أسابيع التي استمر
فيها القتال [وغيابه في لندن] بدأ في توجيه سهام النقد إلى أنصاره ويخلخل ثقة
مساعديه. كان مقصودا – آية الله السيستاني يريد هزيمة حجة الإسلام الصدر
بالإضافة إلى خروجه، من النجف في شروط تقلص من حجمه. هذا يعني استعادة
سيطرته على المرجعية – القيادة الموحدة التقليدية لآيات الله العراقيين
الأربعة – بينما يرى أيضا انه قد ابعد القوات الأمريكية عن المدينة ووضع
نهاية للقتال‘. (التايمز، 27 أغسطس، ص 27).
كان السيستاني خارج
الصورة. أين كان الثلاثة آيات الآخرين أثناء القتال؟ ’اختبر احد
الدبلوماسيين الألمان نظيره البريطاني عن مغزى غياب آيات الله العظمى الأربعة
كلهم من النجف في وقت واحد معا. لم يكن هناك شخصية دينية كبيرة تستطيع إيقاف
الصراع بنداء وحيد للتفاوض. "إنها بالكامل مصادفة"، قال احد المبعوثين
الغربيين.‘ (صنداي تليجراف، 15 أغسطس، ص 18)
بعض المصادفات. ’في كل
الاحتمالات المتشابهة، العملية الأمريكية لإخراج جيش المهدي من العتبات
المقدسة، كان لا يمكن أن يكتب لها النجاح والتقدم دون العقوبات التي فرضها
بعض من أقوى الزعماء العراقيين – بما فيهم آية الله السيستاني نفسه‘. عندما
عاد السيستاني، طارحا الهدنة، وافق آية الله ظاهريا على أن القوة قد تستخدم
في العتبات المقدسة نفسها ضد مليشيا الصدر: ’إذا لم يرجع السيد الصدر ويلقي
بسلاحه، وكما يقول الضباط الأمريكيون، إن آية الله السيستاني قد أكد لهم انه
سوف يدعمهم وأكد لهم انه سوف يدعم اجتياح العتبات المقدسة بواسطة الجيش
العراقي‘. (دكتور فيلكينز، ’المراجعة، نيويورك تايمز، ان واي تي، 29 أغسطس).
السيستاني، وعلاوي،
والصدر والهجوم الأمريكي. صفقة السلام التي قدمها السيستاني من اجل النجف
ينظر إليها عموما على أنها تزيد من نفوذ آية الله بينما تقلص من نفوذ رئيس
الوزراء المؤقت إياد علاوي. صح، ولكنه ليس بمثل هذه البساطة.
’إعادة تأكيد سلطة
السيستاني على النجف هو أمر حاسم بالنسبة لحكومة علاوي والولايات المتحدة.
بينما الكثير من المناطق السنية هي خارج السيطرة من قبل الأمريكان أو الحكومة
العراقية، اعتمدت إدارة بوش على رجل الدين الكهل – وغيرت من خططها من اجل
الانتقال السياسي طبقا لرغباته – لتحتفظ بالشيعة العراقيين بعيدا عن
الانتفاضة ضد الاحتلال‘. (فايننشال تايمز، 26 أغسطس، ص 9)
يبدو أن الهجوم الأمريكي
على النجف قد كان مقامرة تقررت في واشنطن، ربما بالتنسيق مع حكومة علاوي،
وبالتأكيد تتفق مع آيات الله الأربعة في العراق. إنها ليست ’خطأ فادح‘،
ولكنها حسابات خاطئة بشكل جسيم، من قبل كل فرد، بما فيهم آية الله العظمى،
الذي أراد وضع نهاية لكل من الاحتلال ولظاهرة الصدر.
|