بينما يجذب أمثال هاليبرتون وبكتل انتباه كل الصحافة،
تعمل شركات أمريكية أخرى بلا كلل في محاولة لإعادة تشكيل المؤسسات العراقية
التشريعية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية – ومن اجل إرشاد المتفرجين
إلى مقاعدهم في مسرح الديموقراطية على الطراز الأمريكي.
الشيخ مجيد العزاوي
هو شيخ عراقي فخور
بنفسه. مكتب الشيخ، المحاط بأكياس الرمل، والسلك الشائك، والسواتر الأسمنتية
العالية، يبدو أشبه بثكنة عسكرية أكثر منه مبنى إداري. ولكن حتى الظلام
الدامس في الأروقة معظم ساعات النهار لا ينال من روح الشيخ المعنوية العالية.
"نحن في غاية السعادة
لكوننا جزء من هذا المجلس، حتى ولو كانت ما لدينا هي معدات بسيطة"، هذا ما
قاله عضو مجلس مركز الرصافة الإداري في وسط بغداد. "إنها المرة الأولى لكل
أعضاء الحكومة، لان ذلك كان مستحيلا من قبل".
مجلس الرصافة هو واحد من
مئات الكيانات المحلية للحكومة الأولية التي تنشأ في كل أنحاء العراق ويقيمها
العسكريون الأمريكيون والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية – من خلال معهد
أبحاث تراينجل الخاص (RTI)
– منذ انتهاء "المعارك الكبرى" في مايو 2003. خرج للنور دور [المعهد]
المقاول ومقره كارولاينا الشمالية في نوفمبر عندما عرض رئيس سلطة التحالف
المؤقتة بول بريمر خطته الأصلية – التي أهملت فيما بعد – من اجل نقل
"السيادة" إلى العراقيين: سوف تختار الحكومة العراقية المؤقتة من خلال مجمعات
انتخابية معقدة من المجالس المحلية التي سوف يفحص معهد أبحاث تراينجل
أعضاءها.
معهد أبحاث تراينجل هو
واحد من كتيبة المتعاقدين من القطاع الخاص الذين تستأجرهم حكومة الولايات
المتحدة من اجل "إعادة الإعمار" الآخر في العراق. فبينما تبذل بكتل
محاولاتها لإعادة بناء الجسور ومحطات القوى، تحاول شركات أمريكية أخرى إعادة
تشكيل المؤسسات العراقية التشريعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية حتى
تفضي إلى مصالح الولايات المتحدة. معظم العقود ممولة من هيئة المعونة
الأمريكية (USAID) كمعونة
أجنبية، حيث أن هيئة المعونة الأمريكية هي أول من يعترف، تحت العنوان الدال
’المعونة الأجنبية عبر المصالح الوطنية‘: "كل المعونات هي معونات سياسية".
يقول موقع المعونة الأمريكية على الانترنت، المعونة الأجنبية لها غرض مزدوج:
"تعميق مصالح السياسة الخارجية الأمريكية، بتوسيع الديموقراطية والأسواق
الحرة بينما يتم تحسين أحوال مواطني العالم النامي المعيشية". في العراق،
معهد تراينجل للأبحاث، شريك المعونة الأمريكية يجند ويحشد العراقيين الذين
يأمل المعهد في أن يدفعوا سياسات الولايات المتحدة المفضلة قدما، وان يدافعوا
عنها – من خلال الدولة ومن خلال المجتمع المدني – في العراق ذات السيادة.
الشيخ العزاوي هو واحد من هؤلاء.
قرع الأبواب
طاف موظفو معهد تراينجل
للأبحاث، وهم من بين أوائل المتعاقدين الذين وصلوا بعد الغزو، جميع أنحاء
البلاد بحثا عما يسميه العقد المبرم بينهم وبين المعونة الأمريكية "الزعماء
الأكثر ’شرعية‘ والأكثر ’أداءا‘". (علامات التنصيص حول كلمة "شرعية" تظهر
هكذا في نص التعاقد الأصلي). معهد تراينجل، بعيدا عن إنشاء نظام خماسي
المستويات للمجالس المحلية في جميع أنحاء البلاد، يخلق أيضا ويمول عشرات من
المنظمات الغير حكومية. كيف يحدد المعهد، وصاحب العمل، الحكومة الأمريكية،
ما هو "الأكثر شرعية"، فذلك يتضح من الطريقة التي ذهب إليها في تأسيس هذه
المجالس والطريقة التي حدد بها ما هو نوع المنظمات الغير حكومية التي
يدعمها. قال فريتز فايدن من مكتب المعونة الأمريكية لمبادرات الانتقال، "ما
نحاول صنعه، هو تحديد هذه الجماعات، وهؤلاء الزعماء الذين تستطيع العمل
معهم". (1)
معهد الأبحاث لم يدق
ببساطة على أبواب العراقيين "الموالين للاحتلال" المرحبين بخدمة المحتل. لم
تكن هناك طريقة عملية موحدة للاختيار. في قرية شيمايا بالقرب من مدينة
الصدر، سمح المعهد والعسكريين فعليا للسكان بالاقتراع، ولكن المرشحين كما قيل
وقتها تأكدوا من أن أقاربهم وأفراد قبيلتهم والأصدقاء فقط هم الذين يعلمون
بنبأ الاقتراع. لم تكن هنالك قائمة عامة بأسماء المقترعين. "نحن لم نكن
نعلم شيئا عن هذه الانتخابات. سمعنا فجأة عنها". هذا ما اشتكى منه احد
القادة القبائليين الذي اتهم رئيس المجلس الفائز بالمحسوبية والفساد. في
مدينة بلد، وهي مدينة إلى الشمال من بغداد، اتهمهم نبيل درويش محمد، احد
العمد الذي كان متعاطفا مع سلطات الاحتلال، بتزوير الانتخابات لمصلحة مرشحهم.
(2). وكما اعترف احد موظفي المعهد، كريستيان ارانديل، في منتدى أقيم
بكارولينا الشمالية: "دعنا نكن واضحين. لا توجد هناك انتخابات. يوجد جميع
أساليب الانتقاء". (3) مع هذه الأساليب، حتى برغم أن بعض القادة المحليين
يستشارون وفي بعض الحالات قد يحدث اقتراع فعلا، يكون القول النهائي للعسكريين
الأمريكيين، مسترشدين بمعهد الأبحاث.
كتاب الجيب لمجلس مواطني
بغداد الاستشاري نص بوضوح على أن أعضاء المجلس "قد يخرجون من مناصبهم أو
يستبدلون بلا أي مدة معينة في أي وقت بواسطة أي ممثل مخول من سلطة التحالف
المؤقتة أو القائد العسكري". في مدينة التاجي، كما في كل الأماكن التي طلب
فيها المعهد من مجموعة من العراقيين أن يختاروا لهم قادة، كان على رؤساء
المجتمعات المحلية الذين عينوا أنفسهم أن يتقدموا بقوائمهم إلى سلطة التحالف
المؤقتة من اجل التمحيص. بعد شهرين، طرد الجنود اثنين من البعثيين
المزعومين. "كانوا جالسين في الاجتماع، ودخل القادة العسكريون طالبين منهم
مغادرة المكان"، هذا ما رواه كمال رضا عضو مجلس مدينة التاجي.
حازم السهيل، الموظف
بمجلس التنمية وإعادة الإعمار الخاضع للبنتاجون، والذي كان يجلس في اجتماعات
مجلس مدينة التاجي كشريك من معهد تراينجل للأبحاث، كان فخورا بالقول أنه، "لا
يوجد إرهابيين، ولا مجرمين ولا لصوص في مجالس المدينة". في مجلس مدينة
بغداد، حيث يجلس أيضا مدير الإعلام بمعهد تراينجل، أمير تميمي، كعضو،
"الإرهابيون" محظورون.
طبقا لأقوال تميمي، معهد
الأبحاث نبه على أعضاء المجالس المحلية بطرد "الإرهابيين" – وهي كناية لن
يحددها – من خلال "الديموقراطية" عن طريق إسقاطهم في الاقتراع. وقد قام
الأعضاء بذلك.
قامت سلطة التحالف
المؤقتة، سابقا على عملية الانتقاء التى أجراها المعهد، بإلغاء كل المجالس
المحلية التي تشكلت بعد الحرب. قال بريمر، "أنا لا أعارض [الانتخابات]،
ولكني أريدها أن تسير في الطريق الذي يراعي اهتماماتنا". ثم قال موضحا، "في
مثل هذه الحالات، إذا ما بدأت الانتخابات، فالأرجح أن يكسب هؤلاء الناس من
الرافضين". (4) كان احد المسئولين الآخرين من سلطة التحالف المؤقتة أكثر
مباشرة عندما سأله الناس لماذا لا تعقد الانتخابات سريعا: "لا يوجد وقت كافي
أمام المعتدلين حتى ينتظموا". (5)
مهمة معهد تراينجل ان
يتأكدوا من غلبة القادة "الشرعيين" – وليس الرافضين ولا الغير معتدلين. هذه
المهمة تخدم الهدف الأوسع لبناء قاعدة اجتماعية من العراقيين الذين سوف
يتحملون احتلالا مستمرا تقوده الولايات المتحدة، من اجل إبعاد هذه الجماعات
الأخرى المعادية وغير المتعاونة. يشير توماس كاروزرس، مدير مشروع
الديموقراطية في الشرق الأوسط إلى أن، "وراء المصالح الجديدة للولايات
المتحدة في الإتيان بالديموقراطية إلى الشرق الأوسط توجد الإشكالية المحورية
في أن أكثر الحركات قوة وجماهيرية هي تلك الحركات التي لا نستريح نحن معها
بعمق". (6)
’الرجل المناسب‘
المؤسسة الوطنية
للديموقراطية (NED)، هي
المكملة لعمل معهد تراينجل للأبحاث، وهي هيئة شبه حكومية موعودة بزيادة في
تمويل الكونجرس لها بنسبة 100% وجاء هذا الوعد في خطاب جورج دابليو بوش عن
حالة الاتحاد في 2004. عبر كارل جيرشمان رئيس مؤسسة الـ
NED عن ملاحظاته لصحيفة واشنطن
تايمز قائلا، "هناك الكثير من التغييرات تحدث في [الشرق الأوسط]، ونحن نعرف
كيف نصل إلى الرجال المناسبون".
في نيكاراجوا في 1990،
كان الناس المناسبون هم أناس حزب المعارضة المحافظ الذي يقوده فيوليتا
تشامورو، الذي رشح أمام رئيس الساندينستا دانييل اورتيجا بحملة مولتها الـ
NED. (7) في فنزويلا في
ابريل 2002، شعرت الـ NED
أنها ترسي على الاختيار السليم بدعم هؤلاء الذين نظموا انقلابا فاشلا ضد هوجو
شافيز. (8) في العراق، الـ NED
مرة اخرى كانت مشغولة بالبحث عن الناس المناسبين. بينما
يجند معهد الأبحاث تراينجل الناس على مستوى القاعدي، كانت الـ
NED والمنظمات المنتسبة لها تطور
آلية لعدد من التشكيلات السياسية من المتوقع أن تدخل المنافسة على الانتخابات
الوطنية المخطط لها أن تنعقد في يناير 2005 أو لإشغال مقاعد المجلس التأسيسي
في موعده المحدد له أن ينعقد سلفا.
في بغداد، عدد من البيوت
تم ترميمه وتجديده حتى يصبح مراكز لأحزاب سياسية جديدة – الكثير من هذه
البيوت تم تأثيثها بواسطة الـ NED.
ولكن الـ NED لا تبعثر
ببساطة النقود فقط. منذ بداية الاحتلال، المنتسبون الى الـ
NED، المعهد الجمهوري الدولي (IRI)
والمعهد الديموقراطي الوطني (NDI)،
كلا منهما عقد ندوات لتنمية الأحزاب السياسية وحلقات نقاش بؤرية. ندوات الـ
NED، كما في برامج "تنمية
الأحزاب السياسية" التي ترعاها المعونة الأمريكية، تدرب العراقيين على أساليب
التخطيط الاستراتيجي، وبناء هياكل الحزب المحلية والإقليمية، وتجنيد الأعضاء،
وجمع الأموال من اجل الحزب والعلاقات مع الإعلام. هناك مستويات أرقى للتدريب
تتضمن استراتيجيات الاتصال الانتخابي، وتخطيط الحملات وتجنيد المرشحين. (9)
المعهد الديموقراطي
الوطني عقد جلسات من اجل تقييم نقاط قوة الحزب ونقاط ضعفه وتقييم طاقاته
المحتملة من اجل الاشتراك في الانتخابات. (10) المعهد الجمهوري الدولي ذهب
ابعد إلى الحد الذي انشأ فيه قاعدة بيانات للأحزاب، ومعلومات عن مواصفات كل
جماعة، ومناطق عملهم، وتقديرات لعضوياتهم. (11) على الأقل واحدا من هذه
الأحزاب، الحزب الجمهوري الحر، وضع لنفسه علانية برنامجا كنسخة عراقية من
الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة. (12)
في نفس الأثناء، خصصت
الحكومة الأمريكية تمويلا من خلال مسار مشترك مع الـ
NED، وهو مركز مشاريع القطاع الخاص الدولي (CIPE)
التابع للغرفة التجارية الأمريكية، لإنشاء جمعيات أعمال في العراق. يقول
تقرير المركز، "بالعمل كمنصة ترفع صوت مجتمع الأعمال في القطاع الخاص،
احتياجاته ومصالحه، الى متخذي القرار السياسيين، تساهم جمعيات رجال الأعمال
في نمو مجتمع مدني تشاركي وتنمية مناخ تنظيمي وسياسي مناسب لمشاريع القطاع
الخاص". واحدة من المنظمات التي أسسها الـ CIPE،
غرفة التجارة والصناعة الأمريكية العراقية، تعمل على "الترويج لاقتصاد السوق
الحر والنظام السياسي الديموقراطي". (13)
أفضل الممارسات
ترتيب المكتب في الطابق
الثاني من مبنى التاجي الإداري يوحي أن شخصا ما على درجة بالغة من الأهمية
يعمل هناك. أرائك مريحة للضيوف مصطفة محاذية للحوائط الثلاثة، وبحذاء الحائط
الرابع يقبع مكتب خشبي ضخم، وفي وسط الغرفة، هناك ثلاث طاولات صغيرة تحمل
الأطباق النحاسية التي يصطف عليها فناجين الشاي الصغيرة. معهد التراينجل
للأبحاث، بجوار بحثه عن أعضاء المجالس، يقوم بتجديد أثاث مكاتبهم. كان يوم
الأربعاء وفي، مدينة تنقطع فيها الكهرباء، ولا يوجد ماء من الصنابير لأوقات
طويلة، وتتراكم القمامة لعدم إمكانية التخلص منها، هناك آلاف المهام التي
تنتظر إتمامها. ولكن ليس هناك إلحاح في ما تجمع أعضاء مجلس التاجي في
المكاتب من اجل القيام به: تدخين السجائر وشرب الشاي.
يقوم أعضاء المجلس،
بالنسبة للغرض الذي خلقت المجالس من اجله، بمهمة جليلة. بلا أي سلطة على
الإطلاق – بلا سلطة على الميزانية ولا حتى على جداول الاجتماعات (14) – عمل
المجلس الرئيسي هو تلافي الانتقاد الموجه للعسكريين الأمريكان وخلق قنوات
أمام الطاقات السياسية للسكان في اتجاهات غير منذرة بالخطر.
في مدينة الصدر، على
سبيل المثال، مجلس الحي تم استعراضه لتهدئة الناس بعدما قصفت الهليكوبتر
الأمريكية هدفا له مغزى ديني. (15) في حي أبو النواس، طبقا لأحد أعضاء
المجلس، اسند للمجلس مهمة الانتقال من بيت لبيت من اجل جمع الأسلحة.
إلا انه، بعد توقف انفجار
القنابل (هذا إذا حدث من الأصل)، سوف ترغب الولايات أن ترى هذه الشريحة من
العراقيين يستحلفون الطلقات. وحتى تمكنهم من صنع ذلك، قادت سلطة التحالف
المؤقتة دورات تعليمية مكثفة في الريف حول المكونات المختلفة
"للديموقراطية". نظم معهد تراينجل للأبحاث ومتعاقدون آخرون عديد من
المنتديات وورش العمل حضرها أعضاء المجالس المحلية وقادة المنظمات الغير
حكومية. في النجف كان هناك ورشة عمل عن: "الديموقراطية الدستورية، إعادة
بناء المجتمع في العصر الديموقراطي". (16) عبر العراق، طبقا للنشرة الصحفية
التي تصدرتها سلطة التحالف المؤقتة، أنشأت "مراكز الديموقراطية القبائلية"
لتشجيع المشايخ وزعماء القبائل على حضور الدروس المطلوبة. كل أسبوع، بعد
طابور تحية العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، يمنح لمدرسي
"الديموقراطية" خمس دقائق لتدعيم مختلف المفاهيم. (17) في مدينة اربيل
الشمالية، حيث الدروس أكثر تقدما لحد بعيد، يشترك عراقيون من الحكومة،
والمجتمع المدني، والإعلام، ومجتمع رجال الأعمال في سلسلة من ستة أجزاء خاصة
بـ "عيادات التنمية الاقتصادية" من اجل تشخيص "الدور المحتمل لاربيل في
الاقتصاد الكوكبي". (18)
أي نوع من "الديموقراطية"
هذا مطلوب من المتدربين العراقيين أن يتعلموه؟ لاري داياموند، كبير خبراء
لسلطة التحالف المؤقتة ومدير مشترك للمؤسسة الوطنية للديموقراطية ( )، قدم
استعراضا في محاضرة بجامعة هيلا في يناير 2004. طبقا لنشرة سلطة التحالف
الصحفية، اخبر داياموند الحضور أن العنصر الأساسي "للديموقراطية"هو "اقتصاد
السوق" ومن بين أكثر الحقوق جوهرية هو حق الملكية – وجهة نظر تؤكدها هيئة
المعونة الأمريكية. هذا، بدوره، يستدعي نوعا من الديموقراطية لا تكون
المساواة الاجتماعية هدفا ضروريا فيه وربما تكون التفاوتات الاجتماعية فيه
ضرورة واقعية. كما وضعها صمويل هنتنتون:
"الديموقراطية السياسية
تتوافق بوضوح مع انعدام المساواة في كلا من الثروة والدخل، وفي بعض المعايير،
ربما تعتمد على مثل هذه التباينات... تعريف الديموقراطية بناء على الغايات
مثل الرفاهية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والإنصاف الاقتصادي الكلي هي
أمور غير مفيدة جدا". (19)
العراقيون، بينما يتشربون
هذه الدروس الجوهرية، سوف يكون عليهم إذا أن يتعلموا التفاصيل العملية. معهد
تراينجل للأبحاث مطلوب منه في التعاقد أن "يتعرف على، ويجهز وينشر أفضل
الممارسات في الحكم المحلي".
’خبرة مخصوصة‘
"نحن لا نقدم أنفسنا بوصف
أن لدينا نصيحة نعطيها لكم، أو أننا نقدم أنفسنا بوصف أن هذه هي الطريقة
الأحسن لصنع أي شيء... لدينا خبرة في كثير من البلاد صنعنا فيها أنواع مماثلة
من هذا العمل، ولذلك نحن نحاول أن نقول، ’في تجربتنا، هنا بعض من أفضل
الممارسات‘"، هذا ما شرحه احد المسئولين بالمعهد في إحدى مناسبات هيئة
المعونة في واشنطن. (20) سجل المعهد [المتعاقد] في عشرات البلاد، كما تم
تجميعها من وثائق هيئة المعونة الأمريكية ومعهد تراينجل، تشرح للعيان ما هو
المقصود بأفضل الممارسات.
في أوروبا الوسطى
والشرقية، انهمك معهد تراينجل في إدارة "العلاج بالصدمة" لدول الكتلة
السوفييتية السابقة، ناقلا الحكومات المحلية نحو اقتصاديات السوق المفتوح.
في روسيا، وأوكرانيا، وكازاخستان وقيرغستان، اشترك المعهد في خصخصة ما يزيد
عن 150 ألف مشروع مملوك للدولة. في أوكرانيا، "مستشارو" المعهد طوروا سياسة
لتسعير الخدمات المحلية. وفي رومانيا، حيث يفخر المعهد بنفسه لأنه امن سن
قانون جديد لتمويل المحليات، خلق المعهد جمعية من الموظفين المدنيين
بالبلديات و"قادهم" ليكونوا جماعة ضغط من اجل هيكل تشريعي وطني جديد للحكومات
المحلية عن طريق تدريسهم "أفضل الممارسات".
معهد تراينجل، عندما منح
ما اسماه "مساعدة عميقة الأثر" للوزارات المحلية والجمعيات البلدية من اجل
إنشاء سياسات لا مركزية مالية في بلغاريا، دفع الأمور لتمرير "قرار ميزانية
البلديات" و"قرار اقتراض البلديات". كان من دواعي فخر المعهد أن يكتب
تقريرا، وقد ادعى انه منح "مساعدة موضوعية غير منحازة"، عندما عمل - على
أساس يومي – مع المسئولين في وزارة المالية البلغارية لإخراج مسودتين لورقتي
سياسة عن اللا مركزية. في سعيهم لدفع خصخصة النظام التعليمي في بلغاريا،
ادعى المعهد أيضا انه قد ساعد على وضع معيار قياسي للتعليم الذي يحصل عليه كل
تلميذ بشرط ضمان استمرار التكلفة. في بولندا، طور المعهد برامج للتدريب على
إدارة منشآت المياه والصرف الصحي. ذهب المعهد بعيدا جدا، من اجل خصخصة
وإعادة هيكلة وكالة الإسكان في مدينة واحدة، لدرجة توفير نماذج لمواثيق شركات
بالإضافة إلى إجراءات اجتماع حملة الأسهم في الشركة الجديدة المخصخصة.
في اندونيسيا، درب معهد
تراينجل البيروقراطيين من اجل "إعادة هيكلة منشآت المياه لتتحول إلى كيانات
تهدف للربح" بإلزام سكان المدينة الاندونيسية دفع قيمة الخدمات. في باكستان،
تعاقدت هيئة المعونة الأمريكية مؤخرا مع المعهد لخصخصة النظام التعليمي في
البلاد. (21) في جنوب أفريقيا، يتفاخر المعهد بأنه وضع مسودة الملاحق
الدستورية للعام 2001 التي وقعها رئيس الجمهورية ثابو امبيكي حيث تسمح هذه
الملاحق للبلديات بالاقتراض. ادعت حكومة جنوب أفريقيا أن وحدة الاستثمار في
البنية التحتية بالبلديات، التي تساعد البلديات في الحصول على تمويل مشاريع
البنية التحتية لديها من خلال المشاركة بين القطاعين العام والخاص، كانت جزءا
من وكالة حكومية. لقد كانت، في الواقع، تنشأ وتدار بواسطة أشخاص من معهد
التراينجل للأبحاث. (22) قاد المتعهد [المعهد] تجارب استرشادية للإدارة
الخاصة في مجال التخلص من النفايات الصلبة في تونس.
أجرى معهد التراينجل عملا
مماثلا عبر منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى، بما فيها جواتيمالا والسلفادور،
بالإضافة إلى غانا، وهاييتي، وهندوراس، وسوازيلاند، وكوريا والبرتغال. هذه
التجربة الطويلة وفرت أسبابا للمعهد للإعلان عن واجهته في الأسواق. "لدينا
تجربة خاصة في المساعدة لتجهيز شراكة بين القطاعين العام والخاص على المدى
القصير والطويل لتمويل وإدارة الخدمات البلدية مثل المياه، والصرف الصحي،
والتخلص من النفايات، والطاقة والمواصلات"، هذا ما علق عليه موقع المعهد.
تكسير الجوز
من الواضح، مع وضع هذا
المسار في الاعتبار، ما هي الأمور التي تؤسس "أفضل الممارسات" بالنسبة لمعهد
التراينجل. ليس لدى المعهد، وهو يتقاضى أتعابه من هيئة المعونة، أي خيار سوى
إتباع التوجيهات التي يوضحها موقع وكالة المعونة: "ضمان وحماية الحرية
الاقتصادية تكمن في قلب أنشطة هيئة المعونة للإصلاح التشريعي والمؤسسي".
يعمل معهد التراينجل، بالتباين مع وكالة المعونة الأمريكية، بشكل متغير لفحص
وتدقيق الحكومات المحلية لتحويلهم إلى أشكال أكثر ترحيبا بالقطاع الخاص.
في العراق، لو استتبت
الأمور في نصابها، سوف يجلس أعضاء المجالس والمنظمات الغير حكومية سريعا
لتلقي دروس عن "أفضل الممارسات" للحكم المحلي والتوجه، كما فعل تلاميذ المعهد
السابقون، نحو قراءة مواد مثل تلك الأداة التي طورها البنك الدولي لمساهمة
القطاع الخاص في المياه والصرف الصحي. لو كان لاستخدام هذه الأداة أي مدلول،
حتى تطبيق الجداول الالكترونية المالية سوف يطالب العراقيون بإتقانه، فذلك
سوف يخدم غرض محدد: تقييم استحقاق وجدارة بلدياتهم. أعضاء المجالس المحلية
في كربلاء وبيروقراطيوها قد حضروا ورش للعمل في "الإدارة والمحاسبة وكتابة
التقارير من اجل تقديم خدمات ذات كفاءة وفعالية". (23)
عندما يبدأ العراقيون
فعلا العمل في إدارة نظامهم السياسي، سيكون المعهد معهم في كل خطوة يخطونها
في الطريق، ليمنحهم "المساعدة الفنية" في كتابة مسودات القوانين، ومساعدة
الوزارات على فهم الأحكام المعقدة واستخدامها في العمل مع هيئاتهم، وإمدادهم
"بالنموذج" في التطبيقات الدستورية، ويمنحونهم سبل الحصول على نصيحة
"المستشارين" المجانية، ويسلمونهم الدراسات "الفنية" وأوراق النظرات العامة
الشاملة عن موضوع من الموضوعات، وهكذا. طبقا لموقع المتعاقد، "حيث أن سلطة
التحالف المؤقتة ومجلس الحكم العراقي يتقدمان في جهودهما لدعم المؤسسات
الوطنية، ويقران ويطبقان السياسات القومية، ويضعان مخطط النظام السياسي لعراق
المستقبل. المعهد وشركاؤنا يعملون لضمانة أن قاعدة المعرفة التي تنتج من
الأنشطة الميدانية التي نقوم بها تساعد على وضع المعلومات اللازمة لاتخاذ
القرار". التعاقد مع المعهد ينص بشكل واضح على ان المعهد سوف "يقوي قدرات
المنظمات الغير حكومية... للدفاع عن مصلحة السياسات المحلية المفضلة".
تتحمل هيئة المعونة
الأمريكية الآم إقناع العراقيين بان التدابير التي تتخذ هي لصالحهم بأفضل ما
يكون، لان الهيئة من المفترض أنها تضمن أن العراق الجديد سوف ينجح مع
الاقتصاد الكوكبي. "العولمة والتكامل الإقليمي يفيدان البلاد بغض النظر عن
مرحلة التنمية الذين هم عليها"، هذا ما تؤكده وكالة المعونة الأمريكية
باستمرار. (24) وفي نفس الوقت، تسارع الهيئة إلى الإشارة إلى، أن هذا
النجاح سوف يعزز من الفوائد التي سوف تعود على الولايات المتحدة. "التنمية
الناجحة في الخارج تولد انتشارا للمنافع. إنها تفتح أسواق جديدة أكثر
ديناميكية لبضائع وخدمات الولايات المتحدة. إنها تولد مناخا أكثر أمنا وانسب
لاستثمارات الولايات المتحدة". (25)
إذا كانت العراق اليوم هي
"الاندفاع من اجل ذهب كاليفورنيا" الجديد، كما اسماها مدير القطاع الخاص
السابق في سلطة التحالف المؤقتة توم فولي، إذا فكتائب المتعاقدين من القطاع
الخاص الصامتة ويمثلها في ذلك معهد تراينجل للأبحاث، هذه الكتائب تحاول الآن
إقامة الهياكل التشريعية والمؤسسية لتضمن أن المحتل يجب أن يجني الذهب.
"ظروف الأعمال الخاصة تتحسن كل يوم في العراق، وتخلق بذلك فرصة أعظم لرجال
أعمال الولايات المتحدة من اجل استكشاف سوقا بلا أي حواجز تخيليا"، هذا ما
هلل به مستبشرا دون ايفانز وزير التجارة في احد المرات.
في المصلحة الوطنية
يطبق معهد تراينجل
للأبحاث والمتعاقدون الآخرون، في هذه الخطة الطموحة، ما قد تعلمته حكومة
الولايات المتحدة خلال العقود الطويلة من استخدام المعونة الأجنبية في دفع
"سياسات الإصلاح" في العديد من البلدان حول العالم. (26)
القبول الناجح بالسياسات
التي تدعمها الولايات المتحدة، طبقا لهيئة المعونة الأمريكية، تتطلب "إرادة
سياسية" تستطيع أن تأتي من ثلاثة مصادر: الدولة أو النخب الحاكمة، والمجتمع
المدني المحلي، والحكومات الأجنبية والمجتمع المدني. تعلمت هيئة المعونة
الأمريكية، أن التركيز على الدولة أو النخب الحاكمة فقط ليس كافيا. "حتى لو
الدولة أو النخب الحاكمة هي التي تقترح الإصلاحات – مثلا، خصخصة الصناعة
المملوكة للدولة، أو تحسين النظام الضريبي، أو محاربة الفساد والرشوة
والتهريب، مثلا – هذه الإصلاحات لا يضمن لها الاستدامة إذا لم يتعلم المجتمع
الحاجة إليها ويتم تعبئته من اجل تدعيمها"، هذا ما يشير إليه تقرير ’السياسة
الخارجية من اجل المصلحة الوطنية‘. هذا يشرح لماذا تهتم الولايات المتحدة
جدا بموضوع "المجتمع المدني". يعلق التقرير على ذلك بقوله، "الضغط المنظم من
أسفل، في المجتمع المدني، يلعب دورا جوهريا في إغراء النخب الحاكمة بالحاجة
إلى الإصلاحات المؤسسية من اجل تحسين طريقة الحكم". (27)
من المستهدف للمجتمع
المدني الذي ترعاه الولايات المتحدة، في حالة العراق، أن يلعب دورا مساندا
وداعما في حالة رفض الحكومة المنتخبة فعليا الاستمرار في تبني "الإصلاحات"
بعد رحيل الولايات المتحدة. يقول احد مسئولي المعونة الأمريكية، "ما نأمل
فيه... انه سيظل هناك تأثيرا معتدلا سيكون له اثره على الطريقة التي يختارها
الناس للتصرف على المستوى القومي". "الآن، نحن نعرف... أننا نقف على ارض
أحسن مما سبق لنا أن صادفناه نحو اعتدال بعض من التصرفات المتطرفة عند أهل
القمة". (28) لا تبدي هيئة المعونة الأمريكية أي إحساس بالعواقب: "إذا لم
يكن هناك أي التزامات سياسية للإصلاحات السياسية وطريقة الحكم، سوف تعلق
الولايات المتحدة المساعدات المقدمة للحكومات وتعمل فقط مع اللاعبين الغير
حكوميين". (29) إذا لم تعالج سفارة الولايات المتحدة السوبر الجديدة في
بغداد أمور صندوق إعادة الإعمار البالغ 18.4 مليار دولار كرافعة سياسية
لتسوية مثل هذا الأمور، فإنها سوف تمارس ما تسميه هيئة المعونة الأمريكية
"الحب العنيف". (30)
طبقا لنشرة المعونة
الأمريكية، "الإصلاحات" لا تنجح عندما يفشل "الإصلاحيون" في تنظيم كيانات
أوسع من "أصحاب المصلحة". هذا ما توصلت إليه المعونات الأجنبية. يقول
التقرير، "عندما تفتقد إرادة الإصلاح السياسية للإصلاح المنهجي، الشيء الوحيد
الذي تستطيع المعونة الأجنبية أن تفعله هو تدعيم الكيانات التي تسعى في
المجتمع المدني". (31) سوف تستخدم المعونة الأجنبية من اجل تعليم هذه
الكيانات السياسات المفضلة وتعلمهم خبرات البلاد الأخرى، وتحسن التنسيق بين
بعضهم البعض، وتحفز قدرتهم على ممارسة الضغط وتقديم أنفسهم كخبراء، وشن
الحملات من اجل الحصول على دعم أعظم. جماعات المصالح مثل النقابات، والغرف
التجارية، وجمعيات الخبراء بالإضافة إلى الإعلام يجب استهدافهم.
تشير هيئة المعونة
الأمريكية، إلى أن العنصر الحاسم في نجاح "الإصلاحات" هي الإدراك العام
"بالتملك". إقرار "الإصلاحات" يجب ألا ينظر إليها على أنها مفروضة من
الخارج، مثل سياسات الإصلاح الهيكلي التي يتبعها صندوق النقد الدولي أو
سياسات السلطة الاستعمارية المباشرة. من الهام أن تبدو "أفضل الممارسات"
التي يقوم معهد تراينجل للأبحاث بتدريسها للعراقيين، في نهاية الأمر، على
أنها من اقترح العراقيين أنفسهم.
’أبطال السياسة‘
ولقد طورت المعونة
الأمريكية، مسترشدة بهذه الحقائق، قائمة من المهام خطوة بخطوة لتحسين تلك
الاحتمالات القوية "للإصلاحات" التي يتم احتضانها بنجاح. الأولى من هذه
المهام هي ما تسميه هيئة المعونة "بالشرعية" أو وسائل التوصل إلى أن يقوم
الناس الذين يجب أن نراهم مالكين لهذه السياسات "بالشراء" لها. في هذه
المرحلة، على هيئة المعونة أن تلتقط الأفراد الذين تسميهم "أبطال السياسة"
الذين يمكن الركون إليهم من اجل التصرف كمدافعين رئيسيين عن هذه السياسة. من
المتوقع بالنسبة للمتعاقدين مع هيئة المعونة الأمريكية، بينما هم مستخدمين
"لجعبة أدوات المعونة لتنفيذ هذه السياسات"، أن يقوموا "بتحليل أصحاب
المصلحة" لان ذلك "سيساعد المدراء على تمييز الأفراد والجماعات الذين لديهم
مصلحة، أو سهما، في نواتج قرارات هذه السياسة".
يجب ان يحافظ المتعاقدون
مع وكالة المعونة الأمريكية، حتى ينفذوا هذا التحليل، على كتالوج من أصحاب
المصلحة وان يصنفونهم إما انهم أحزاب "مؤيدة"، أو "خصوم" أو "محايدة". عليهم
أن يكونوا أيضا قادرين على وضع أولويات "أي مجموعات هي المجموعات الأكثر
أهمية بالنسبة للمدراء حتى يسعوا لفرض النفوذ عليها". الطبعة الأكثر تطورا
للتحليل هي ما تسميه هيئة المعونة "وضع الخريطة السياسية" التي يجب أن توفر
دليلا جرافيكيا للساحة السياسية التي تواجه سياسة معينة. هذه الأداة "تسمح
بتقييم أكثر دقة للدعم والمعارضة التي تواجه تنفيذ السياسة وتسمح للمنفذين
تقصي كيف يمكن لأنواع متعددة من استراتيجيات التنفيذ أن تعيد ترتيب تحالفات
المؤيدين والخصوم". (32)
بشكل افتراضي، هذه
الخرائط السياسية معلقة في مكان ما بمركز قيادة هيئة المعونة الأمريكية في
المنطقة الخضراء المحصنة بإحكام في بغداد. ما هي الوسيلة الأفضل لتجميع
البيانات من اجل القيام "بتحليل أصحاب المصلحة" من انك تزرع في الوزارات، أو
انك تجلس في اجتماعات المجالس المحلية، أو انك تراقب الأعضاء والبيروقراط،
وان تكتب عنهم هذه الملاحظات؟ بشكل عارض يقع معهد تراينجل للأبحاث في ظل
تعاقد "لتطوير هيئة للمعرفة تكون جوهرية لتنفيذ برنامج فعال" عن طريق كتابة
التقارير حول جوانب متعددة للمجتمع العراقي، تتضمن "قيادة شرعية ومناسبة"
وكذلك كتابة تقارير عن "وضع الحكم المحلي". في وقت عندما كان المحافظون
العراقيون يختاروا بواسطة لجان الحصر والتقييم بدلا من الناس على اتساع
قاعدتهم، يجب أن تكون المعلومات التي يجمعها معهد الأبحاث من على الأرض ليست
فقط من اجل الوصول إلى نبض الناس ولكن أيضا من اجل تمييز "أبطال السياسة"
الذين سوف يخولون مناصب كبيرة في الحكومة ومن اجل تمييز الخصوم حتى يمكن
تهميشهم ومواجهتهم.
المهمة الثانية هي "بناء
الهيئات" أو "الحصول على دعم نشط من جماعات ترى الإصلاح المقترح كأمر مرغوب
وذو مصلحة" وان تميل المهمة إلى نية "تقليص أو تشتيت معارضة المجموعات التي
تعتبر التدبير الإصلاحي المقترح أمرا مؤذيا وضارا أو منذر بسوء العواقب".
(33) هنا، سيل ورش العمل والمؤتمرات التي تنظمها هيئة المعونة يصبح مفيدا
ليس فقط كمجرد دورات تعليمية ولكن أيضا لبناء إجماع وتطوير خطط مشتركة للعمل
بين "أبطال السياسة". كتب المعهد ملاحظاته من خبرته في أوكرانيا، "انه لمن
الأهمية الحيوية أن تنشأ جماعات من النشطاء في كل منطقة محلية". بناء
الإجماع أمر رئيسي لان، كما تشير المعونة الأمريكية، "كلما كان إجماع النخبة
لصالح إصلاحات الحكم اعرض ومستديم أكثر، كلما كان اثر برامج الديموقراطية
وأساليب الحكم يميل إلى أن يكون اكبر". (34)
’نقاط الدخول‘
بمعنى من المعاني، يجب أن
تجد المعونة الأمريكية والمتعاقدون معها الأمور في العراق أسهل. في معظم
البلاد التي كانت لهيئة المعونة مشروعات هناك، كان عليها أن تعمل من خلال
المؤسسات القائمة. كان على هيئة المعونة، وهي تواجه الظروف المعاكسة التي
كانت دائما خارج السيطرة، أن تنتهز فرص مثل الإصلاحات الدستورية، وتمرير
القوانين الجديدة، أو تنفيذ أحكام ولوائح إدارية جديدة من اجل دفع سياساتها
المفضلة. في مرادفات رطانة هيئة المعونة، يسمى ذلك "نقاط الدخول". تلقى
المتعاقدون مع هيئة المعونة تعليمات من الهيئة بان يبحثوا عن الوزراء
"المتعاطفين" في الإدارة الوطنية أو رؤساء اللجان البرلمانية التي لها أهمية
استراتيجية في السلطة التشريعية، بالإضافة إلى إنشاء جمعيات من المسئولين أو
الموظفين المنتخبين. هيئة المعونة تسمي ذلك "تعظيم الافتتاح الوطني". (35)
في العراق، "نقطة الدخول"
كانت الغزو. وكان "الافتتاح الوطني" هو الدولة المنهارة التي تخلفت عن دمار
الغزو. ليست هناك مؤسسات قائمة للعمل من خلالها؛ الولايات المتحدة تحاول
خلقها من الصفر. من حطام مبان الوزارات التي دمرها القصف الجوي والمنتشرة في
كل أنحاء بغداد تم وضع تصميمات وبناء لإدارات حكومية جديدة بواسطة سلطات
الاحتلال. "القادة الشرعيون" لا يفرزون ولا يتم اختيارهم، ولكنهم يصقلون
ويهيئون. في البلاد الأخرى، القائمون بالعمل من هيئة المعونة يجب أن يتملقوا
الحكومات أو أن يرغموها على الخضوع "لإصلاحاتها". في العراق، كانوا هم
الحكومة. برغم "نقل السيادة" في 28 يونيو، استمروا في ممارسة نسبة محسوسة من
السلطة على الحكومة المؤقتة. لم يعد هناك حاجة للعب مع القوانين العراقية
لان هذه القوانين، بشكل افتراضي، سوف تكتب على ألواح بيضاء ناصعة من البداية
بواسطة أول حكومة منتخبة. كل ذلك يصبح ممكنا بفضل الفرصة النادرة التي
وفرتها الحرب. في العراق، الخطوة الأولى لم تكن "اكتساب الشرعية" ولا "بناء
الهيئات التأسيسية". لقد كانت الخطوة الأولى هي إسقاط القنابل.
قيود التعاقد
ولكن الأمر لم يكن سهلا.
العنف الموجه نحو أعضاء المجالس المحلية المختارين بواسطة معهد التراينجل
للأبحاث هو فقط احد أقصى التدابير دراماتيكية التي تواجهها برامج المعونة
الأمريكية في العراق. في ابريل، المقاتلون المناهضون للاحتلال قتلوا الشيخ
مجيد العزاوي من مجلس الرصافة. رئيس المجلس الذي قال ذات مرة عن هؤلاء الذين
يقاتلون الجنود الأجانب، "انهم ليسوا مقاومة، انهم إرهابيون"، أصيب بجراح في
هجوم استهدفه.
في نفس ربيع 2004، أكثر
من ذلك، نفس الناس الذين تحسبهم الولايات المتحدة في عداد من يبشرون بالصبر
لأقرانهم العراقيين فرغ بهم الصبر. قال عباس من مجلس التاجي، "أنا أريد أن
ينتهي الاحتلال". وأجاب عند تذكيره انه لا يجب أن يتفوه بمثل هذه الأحاديث،
"لا أبالي إذا ما طردوني من المجلس". "في النهاية، سوف تغادر الولايات
المتحدة العراق"، هذا ما أكده رضا، الرئيس السابق للمجلس، مع ريبة مؤكدة في
نبرة الصوت. "نحن نعرف أن الأمريكان لا يقولون شيئا ما لا يعنونه". وما
زال، كما يحذر عباس: "الآن، نحن نصبر – ليوم، لشهر، لسنة. ولكن فجأة، من
يعرف متى ستأتي الثورة؟"
أعضاء المجالس ليسوا مجرد
ألعوبة. في حالات عديدة، ابتزت الولايات المتحدة عمليا المحليين بالتوقيع
للاشتراك في المجالس بإخبارهم أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيعون بها
الحصول على خدمات مثل الكهرباء والماء بالإضافة إلى أموال إعادة الإعمار
لبناء المدارس والعيادات الطبية. "في أول الأمر كنا لا نريد الجلوس إلى نفس
الطاولة التي تجلس عليها قوات الاحتلال"، هذا ما اعترف به رضا. ولكن باعتبار
المصلحة، قاموا بفعل ذلك.
استخدمت قوات الاحتلال
أيضا الخوف لتحفيز المحليين على الوقوف في صفها. من ناحية، لعب الاحتلال على
وتر استعادة حكم البعث إذا لم يتعاون العراقيون معهم. كما قال رضا: "أنا
أريد البقاء في المجلس المحلي لأنني إن لم افعل، سوف يرجع البعث". من ناحية
اخرى، سلطات الاحتلال تؤكد بشكل دائم التهديد الذي تلوح به الأحزاب الدينية،
ليظهروا أنفسهم كما لو كانوا المدافعين عن حقوق الإنسان – خصوصا حقوق المرأة
– والعلمانية. التزايد المفاجئ لمراكز المرأة ومنظمات المرأة الغير حكومية
ينتسب لجهود الولايات المتحدة العمدية لبناء الهيئات التأسيسية بين النساء.
بينما تذكي قوات الاحتلال
نيران خوف العراقيين، فهي تروح آمالهم باستغلال رغبتهم الفريدة في التمكن
الذي منع عنهم طيلة عقود. لا يوجد نقص في الناس الراغبين في اتخاذ مواقع
تمنيهم بفرصة ليكون لهم صوت في إدارة شئونهم الخاصة. بخلق شريحة من
العراقيين الذين يدينون بأوضاعهم لقوات الاحتلال، تنصب الولايات المتحدة من
نفسها كمركز السلطة الوحيد الذي قد يلجأ إليه السياسيون العراقيين من أصحاب
الطموح. في التاجي، على سبيل المثال، قيادات المجتمع كانوا مبدأيا مترددين
في ظهورهم كمساندين للاحتلال. كما يخبرنا بذلك عباس، "ولكن حينئذ كنا
مدهوشين لأنه لم يكن هناك مجموعة اخرى تدعي أنها تمثل الناس في التاجي وتتقرب
من الاحتلال. وهكذا ذهبنا إلى سلطة التحالف المؤقتة لنقول لهم نحن المجلس
الحقيقي".
صورة سلطة التحالف
المؤقتة التي تتخذها لنفسها كمحكم محايد أثبتت أنها ذات حدين: حيث أنها
استخدمت العراقيين كأدوات من اجل مصالح الولايات المتحدة، فإنها أيضا حرية أن
يستخدمها السياسيون العراقيون. حيث أنها بلا محالة سوف تأخذ جانب أي من
الانشقاقات المتنافسة، ستجذب الولايات المتحدة استهجان القسم الذي لم تأخذ
صفه. في أبو نواس، مثلا، حيث استطاع احد أعضاء المجلس أن يغري سلطة التحالف
المؤقتة بفصل احد الأعضاء الآخرين، كان الهدف الذي انصب عليه غضب هذا العضو
ليس مجرد من أغرى به ولكنه كان أيضا سلطة التحالف. "أين إذا الاختلاف بين
النظام القديم والآن؟ أين الديموقراطية؟" هذا ما نعاه العضو المفصول.
المؤسسات العراقية التي
شكلتها الولايات المتحدة، بسبب المصالح التي يستشعرون انهم يخدمونها، أصبحت
أهدافا استراتيجية للحرب الدائرة. مراكز الشرطة ومكاتب المجالس المحلية
أصبحت بشكل متزايد هي الأرض الخصبة لزرع المتفجرات. "لا احد في هذه البلدة
يحترم المجلس المحلي، لان الأمريكان التقطونا بأيديهم"، هذا ما يشتكي منه
بيركان خالد من مجلس مدينة سامراء. "إننا موضع احتقار، والمجلس التالي الذي
سوف يختاره الأمريكان ومن في خدمتهم هو أيضا سوف يكون موضع احتقار". (36)
من النهاية، برنامج "إعادة الإعمار" الأمريكي الطموح كان مقيدا بتناقض: احد
الأشياء التي تحتاجها المجالس لتبقى – الشرعية – هو الشيء الذي لا يمكنها
الحصول عليه. يشير مقتل العزاوي إلى السبب، برغم كل الطموح والتحديث الذي
يريده البرنامج الأمريكي في العراق، خطة تحويل العراق إلى "اندفاع كاليفورنيا
من اجل الذهب اليوم" قد ينهار فقط. برغم الدفعات القوية التي لا تضاهى من
سلطة التحالف المؤقتة للمستثمرين، مثلا، خطة خصخصة صناعات العراق قد تم توا
وضعها على الرف بشكل مؤقت وتم تقليصها بسبب أن المشترين الموجودين الآن هم
قلة من الشجعان.
في بداية ابريل 2004،
بينما تشتعل الانتفاضة التي تسبب في بدايتها حصار الولايات المتحدة للفلوجة
ومدينة الصدر، ألغى مجلس مدينة التاجي اجتماعاته الأسبوعية المنتظمة وأغلق
أبوابه. علقت لافتة على بوابة مبنى مدينة التاجي الإداري عليها ملاحظة قصيرة
تعبر عن دعم المجلس للانتفاضة. إنها لم تعد بعد جلسات لشرب الشاي.
هربرت دوسينا يعمل مع فوكاس على جنوب العالم، وهو مركز
لابحاث السياسات مقره بانكوك. في 2003-2004، امضى شهرين مع مركز "مراقبة
الاحتلال - Occupation Watch
" في بغداد.
1 Transcript of USAID Iraq Sectoral Conference,
Third Series, Local Governance Consultation, September 30, 2003.
Accessed online at http://www.usaid.gov/iraq/vid_live093003_t.html.
2 Wall Street Journal (Asia), November 25,
2003.
3 Chris Kromm, Rania Masri and Tara Purohit,
"Why No Democracy in Iraq?"
Counterpunch, February 23, 2004.
4 Washington Post, June 28, 2003.
5 New York Times, January 18, 2004.
6 Los Angeles Times, January 18, 2004.
7 William Robinson, A Faustian Bargain: US
Intervention in the Nicaraguan Elections and American Foreign Policy in
the Post-Cold War Era (Boulder, CO:
Westview Press, 1992).
8 Guardian, April 22, 2002.
9 Ronald Shaiko, "Political Party Development
and USAID," Democracy Dialogue (December 1999).
10 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, March 13-19, 2004.
11 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, February 7-13, 2004.
12 CPA Administrator's Weekly Governance
Reports, various dates.
13 Raad Ommar and Sabah Khesbak, "Conditions
and Expectation for Private Enterprise in Iraq," Iraqi American Chamber
of Commerce and Industry, undated report; Nick Nadal and Zaid Abdul
Hamid Abdul Moneim, "Iraq Trip Report," Center for International Private
Enterprise, internal memo, August 23-31, 2003.
14 Baghdad Citizen Advisory Council Handbook.
15 USAID Local Governance Consultation, op cit.
16 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, January 3-February 6, 2004.
17 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, February 28-March 5, 2004.
18 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, March 6-12, 2004.
19 Samuel P. Huntington, "The Modest Meaning of
Democracy," in Robert A.
Pastor, Democracy in the Americas: Stopping the
Pendulum, New York: Holmes and Meier, 1989, pp. 12-13.
20 USAID Local Governance Consultation, op cit.
21 Daily Times (Pakistan), February 19, 2004.
22 Public Services International, August 20,
2002. CHECK
23 CPA Administrator's Weekly Governance
Report, January 31-Febuary 6, 2004.
24 USAID, Foreign Aid in the National Interest,
p. 13.
25 Ibid., p. 2.
26 See William Robinson, Promoting Polyarchy:
Globalization, US Intervention and Hegemony (Cambridge: Cambridge
University Press, 1996), pp. 48-56.
27 USAID, Foreign Aid in the National Interest,
p. 48.
28 Transcript of USAID Iraq Sectoral
Conference, Third Series, Local Governance Consultation, June 19, 2003.
Accessed online at http://www.usaid.gov/iraq/vid_live061903_t.html.
29 USAID, Foreign Aid in the National Interest,
p. 10.
30 Ibid., pp. 50, 51.
31 Ibid., p. 48.
32 USAID Center for Democracy and Governance,
Policy Implementation: What USAID has Learned, pp. 11-12.
33 Ibid., p. 5.
34 USAID, Foreign Aid in the National Interest,
p. 48.
35 USAID, Decentralization and Democratic Local
Governance Programming Handbook, pp. 33, 35.
36 Robert Collier, "Democracy How?" The
American Prospect, March 1, 2004.
|