- السودان -

هل نستفيد من كارثة العراق في مواجهة الأزمة في السودان؟

خالد الفيشاوي

19 أغسطس 2004


فى نفس الموضوع:  

لنفس المؤلف:

 

 

ليس هناك لدى كل الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية الأساسية أي رغبة  في حل المشكلة السودانية. أمريكا والغرب يستغلان مشكلة دارفور في الضغط علي النظام السوداني وترويضه أو تعويضه...  والنظام السوداني يواصل انفراد المؤسسة العسكرية بالحكم واستبعاد القوي السياسية السودانية الأخرى ' ويستغل التهديدات الدولية في حشد التأييد العربي والإسلامي علي المستويين الرسمي والشعبي لدعم مواقفه‘...  بينما المعارضة السودانية ’خاصة المسلحة منها‘ تستعين بالقوى الدولية ’وتتشدد في مواقفها لتقويض النظام الحاكم‘.

حلقات شريرة ’ وقوى مستهترة ’ تدفع التناقضات للاحتدام، وتبدد الأمل في أي حل سلمي.

أما الشعوب، فتنتظر الذبح علي يد أي من أطراف قوى الشر المحلي والإقليمي والعالمي.

فجأة، وبعد أن أغمضت الولايات المتحدة وبريطانيا أعينهما لأكثر من عام عما يدور في إقليم دارفور، في الشهر الماضي فقط احتلت قضية دارفور اهتمام الأوساط العالمية ومؤسسات الإعلام، وتعالي الصياح حول ضرورة فرض عقوبات علي الحكومة السودانية والتدخل العسكري بدعوى توفير الحماية لسكان دارفور.

ورغم ما يقال أن هذه الحملة تستهدف من تسليط الأضواء علي دارفور، التغطية علي ما يحدث في العراق، أو التدبير الأشد ضراوة الذي تشهده المدن الشيعية علي يد قوات الاحتلال. أو أن هذه الحملة تستهدف تعزيز موقف الرئيس الأمريكي " بوش " في انتخابات نوفمبر، وكسب أصوات السود الأمريكيين من خلال دعمه للأفارقة السودانيين... أو إحكام السيطرة علي منابع النفط الأفريقي، حيث تنتج هذه المنطقة 345 ألف برميل يوميا، وجاري تنفيذ مشروعات لمضاعفة إنتاجها إلي 660 ألف برميل يوميا، ولا بد من قوات أمريكية لحماية أنابيب النفط من الهجمات.  هذا فضلا عن الحاجة الأمريكية الدائمة لإذلال بلد مستضعف لترويع العالم والمضي قدما في خطط الحرب.

كل هذا وارد...  لكن الأكيد أن إدارة بوش، واليمين الأمريكي دأب علي وضع السودان في قائمة دول محور الشر المستهدفة، منذ أيام "بوش الأكبر"؛ وأيضا في ظل إدارة الديموقراطيين.

أما الأمم المتحدة، فقد أصبحت بعد انهيار النظام الثنائي القطبية مجرد أداة من أدوات السياسة الكوكبية الأمريكية، تستدعيها أمريكا أحيانا لإضفاء شرعية ما علي تدخلاتها، و تستبعدها أحيانا أخري لتنفرد بتقرير ما تشاء وفعل ما تريد. استدعتها في السودان، ولم يرق لها الاتفاق الذي عقدته مع الحكومة السودانية، فدفعت مجلس الأمن للموافقة علي مشروع القرار الأمريكي، أو بالأصح الإنذار الأمريكي بحل المشكلة خلال شهر!!

والجميع يعلم أنها لن تحل خلال شهر...   ولا حتى خلال عام...   فالتقارير الدولية تؤكد أن الوضع الإنساني في دارفور بالغ السوء. حيث يصرح المدير المحلي لبرنامج الغذاء العالمي بأن بدء موسم المطر يؤدى إلي استحالة الوصول للمنطقة برا، ولا سبيل لوصول الإمدادات الغذائية ومواد الإغاثة إلا بالطائرات وهو الأمر الباهظ التكلفة. في وقت لا يتلقى البرنامج سوى 78.5 مليون دولار من  مجموع 195 مليون مطلوبة لعمليات الإغاثة لعام 2004 فقط. ومع نهاية هذا الشهر (أغسطس) لن يكون للبرنامج أية أموال تمكنه من الاستمرار. والأطراف الدولية والمحلية لا تعبأ بذلك، بل تستغلها لتأكيد فشل الحكومة السودانية في حل المشكلة.

في نفس الإطار، تؤكد منظمة أطباء بلا حدود في تقرير لها أن معدلات الوفيات في معسكرات اللاجئين بلغ حد الكارثة، نتيجة للنقص الحاد في المياه والغذاء والمأوى.

أما بلدان غرب أوروبا التي شاكست في مجلس الأمن  ورفضت الغزو الأمريكي للعراق...   فقد أبدت ليونة كبيرة في مجلس الأمن و أقرت مشروع القرار الأمريكي بإنذار الحكومة السودانية. ولا ينتظر منها أن تشاكس في الشأن السوداني، بل هناك مجالات للمشاركة والتعاون، فإيطاليا وبريطانيا وفرنسا لديهم مصالح نفطية في أفريقيا، وهناك حديث عن استخدام القاعدة العسكرية الفرنسية في جيبوتي في أية عمليات عسكرية منتظرة في السودان. أما بريطانيا، المستعدة دائما، فتشير صحيفة سانداي اندبندنت، إلي استعداد فرقة المشاة الميكانيكية الثانية عشرة، المكونة من خمسة آلاف جندي، للعمل في دارفور والانتقال للسودان عبر ليبيا وتشاد. وتؤكد الصحيفة ثقة المسئولين البريطانيين في المواقف الليبية الجديدة. بينما أرسلت فرنسا بالفعل المزيد من قواتها لتعزيز وجودها العسكري في تشاد، وانتقل غالبيتهم إلي منطقة الحدود مع السودان.

رغم الأهداف الأمريكية والغربية المتعددة والواضحة في السودان، إلا أن الوقائع لايمكن أن تبرئ النظام العسكري السوداني الحاكم، الذي جاء بانقلاب مدعوم من الجبهة الإسلامية في نوفمبر 1989، ليطيح بالنظام الديموقراطي، و الحكومة المنتخبة برئاسة "الصادق المهدي"، ورفضت أي حوار مع القوي السياسية والاجتماعية والقبلية والعرقية السودانية، وتصعيده للحرب في الجنوب، وتجاهله لأية مبادرات محلية أو إقليمية للمصالحة و إقرار السلم في السودان. حتى عندما أجبر علي تسوية سياسية مع الجنوب، بضغوط أمريكية ودولية، وطالبت القوى السياسية السودانية الأخرى بالاشتراك في المفاوضات، أكثر المسئولون في الحكومة السودانية صرح، بأنهم لا يتفاوضون مع أي قوة سودانية لا تحمل السلاح !!.. وكأنهم يدعون صراحة كافة القوى لحمل السلاح، وبالفعل استجاب البعض لذلك، ومنهم فرق وأحزاب كثيرة في شرق وغرب السودان.

أن المؤامرات الغربية والأمريكية ليست وحدها المسئولة عن احتدام الصراعات في السودان, فالنظام الاستبدادي الذي يرفض الاعتراف بتنوع وتعدد قوي المجتمع السوداني، ويرفض الاعتراف بحقوقها، ويقصر هوية السودان علي أنها عربية و إسلامية فقط، معاديا لمن هم غير عرب وغير مسلمين، وهم كثر. هذا التوجه و تلك السياسة هي المسئولة أساسا عن إشعال الصراعات في السودان، وتهيئة المناخ لأية مؤامرات دولية.

والأدهي، أن النظام السوداني لا يزال يتمسك بهذه السياسة، ويواجه التدخلات الدولية، ليس بتسوية سلمية شاملة بين قوى المجتمع السوداني، ولكن بالسعي إلي دعم عربي وإسلامي لسياساته. نفس الطريقة، ونفس السياسة التي اتبعها "صدام حسين" وباءت بالفشل، وجلبت المزيد من الكوارث.

إذا كانت قوى الدمار والحرب تحكم قبضتها علي السودان، وتدفعه للحرب، فلا يمكن تصور انفراج للأزمة السودانية التي طال بها الزمن، وذبح فيها ملايين من أبناء الشعب السوداني، ولا يزال المذبح متعطشا للدماء.

إذا كان هناك سبيل لمواجهة الأزمة، فأنه لا يعتمد علي أي من قوي الاستبداد الدولي والإقليمي والمحلي، التي لا تتدعم مصالحها إلا بالحرب و إشعال الصراعات المسلحة والأزمات... 

فهل يمكن تصور إمكانية بناء جبهة من القوي المضارة من الحرب، تعتمد علي القوي الديموقراطية المحلية في السودان، والحلف الدولي المناهض للحرب، لفرض نظام ديموقراطي يرعى مصالح كل الطوائف والأعراق والطبقات المهضومة الحقوق في السودان، ويواجه الأطماع الأمريكية والغربية في السودان...  هل هذا ممكن؟   هل في استطاعتنا السعي لذلك، أم نكتفي بلطم الخدود وندب الحظوظ، ودعم نظام استبدادي أخر في السودان بدعوى مواجهة الأخطار و المؤامرات الأمريكية؟


محرر في كفاية وصحفي مصري

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية