لقد كان يوما وليلة مثيرة. أمضيت حصة وافرة من الـ 24
ساعة الأخيرة مستمعا لشافيز متحدثا. تكلم الرجل كثيرا. ولكن دعني اشرح
لكم.
الخوف...
اهتمامي بفنزويلا بدأ مع
اهتمامي وعملي حول كولومبيا. بدا لي كما لو أن البلدين، المتصلين تاريخيا من
عدة أوجه، يعيشان اليوم تاريخين منفصلين تماما. أتذكر انقلاب ابريل 2001 في
فنزويلا واللحظة التي اعتقدت فيها أن فنزويلا سائرة إلى نفس الطريق شبه
العسكري، طريق النيوليبرالية المؤسسة على المذابح والاغتيالات. ولكن خلال
العامين المنصرمين هزم الفنزويليون محاولات متعددة لإغراقهم في مثل هذا
المصير.
ولكن يوم أمس علمت أنني
تجاهلت شيئا ما غير ذلك وهو أن تاريخ الثورة المضادة الدموي هو جزء لصيق من
تاريخ فنزويلا الخاص. ليلة أمس، في مسرح تيريزا كارينو الثقافي (وهو المسرح
الذي بناه أغنياء فنزويلا لاستخدامهم الخاص)، كان هناك حدثا مثيرا. حشد لنيف
وألف فرد من الشعب، معظمهم من الشباب، طلاب حقيقيون من أبناء الشعب، ليسوا من
النخبة، جاءوا بمناسبة إصدار الطبعة الرابعة من كتاب ألفه صحفي هو الآن نائب
لرئيس فنزويلا، خوسيه فيسنت رانجل. الكتاب، ’
Expediente Negra ‘، هو تحقيق عن انتهاكات حقوق
الإنسان التي ارتكبت أثناء سنوات "الديموقراطية" في فنزويلا. كان هنا تمرد
لحرب العصابات، في الستينات والسبعينات، وهو مثله مثل أي شيء آخر، تم قمعه
بوحشية – كامل السيناريو من اختفاءات، ومذابح، واغتيالات. احد الرؤساء صرح
علانية بتمسكه بالمبدأ المشهور "اقتله أولا، واسأل فيما بعد".
بالإضافة إلى غرابة كونه
مسرحا للنخبة امتلأ بأفراد من الشعب، الحدث في حد ذاته كان وقورا، كما
أتخيل. كان من السهل أن تفعل الخطأ: أن تقلب حدثا كان نوعا من الاحتفالية
إلى أسلوب لإحراز مكاسب سياسية. ولكن – وهذا ليس إنكارا أن المكاسب السياسية
قد أحرزت فعلا – قد تم تكريم الموتى. عديد من أعضاء عائلات الذين اختفوا
تحدثوا، وقصوا علينا رواياتهم. كانت هناك أحداث ثقافية، وجماعات موسيقية
فيما بين الأحاديث. ونعم، كان هناك شافيز، على الشاشة وبشخصه.
ظهرت صور للمختفين على
الشاشة. حملت عائلاتهم صورهم عاليا. أسماؤهم تليت علينا (البرتو لوفيرا،
اليخاندرو تيريرو، اندريس خوسيه رامون باسكير، خوسيه كارميلو ميندوزا، لويس
البرتو هيرنانديز...وآخرون وآخرون). لدي احد الموسيقيين في ذلك العصر، على
بريميرا، اغنية مكتوبة على كلام قاله احد القساوسة المشهورين أثناء صلاة
جنائزية لأحد القتلى منذ عقود مضت – "هؤلاء الذين ماتوا من اجل الحياة، لا
يمكن تسميتهم موتى" (مرة اخرى، شيئا ما مفتقد في الترجمة ولكن الفكرة قد
وصلتكم). عرضت الصور مع مونتاج لموسيقى علي بريميرا.
ما هي النقطة السياسية في
كل ذلك؟ حسنا، في بداية حديثي هذا قلت أن اهتمامي الأول في فنزويلا لم يكن
اهتمام شخص ما يبحث عن الثورة الحقيقية أو الطراز القادم للثورة – كان
الاهتمام، بدلا من ذلك، نوع من الخوف على حالة كانت على قرب من حافة الهاوية،
والحكم العسكري يسن سكاكينه وينتظر الفرصة لاستعادة النيوليبرالية. كنت أفكر
في كولومبيا – ولكن الفنزويليين لديهم ذكرياتهم الحية الخاصة بهم لكل ذلك.
وكل ذلك يبقى له معناه بالنسبة لمعسكر شافيز أن يذكر الفنزويليين بكل ما حدث
من قبل. شافيز لم يرتكب حوادث الاختفاء، والتعذيب، والمذابح، رغم اتهامهم له
بأنه ديكتاتور. الفنزويليون يعرفون ذلك. وكثير من الناس في المعارضة هم
الناس الذين شاركوا في كل ذلك. لذا فالصرخة أصبحت، "no
volveran" (انهم لن يعودوا!)
شافيز يتحدث...
انتهت الليلة بالكثير من
شافيز. أولا، لويس بريتو، واحد من الجيل القديم من اليسار الذي كان جزءا من
الحكومة، عرض علينا بعض شرائط الفيديو الهامة. قال، لهؤلاء الذين يتهموننا
بفرض الرقابة، دعني أذكركم بحرية الصحافة هذه. ثم عرض علينا شريطين لنائب
الرئيس الحالي، خوسيه فيسنت رانجيل، الذي كان في التسعينات شخصية تلفزيونية،
يحاول مقابلة شافيز في حوار، وكان شافيز وقتها في السجن بعد محاولته الإطاحة
بالنظام في انقلاب دبره عام 1992. في كلا المرتين، صادرت الرقابة الحوارين،
بطريقة فظة جدا، علامة "محظور رقابيا" باللون الأحمر وبخط عريض كانت ملصقة
على وجه شافيز وانتهت المحاولة.
ولكن بعدها، عرض بريتو
شريطا للقاء طويل مع شافيز أجراه معه رانجيل قبل فوزه في انتخابات 1998
بيومين. كان لقاءا مثيرا – أسئلة جيدة، وإجابات جيدة. سأل رانجيل عن السلطة
– انهم يقولون انك رجل يريد السلطة، يا شافيز... لماذا؟ قال شافيز، السلطة
ليست مثل كوب الماء الذي تشربه – إنها شيء تبنيه... أنا أريد بناء نوع جديد
من السلطة، سلطة ديموقراطية، سلطة شعبية.
بعد هذا الحوار الطويل،
نهض شافيز ليتحدث بشخصه. "سأكون مختصرا"، وبدأ، وقد كان، تكلم فقط لمدة
ساعة. روى قصة عن نفسه عندما كان في الجيش، وكيف كان شاهد عيان لواقعة تعذيب
لأثنين من الكامبسينو (مناضلي الفلاحين) حين كان برتبة ملازم في السبعينات.
حاول، وفشل، أن يمنع ذلك، ولكنه قرر حينئذ انه يجب أن يفعل شيئا ما. وروى
مزيد من الروايات الأخرى، أيضا، كلها تحاول الرجوع لنفس النقطة التي هي أن كل
هؤلاء الذين ماتوا محاربين من اجل التغيير لم يموتوا بلا جدوى، وان ما يجري
اليوم هو عملية بناء تقوم على تضحياتهم.
وتكلم المزيد...
وبعد ذلك، هذا الصباح،
فعلت ما يجب أن يفعله الصحفي الجيد مرة في حياته – ذهبت إلى مؤتمر صحفي
لوسائل الإعلام السائدة في القصر الرئاسي! نصب هناك سيركا فريدا للميديا.
عدة مئات من الناس، من وسائل الإعلام السائدة من كل أنحاء أمريكا اللاتينية،
وأوروبا، وبعض من أصدقائنا من الولايات المتحدة إلى جانب ذلك. فعلا، صديق
فنزويلا الطيب خوان فوريرو (اقرأ تقاريره في النيويورك تايمز عن كولومبيا
وفنزويلا لو كانت معدتك في حالة طيبة وتتحمل) كان جالسا جواري بمقعدين.
شاهدته يعلم صحفيا أمريكيا آخر عن كل تلك النقود التي ينفقها شافيز على أمور
خرقاء مثل التعليم، والرعاية الصحية، والبولوبيف الأرجنتيني. وصادف أن رأيته
يلكز صديقه الصحفي الأمريكي نفسه ويضحك خلسة عندما ذكر شافيز كم هو معيب نظام
التصويت الجديد وكذلك ماكينات فرز الأصوات (هذا جعلني اشعر قليلا بالقشعريرة،
فعليا، خصوصا بعد أن انتهزت فرصة قراءة مقال جريج بالاست الأخيرة... هل هم
يعرفون شيئا لا نعرفه؟ كل الجهات هنا يبدو أنها تحب الماكينات. أليس هذا
علامة أكيدة على أن أمرا ما يحدث خطأ؟)
الصحفيون الأمريكيون
(تستطيع أن تقرأ المزيد عنهم في ناركونيوز [Narconews]
– كان هنا في ذلك اليوم فريقا كبيرا من ناركونيوز) عرضوا أجواء التبرم
العالمي، والاستخفاف، والحكمة من السياسيين الذين يأخذون أحجاما مبالغا
فيها. كان هذا الاتجاه ملحوظا بشدة، إذا ما أخذنا في اعتبارنا السخافة أو
الشكوك التي يثيرها هؤلاء الصحفيون عندما يتعاملون مع حكوماتهم. ولكن، ربما،
أن هذا لم يكن مفاجئا.
على أي حال، سجل شافيز
ملاحظاته المعتادة في المؤتمر الصحفي: تكامل أمريكا اللاتينية، والمعارضة
للنيولبرالية، الانتصار شبه الكاسح في الاستفتاء، جاهزيته واستعداده لأي
’خروج على النظام‘، والتاريخ الطويل للولايات المتحدة في إثارة عدم الاستقرار
(مذكرا بشيلي عدة مرات) في المنطقة.
هناك نصين أفضل نقلهما عن
المؤتمر الصحفي هما كالآتي. أولا، عندما سؤل عما يأمله من الولايات المتحدة،
قال شافيز: "إننا نأمل في الكثير. نأمل فيما لا نستطيع تحقيقه مع الولايات
المتحدة من جانبنا؟ ما الذي لا نستطيع إنجازه في محاربة الفقر، في النضال من
اجل التعليم، في النضال من اجل الرعاية الصحية، في مكافحة الأمية عند
جيراننا؟ ما الذي لا نستطيع تحقيقه من اجل كل الأمريكتين، أو من اجل كل
العالم؟ سأكون أول من يتحالف مع الولايات المتحدة من اجل أشياء كهذه.
ولكننا لا نستطيع أن نأمل في ذلك. قرأت هذا الصباح أن الولايات المتحدة تجهز
لاجتياح النجف. بدلا من الانسحاب من العراق، كما فعلت أسبانيا، وبطريقة تصون
الكرامة، وكما قد فعلت بلاد أخرى من أمريكا اللاتينية، إنهم يرتكبون هذه
الغلطة الفظيعة، بنتائجها الرهيبة، التي هي أسوأ فعلا". وقد ذكر شافيز
الحضور أن فنزويلا كانت دائما معارضة للحرب في العراق وهي مستمرة في ذلك.
وقد ذكر هؤلاء الحاضرين أن سبب قفزات سعر البترول هو هذه الحرب، جزئيا.
القول الاخر الذي افضل
نقله هو قوله عن المخابرات المركزية الامريكية نفسها. عندما سؤل عن
المخابرات المركزية الامريكية، قال: "انتم تعرفون، انها مثل جيمس بوند. الان،
انا اهوى جيمس بوند. انا اعتقد ان افلام جيمس بوند التي مثلها شين كونري لا
مثيل لها. ولكن جيمس بوند الان ليس رائقا الان كما كان". (الترجمة التي
اسوقها ليست على هذه الدرجة من الدقة، سامحوني) "انظروا الى دراكيولا! هل
دراكيولا الجديد مخيف بنفس درجة دراكيولا الذي خلقه بيلا ليجوسي؟ سوبرمان؟
حتى باتمان، لم يعد مخيفا، وكذلك روبين! نفس الامر مع المخابرات المركزية
الامريكية. نحن، كعالم ثالث، كبلد متخلف، سجلنا شرائط للمخابرات المركزية
الامريكية وهي تعطي دروسا هنا في فنزويلا، أي ان، نحن قد اخترقناهم. اتصلت
بالسفارة الامريكية هنا لاسألهم ان يتوقفوا عن محاولة اختراق العسكريين عندنا
– انا اعرف العسكريين، عندما يدور شيء ما بينهم، انهم يخبرونني..." عندما
سؤل اذا كانت الولايات المتحدة سوف تعمل على اثارة القلاقل في فنزويلا، قال
من المحتمل انهم سوف يحاولون. "ولكنهم سوف يفشلون، مرات ومرات".
لنعقد صفقة؟
في الشوارع الليلة، هناك
مظاهرات. واحدة للمعارضة، معسكر ’نعم‘، التي تصورها شبكات التلفزيون الخاصة
كما لو أن مئات الألوف يقومون بها (ارجع لموقع "
venezuelanalysis.com " للنظر إلى صور مسيرة
القائلين بـ ’لا‘). وواحدة اخرى، حفلة الشارع في القصر، معسكر ’لا‘. انظر،
انهم لا يسمحون بحملات يومي الجمعة والسبت – لذا تلك هي آخر ليلة لشن حملات
جماهيرية (سوف نرى كيف سيكسرون هذا القانون أو يلوونه غدا...) أنا أقف في
المكان الخطأ، اكتب في حين يجب أن أكون في الشارع. ولكن، يجب أن اذكر أمرا
واحدا وهو أن وسائل الإعلام السائدة على الأرجح ستنقل خطاب شافيز اليوم.
هناك نبرة تريد أن تلعب
بالكرة: جاء ذكر صفقة خط أنابيب البترول مع شركة اوريب على لسان شافيز. نقل
شافيز عن الكثير من صحفيي ومحللي وول ستريت ذائعي الصيت الذين يتنبأون
بالفوضى، والذين يتنبأون بان انتصار شافيز سوف يأتي بالاستقرار للأسواق تلك
الأسواق التي، خصوصا أسواق النفط، تحتاج إلى الاستقرار الآن فورا، بينما لا
تملك المعارضة أي خطة ولا أي فكرة عن كيفية حكم البلد. في وسط بعض الأحاديث
الجادة حول التكامل في أمريكا اللاتينية، والتغييرات الدستورية الغير قابلة
للرجوع فيها فيما يتعلق بالإصلاح الزراعي، والإسكان، والتعليم، والصحة، التي
كانت قوة تعبئة وحشد ومقرطة، كان هناك أيضا هذا الإحساس، بان الحكومة تستطيع
العمل مع الشركات متعددة القوميات، وتستطيع العمل في المشاريع الضخمة،
وتستطيع التعاون في بعض المناطق. اعتقد أن الميديا السائدة سوف تتمسك بهذه
الأفكار.
الأيام التالية للتوقف عن
الحملات تعدنا بأنها سوف تكون أياما مثيرة. ربما تكون فرصة للخروج من منطقة
الميديا والتحدث مع بعض الناس.
نجح
هيوجو شافيز؛ الذين قالوا ’لا‘، حوالي 58% - الذين قالوا ’نعم‘ كانوا حوالي
42%. انتصار كاسح لشافيز، ولكن ماذا بعد. (المترجم:
18/8/2004)
|