- السودان -

السودان بعد العراق وقبلهما فلسطين:
أكلت يوم أكل الثور الأبيض!!!

عبد اللطيف مهنا

( كلنا شركاء ) 4/8/2004


فى نفس الموضوع:  

لنفس المؤلف:

  •  

 

انتهى قرار مجلس الأمن المتعلق بأزمة دارفور السودانية إلى دونما فرضٍ للعقوبات التي سعى إليها بدايةً في صيغته المتقرحة أصلاً قبل تشذيبه، لكن القرار ظل لا يستثنيها ضمناً في المستقبل، ويتوعد باللجوء إليها بعد شهر من صدوره، إذا لم يذعن السودان للإرادة الدولية حيال الأزمة.

سبق ذلك قولان لهما دلالاتهما، كان الأول، قد صدر عن وزير الخارجية الفرنسي، إبان جولة تفقدٍ له في الإقليم السوداني المعني، جاء فيه:

إنه لا خروج من الأزمة "بمعزلٍ عن السودان، أو ضد السودان، إنما مع السودان".

والثاني لوزير الخارجية الأمريكي، وهو يجول أيضاً لكن على بعض العواصم العربية، يعتبر فيه أن التدخل (العسكري) في غرب السودان "سابق لأوانه".

ويمكن، إضافةً لهذين الموقفين، التذكير بأن اللهجة البريطانية المتوعدة والملّوحة بإرسال خمسة آلاف جندي بريطاني إلى الإقليم السوداني قد بدأت في الخفوت قليلاً... هل ما تقدم يعني أن خطر التدخل الأجنبي الوشيك في هذا البلد العربي قد تراجع، وإنه وهو المثخن بجراحات المشاكل المزمنة قد نجا منه، ولو إلى حين؟

لايمكن فصل الأمر عن جملة من المعطيات التي قد لا يتجاوز تأثيرها في أفضل الأحوال فعل المسكّنات، مثل:

الخلافات التي تضرب أطنابها داخل مجلس الأمن، حيث عارضت، كما هو معروف، سبع دول فرض العقوبات، والتي يشتّم منها، نوعاً من العودة إلى ما يمكن تسميته بالخلافات الأوروبية الأميركية، التي شهدنا مثيلاً لها إبان التحضير لغزو العراق، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار الصراع الأمركوفرانكفوني على النفوذ في القارة السوداء المعروف. كما لا يمكن تجاهل عدم  استطاعة الأفارقة تجاوز أفرقة الأزمة إلى تدويلها قفزاً عنهم، وأن لا نبخس الممانعة العربية، وإن تواضع شأنها، خصوصاً التبرم المصري الذي أخذ أشكالاً لا تخفى.

وأخيراً لابد من عدم التقليل من أثر إعلان الحكومة السودانية التعبئة العامة لمواجهة هذا التدخل إن وقع، وإظهار النية في السعي لحشد بعض المعارضة في هذا المجال، بالإعلان عن نيتها الإفراج عن الدكتور حسن الترابي، وقيادات حزبه المعتقلة على نية المحاكمة، بتهمة علاقتها بالتحريض على تمرد دارفور ذاته. لكن لعل الأهم الأهم، هو أنه من الصعب جداً على دعاة التدخل، لا سيما بعد دروس المثال العراقي الطازج، حشد قوات أممية، أو متعددة، أو حتى متحالفة، وهناك طبعاً فرقاً بين هذه المسميات المختلفة، لوضع اليد الغربية على المصير السوداني المهدد أو المستهدف تحت يافطة استحقاقات تتسلح بذريعة إنسانية، أو مزاعم عن وقوع عمليات ابادة، أو تطهير عرقي فيه، لم يتوفر حتى الساعة دليل واحد عليها، خصوصاً في ظل تهتك جميع الذرائع الملفقة التي حشدت وسيقت لتبرير عزو العراق، مع بقاء تداعيات انكشاف زيفها سيفاً مسلطاً على رؤوس مختلقيها في كل من واشنطن ولندن، والتابعين لهما، وعلى الخصوص في استراليا، على سبيل المثال.

لكن، وبالرغم من هذه المسكنات وفق ما وصفنا آنفاً، هل يعني هذا زوال الخطر أم يعني تأجيله، أم التأني بحثاً عن مخارج أخرى، لم تتوفر بعد، لإنجاز هذا التدخل، أو ربما طمعاً في جني ثماره مجاناً، عبر الضغط والتهويل، دونما اللجوء الفعلي إليه، أي دونما دفع ثمنه أو مستحقاته عملياً؟!

للإجابة، لابد من التسليم أولاً بأن مسألة التدخل في السودان، أو أي بلد عربي آخر، لا يمكن فصلها بحالٍ من الأحوال عن ما يحاك للعرب من مخططات لا يمكن وصفها إلا بالاستعمارية. تستهدف أمة بكاملها، ولا تستثني قطراً من أقطارها، وتسعى أول ما تسعى إليه، وهذا في حكم المعلن، إلى إعادة تشكيل هذه المنطقة الهامة من العالم، الأمر الذي يبدأ كما هو ملاحظ بالأقطار الكبرى فيها، وأهمها، أي ذات الإمكانيات والقدرات الواعدة، مثل، الجزائر والعراق ومصر، والأخيرة بعد استهداف السودان منطلقاً أولياً لاستهدافها استراتيجياً، والبقية تأتي.

الأمر الذي يعيه حتى أبسط رجل في الشارع العربي، والذي لسان حاله اليوم هو: هل السودان يأتي بعد العراق، بعد أن كان سابقاً يقول: هل العراق بعد فلسطين؟!

كما لايمكن بحال، تجاهل سؤال آخر، هل أوقفوا الحرب في جنوب السودان، بعد اتفاق مشاكوس، الذي يعطي هذا الجنوب حق تقرير المصير بعد ستة أعوام، أي عملياً حق الانفصال، ليبدؤوها في غربه في دارفور، وربما فيما بعد في شرقه، حيث ململة البجا والانغستو، على شواطئ البحر الأحمر؟!

ما دور النفط، الذي كان اكتشافه واحداً من أهم أسباب تشجيع اندلاع حرب انفصال الجنوب مجدداً عام 1983، في ما يجري راهناً، أو يتم تصويره من أزمة متفاقمة في دارفور؟

لماذا يتم تجاوز الأفرقة، على سؤها، إلى الدولنة، تحت ذريعة إنسانية لم يتم استخدامها في نيجيريا، مثلاً، التي شهدت فظائع تطهير ديني وعرقي رهيبة هذا العام، وقد نتوسع فنذكّر بما حدث في مناطق البحيرات من ابادات عرقية، وآخرها في شرق الكونغو مثلاً؟

ما الدافع وراء تورط منظمات إنسانية مثل منظمة العفو الدولية في الانجرار إلى المساهمة في الحملة مثلها مثل الكونغرس الأمريكي، أو متحف المحرقة الصهيوني في نيويورك، وبعض المنظمات المسيحية المتعصبة، عندما أشارت في تقريرها إلى عمليات ابادة وتطهير عرقي، حتى دون أن تذهب هذه المنظمة الأممية المعتبرة إلى هناك فترصد ذلك، وتقدم للعالم أدلةً ملموسة على ما تزعم؟

ثم لماذا يتم تصوير ما يجري وكأنه صراع عرب ضد أفارقة، وتستحضر صورة تاجر الرقيق المغتصب لتلصق بالعرب السودانيين، وخصوصاً أن هذا يأتي في المقام الأول من قبل الماكينة الإعلامية لأعتى قوة في الأرض، والتي احتكرت وحدها أفظع عملية استرقاق منظمة عرفها التاريخ، استعبدت عبرها 60 مليون أفريقي، مات نصفهم وهم يبحرون مكبلين بالأغلال عبر المحيط الأطلسي إلى أماكن استغلالهم في الولايات المتحدة؟

هل استغلال هذه الصورة الملصقة بالعرب راهناً، وتشويه صورتهم، إلا محاولة خبيثة لصالح ستر عورة الوجه الأمريكي القبيح راهناً في العراق؟

إن ما يجوّز طرح هذه التساؤلات، التي تحمل ضمناً إجاباتها، التي لم يعد يختلف عليها اثنان في بلادنا، هو تجاهل دعاة ذرائع التدخل الإنساني انتقائياً، ووقتما يراد توقيت هذا التدخل، لجملة من الحقائق السودانية في دارفور، تلك التي تعاني فعلاً تهميشاً وسوء إدارة لا يغتفران، وأولهما، النزاعات القبلية التقليدية التي عرفها هذا الجزء من هذا البلد عبر تاريخه، بين الرعاة المتنقلين والمزارعين المستقرين، والنزوح المعتاد بحثاً عن الكلأ، والتنقل بفعل عوامل الجفاف المعروفة هناك.

وكذلك النزعات الانفصالية، التي تستدعي أيام مملكة دارفور والتي فتحت شهيتها وشجعت عليها تنازلات مشاكوس في الجنوب، لدرجة طرح الفدرالية على الطريقة الكردية العراقية، وحيث يجاهر الفصيلان المتمردان برفض الأفرقة لصالح الأمركة، ويطرحان شروطاً تعجيزية للتفاوض وينسحبان منه بانتظار التدخل الدولي. 

بالإضافة إلى الخلافات الحزبية السودانية، حيث عرف الحزبان التقليديان السودانيان الأكبران، الأمة والاتحادي، بانحياز الأول للعرب والثاني للزنج، ثم لاحقاً الخلافات والتنافس القائم في الإقليم، بين التيار الحاكم بشقيه الموجود راهناً في السلطة والمستبعد منها بزعامة الترابي. وأخيراً إن الإقليم بحد ذاته، كما هو حال أقاليم سودانية أخرى، يعج باللاجئين من الأوطان المجاورة، وهناك تداخلات أثنية هائلة مع الدول المجاورة وامتدادات مؤثرة مثل قبائل الرغاوة مثلاً، التي تحكم راهناً في تشاد.

ويعتمد الفصيلان المتمردان: تحرير السودان، والعدالة والمساواة، في أغلب قواعدهما على تلك القبائل، أي المقابل للدينكا التي يعتمد عليها غرنق في تمرد الجنوب، وبالتالي اضطرار الحكومة العاجزة لوجستياً إلى مواجهتهما باللجوء إلى ما يسمى الجنجويد أو الجن الخيالة، أو استحضار فكرة حملات النفير التي كان يتم اللجوء إليها في حرب الجنوب، وبالمناسبة، فإن نفر من قادة التمرد كانوا إما وزراء في حكومات النظام السوداني القائم، أو ساهموا في حملات النفير المشار إليها، وقاتلوا الانفصال في الجنوب!

ثم ألم يقم المتمردون في هذين الفصيلين بعمليات قتل وإحراق ونهب واغتصاب في حومة هذا الصراع الأهلي وليس الحرب الأهلية كما يتم تصويرها، لأسباب تتعلق، كما قلنا، بالتهميش وسوء الإدارة، وظروف الإقليم المشار إليها؟

لعل اللوحة المعقدة في هذا الجزء من هذا البلد العربي، ستزداد تعقيداً بفعل تحولها إلى منطقة صراع دولي استعماري، كما هو الحال بالنسبة للجسد العربي المنهك بلا استثناء، لكن من سمات هذا التدخل أنه يشكل بحد ذاته تعقيداً مضافاً، وربما لهذا يتم التعامل دولياً مع التدخل بحذر.

لكن وفي جميع الأحوال لا يمكن إعفاء كافة اتجاهات القوى السودانية في الحكم والمعارضة من مسؤولية الالتقاء لسودنة الحل لا جعله نهباً للاستخدام الخارجي سواء عن طريق الأفرقة أو الدولنة، كما أن المسؤولية العربية الغائبة حتى اللحظة، يجب أن لا تستثنى، لا سيما وإن ما يجري في السودان هو، كما قلنا، جزء لا يتجزأ من استهداف الأمة العربية بكاملها، التي تنهش اليوم أطرافها بعد أن تم نهش قلبها في فلسطين، خصوصاً بعد أن تفشت الانعزالية القطرية ففتكت بالإرادة العربية الواحدة، وأتت أعراضها القاتلة على عوامل التماسك المفترض بين أقطارها، تلك التي ينطبق عليها القول في الحالة السودانية، وقبلها العراقية: أكلت يوم أكل الثور الأبيض!

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية