- العسكرة والحرب -

ديموقراطية السوق الحر

توني سولو

21 أكتوبر 2004.

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

  •  

 

تلقن الولايات المتحدة وحلفاءها جيلا جديدا من شعوب كريمة مبدعة شجاعة درسا في كيف تقسو قلوبهم ضدهم عبر الشرق الأوسط الأوسط كله.  بينما يؤدي قتلة الجموع من جنود وطياري قتل الأطفال وتدمير العائلات في واشنطن، ولندن، وتل أبيب عملهم الكريه الجنوني، تأتي إلى الذاكرة سوابق عديدة.

مثل الإمبراطور الفارسي اكسركسيس في تراجيديا اسخيليوس "الفرس"، جورج بوش وحلفاءه آريل شارون، وتوني بلير، وجون هوارد، وسيلفيو برلسكوني والباقون، يلطخون الأرباب الأجنبية ولا يعرف لشرهم حدود.

ولكن الأزمنة تتغير، وبينما ينتحب اكسركسيس على قواده الذين سقطوا، لا يقلق جورج بوش راحته لمجرد أن يحضر مراسم إحدى الجنازات. بلاطيئا، ماراثون، سلاميس قد يكون انتهى ذكرهم منذ زمن طويل، ولكن بالنسبة لرواية ثيرموبايليء نستطيع أن نقرأ اليوم بسرور رواية الفلوجة.  لن تقرأ هذا التفسير للواقع في وسائل الإعلام السائدة.  ولكن حشود الهمج المدججين بأسلحة لا نظير لها، يعيشون اليوم نفس هذه الحقيقة بالضبط، كما عاشها الفرس ضد فرسان اسبرطة في بلاطيئا وضد البحارة الأثينيين في سلاميس.

في هذا المثل، يبدو أن جحافل البرابرة تصرفت ضد الحدود السياسية لقوة بلادهم العسكرية.  ربما من المناسب أن يكون هذا هو وقت إلقاء نظرة عبر مقاطعات الإمبراطورية في أمريكا اللاتينية، حين تصعد معدلات إنتاج وأسعار البترول بشكل لا هوادة فيه إلى قمم غير مسبوقة.  النخبة الافلاطونية الحاكمة في الكوكب تقع تحت ضغط الإصرار الشعبي المتنامي لتحقيق مستويات معيشة مريحة وقدراتهم الخاصة المتناقصة للحصول على الطاقة وموارد المياه والسيطرة عليها.  شيء ما يجب أن يستسلم.

نموذج ديموقراطية "السوق الحر" على الطراز الأمريكي – من العراق إلى هندوراس إلى هايتي.

في هندوراس جنة الماكيلا، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة تقريرا يقول أن 15 فردا يموتون يوميا من الجوع في هندوراس.  تعتقد منظمة الفاو (FAO) أن هناك توقعات جادة بان يتضاعف العدد خلال الشهور القادمة.  يعيش 44% من الناس هناك بأقل من دولار واحد في اليوم.  ولكن إذا ما قرأ المرء إحصائيات البنك الدولي، فمن الواضح إنها تعني أننا يجب ألا نشغل بالنا.

دخل الفرد في هندوراس هو ضعف دخل الفرد في نيكاراجوا المجاورة.  تستطيع هندوراس وهي تتضور جوعا أن تريح بالها بإحصائيات الاقتصاديات الكلية وهي ترى إن الحياة جميلة، تلك الإحصائيات التي يصدرها أرستقراطيو الفقر هؤلاء.  على أية حال، بلا شك أن جنودهم، العائدين توا من العراق، سوف يشرحون بكل سرور أنهم يحسبون أنفسهم من المحظوظين لأنهم منتفعين بالحرية التي هي من ’صنع الولايات المتحدة‘. (1)

في هاييتي، على مبعدة مسافة قصيرة من بالميروزا- سوتو كانو، القاعدة الأمريكية السابقة للدعم بالقوة الجوية المعادية للإرهاب، لا تستطيع أطقم المشارح والمستشفيات في العاصمة بور او برنس اكثر من ذلك ملاحقة أعداد الموتى التي يبعث بها إليهم القمع الذي تشرف عليه الأمم المتحدة هناك. (2)   كيف يبدو عصيا على الفهم ألا يثمنوا الامتياز الممنوح لهم للمشاركة في تحرير جزيرتهم من حكومتهم التي انتخبوها بأنفسهم.  كيف يبدو غير معقولا ألا يروا المنافع الواضحة في جمع الجثث المستمر، تلك التي نتجت من القتل في ظل القوى المحبة للحرية في الولايات المتحدة، وكندا، وفرنسا، بدعم قوي من رئيس البرازيل لولا وجلالة ملك الأردن السامية.

كم عدد القتلى في هاييتي الذي سيدفع إلى النهاية حتى يذرف بعض من العتاة الجبارين من الحكام الافلاطونيين قليلا من الدمع؟  بضعة مئات؟ بضعة آلاف؟ لا يمكن توقع أن يضيع الطبالون في وسائل الإعلام السائدة بضع ساعات من الإرسال على لغو فارغ.  ندين بما نعرفه عن أهوال البطش في هاييتي إلى حفنة من الصحفيين الشجعان بشكل خارق من أمثال كيفن بينا من موقع "المعلق الأسود" وكثير من الشجعان من أبناء هاييتي مجهولي الاسم.  في عدم تغطيتهم لهاييتي، بلغت وسائل الإعلام الإخبارية منحدرا جديدا – بعد العراق كان يبدو مستحيلا.  ولكنها الحقيقة مع أبواق الإعلام الإمبراطورية أن كل فضيحة يمكن أن يحدث في أعقابها ما هو أفظع منها.

كولومبيا وشيلي – معامل الولايات المتحدة لاجراء تجارب القمع

في كولومبيا، كارثة إمبراطورية اخرى منسية، الفوائد التامة للديموقراطية على الطراز الأمريكي هي متاحة لشعب ناكر الجميل منذ 40 سنة تقريبا.  حديثا فقط في السادس من أغسطس، اكتشفت ثلاثة آخرين من النقابيين، هذه المرة في قسم اروكا، الحقائق الجوهرية التي تبرز الحظ السعيد لبلادهم.  تم اغتيالهم على يد جنود "الريفايس بيتسارو" وهي الكتيبة الميكانيكية في الجيش الكولومبي المدربة والممولة من الولايات المتحدة.

مصرع هؤلاء ومصرع الزعيم الفلاحي بدرو موسكيرا في أكتوبر أكد مكانة كولومبيا كبطلة عالمية في قمع النقابات العمالية.  وهذا بدوره أكثر من مفسر لماذا توضع البلد في المرتبة الثالثة للدول التي تتلقى الدعم العسكري من الولايات المتحدة.  دافعوا الضرائب الأمريكيون ونوابهم بشكل واضح لا يعجبهم شيء قدر إعجابهم بالالتزام الفريد "بالتجارة الحرة" التي تظهر في ابادة العمل المنظم. (3)

في أوائل هذا العام، ولتأكيد نجاح الولايات المتحدة في حربها على المخدرات في بلادهم، قام رجال المنظمة الإرهابية " AUC " شبه العسكرية، الذين ينشطون الآن فعلا في تجارة المخدرات، بإلقاء خطب في الجمعية الوطنية الكولومبية.  العديد من هؤلاء المجرمين المسجلين، مثل سلفاتوري مانكيوزو، هم مطلوبون جنائيا أمام سلطات الولايات المتحدة.   احتج خارج الجمعية الوطنية، جمهور من الجاحدين أقارب بضع آلاف من الناس الذين قتلتهم هذه العصابات الإرهابية، وقد أحاطت بهم قوات البوليس الكئيبة وهي مدججة بالسلاح.

ومن اجل فضح المعايير الحقيقية لأهوال الجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة وحلفاؤها بشكل قانوني على المرء أن يذهب إلى شيلي.  هل تذكروا كيف تدافع أناس من أمثال مارجريت ثاتشر النموذج المثال لتوني بلير ومجرم الحرب الشهير هنري كيسنجر لحماية الديكتاتور التشيلي اوغستو بينوشيه من الإجراءات التي يستحقها عقب اعتقاله وهو يتسوق في متجر هارودز؟  الآن كشف التحقيق القضائي أن بينوشيه هو لص فاسد، اختلس من أموال الدولة في تشيلي ملايين الدولارات التي هربها إلى الخارج ليودعها بنك المختلسين المرموقين الكبار، بنك ريجز بالولايات المتحدة.  لم يستطع بينوشيه تقديم أوراق سليمة لتغطية هذه الأموال المنهوبة. (4)

والآن، أيضا، تتكشف الحقائق التفصيلية عن كيفية إصداره الأوامر لقتل واختفاء آلاف المعتقلين السياسيين.  اكتشف التحقيق القضائي شهادة مصورة ودليل مادي يظهر كيف أن الضحايا تم إغراقهم في البحر من طائرات الهليكوبتر التابعة للجيش في تشيلي في أوقات مختلفة من السبعينات.  بعض من الجثث التي تم قتلها، تظهر انه قد تم تعذيبها حتى الموت.  الآخرين تم استخراج جثثهم من مقابر جماعية في عملية عسكرية تتارية سميت باسم "سحب أجهزة التلفزيون".

في كلتا الحالتين، كانت الجثث مربوطة في أجولة.  كانت أطوال قصيرة من قضبان السكك الحديدية مثبتة فيهم حتى تمضي بهم إلى قاع البحر.  كانت هذه هي الطريقة التي أمنت لتشيلي الديموقراطية على طراز المافيا-الولايات المتحدة بواسطة المخابرات المركزية الأمريكية وعملائها المحليين.  هذا ما تعنيه الولايات المتحدة بالنسبة لملايين البشر في أمريكا اللاتينية.

احتجاج جماهيري باتساع القارة

عبر أمريكا اللاتينية، المزيد والمزيد من الناس يقررون انهم قد اخذوا كفايتهم من التشويه، والقتل، والحكومات الفاسدة التي تمولها وتشجعها الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والحلفاء الآخرين.  في بيرو، قذفت مظاهرات الطلبة مؤخرا بالحجارة المبنى الإداري لحليف الولايات المتحدة الرئيس توليدو.  في الإكوادور، الرئيس لوتشيو جوتيريز، الذي انكشف انه الكلب المدلل للقائد العسكري لجنوب الولايات المتحدة جيمس ت هيل، عاني وحزبه من خسارة ساحقة في الانتخابات البلدية هبطت بنسبة مقاعد حزبه إلى حضيض يهدد شرعية حكمه نفسها. (5)

في بوليفيا، يتبع الرئيس كارلوس ميسا خطوات سلفه المخلوع، مخفيا نوع من أوليجاركية تمثل شركات الطاقة الأجنبية.  تواجه حكومته سخطا عاما لمحاولتها بيع موارد البلاد بسعر رخيص لمن يقفون وراء الأوليجاركية البوليفية من الاجانب، بمن فيهم الرئيس البرازيلي لولا. (6)   في باراجواي، عمليات احتلال الأراضي التي يتم تنسيقها بشكل قومي تضغط على الحكومة من اجل اتخاذ إجراءات اقتصادية لمساعدة آلاف من عمال المزارع وعائلاتهم من اجل الحفاظ على أسباب رزقهم.

في الأرجنتين، تستمر حركة البيكتيرو في تحدي جهود الرئيس كيرتشنر من اجل إغلاق الخيارات المتاحة أمام المنظمات العمالية.  في أوروجواي، بلد آخر أنهك سكانه بسبب سنوات من الاقتصاديات الهراء للنيوليبرالية، وتظهر استطلاعات الرأي العام بشكل حاسم تفضيله للمعارضة اليسارية.  من المفترض إجراء الانتخابات الرئاسية في نهاية هذا الشهر، قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية بيومين فقط.

في كوستاريكا، انفجرت المظاهرات الهائلة ضد اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الوسطى والفساد المتعلق بالخصخصة.  الرئيس السابق ميجويل انجل رودريجز الذي كان من دعاة الخصخصة، اجبر على الاستقالة مؤخرا كسكرتير عام لمنظمة الـ OAS.  الآن عاد رودريجيز إلى كوستاريكا ليواجه محاكمة باتهامات تلقي رشاوى من شركة الاتصالات الفرنسية ’الكاتل‘.  أهالي كوستاريكا بلغ غضبهم أشده للفضائح التي تقول أن رودريجيز تلقى ما يربو مليون دولار من تايوان بينما كان رئيسا للجمهورية. (7)

في نيكاراجوا، المدرسون والعاملون في الصحة، ضحايا التخفيضات التي أملاها صندوق النقد الدولي على القطاع العام حاليا يهددون بعمل إضراب عام يشمل البلاد كلها.  انخفضت الأجور لأقل من النصف الذي يكفيهم لتلبية متطلباتهم الأساسية.  المظاهرات الأخيرة ضد الإجراءات التمهيدية لخصخصة المياه تشير بشكل مماثل إلى المعارضة النامية للأجندة التي يحاول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فرضها على شعب حالته مزرية.

الآن مباشرة، الرئيس النيكاراجوي انريك بولانوس يواجه إجراءا دستوريا لنزع الرئاسة عنه.  مكتب المراجعة العام اتهم الرئيس رسميا بأنه عن طريق التدليس استخدم ما يزيد عن 20 مليون دولار من أموال الحكومة حينما كان نائبا لرئيس الجمهورية من اجل تمويل حملته في الانتخابات الرئاسية التي كسبها.  هذا هو الرجل الذي امتدحه كبار ممثلي حكومة الولايات المتحدة علنا على سياساته التي تحارب الفساد. (8)

المشهد من فنزويلا

الشعوب لا تنسى.  انهم يتذكرون.  هل هناك أي عجب انه في فنزويلا، يعتقد المسئولون العسكريون الكبار أن الولايات المتحدة تضمد النشاط العسكري ضد بلادهم؟  قائد جيش فنزويلا ملفن لوبيز، سكرتير مجلس الدفاع الوطني، قال في ورشة عمل عامة عن آثار الهجوم المعادي لرجال حرب العصابات في كولومبيا المجاورة "وجود الأمريكيين الشماليين على الارض الكولومبية لتدريب المدنيين والقوات شبه العسكرية هو سبب للقلق في فنزويلا...  خطة باتريوتا (Patriota) للحكومة الكولومبية والولايات المتحدة هي دعم القوات المسلحة الكولومبية والقوات شبه العسكرية، برغم أن حكومة واشنطن بذلت جهودها لتحييدهم، ولكن مؤخرا جدا بدأوا في تدريبهم...  لدينا شكوك في أن القوات شبه العسكرية تنخرط في خطة باتريوتا".

زميله اللفتنانت كولونيل هكتور هيريرا قال، "الولايات المتحدة تحاول خلق نوع من خطوط مواجهة لزعزعة الاستقرار العسكري والاجتماعي من اجل تبرير تدخل الأمم المتحدة وزيادة الإنفاق العسكري على كولومبيا... نحن مدركون للنوايا خلف خطة كولومبيا، ليس فقط الموجهة لبلاد الجيران ولكن الموجهة لكل أمريكا اللاتينية وتأثيرات الخطة السلبية التي قد تحملها لفنزويلا". (9)

انتقام الأرباب

لا نعرف ما الذي كتبه اسخيليوس في كثير من أعماله المفقودة مثل بنات داناوس.  معظم مسرحياته دمرت بالضبط مثلما دمر غزو جورج بوش وتوني بلير الكنوز الحضارية في العراق.  ولكن يستطيع حدسنا بشكل أكيد تقريبا أن يرى ما لابد وانه موجود من علاقات بينية لصيقة بين الأشياء.  الجرائم الرهيبة المنبثقة من فقدان الاحترام للعدالة الجوهرية تستثير ردود فعل انتقامية هوجاء لا يمكن إدراك مداها الواسع.  ربما هذا هو السبب في أن معظم الناس لا يرتكبون جرائم رهيبة.  لدينا رهبة عقلانية من العدالة الأخلاقية.

أناس مثل جورج بوش واريل شارون، وتوني بلير وجون هوارد يعتقدون بوضوح انهم محصنون ضد البصيرة الأخلاقية للأغلبية التي تقوم على الحدث.   الامتداد المعاصر الذي يصنعونه لاسخيليوس هو أن استكبارهم المجنون يصبح دراميا فقط بالنسبة لضحاياهم.  مثل أدولف ايخمان أو هنري كيسنجر، هم في حد ذاتهم تافهون.  قصدهم الكريه هو انهم يحاولون ويجعلون من كل منا شركاء لهم.  لا نطيق أن نتركهم يصنعون بنا ذلك.

 


توني سولو هو ناشط يعيش في أمريكا الوسطى.  اتصل به عن طريق:  www.tonisolo.net

 

هوامش

1. www.argenpress.info.MUEREN 15 HONDUREÑOS POR HAMBRE CADA DIA 15/10/2004

2. http://www.zmag.org/content/showarticle.cfm?SectionID=55&ItemID=6438

3. http://www.rebelion.org/noticia.php?id=5912

4. http://www.rebelion.org/noticia.php?id=6135  and  http://www.chile21.cl/foro21/38/7.act

5. http://www.argenpress.info/nota.asp?num=015220

6. http://www.econoticiasbolivia.com (passim)

7. "Ticos indignados con Taiwan por grandes "pagos" a Rodríguez " AFP, ACAN-EFE 14/10/2004.

8. "Contraloría cierra salida al presidente Bolaños" La Prensa. October 13th 2004

9. www.aporrea.org, Iñaki Etaio. 17/10/04

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية