نشرت جريدة الشرق
الأوسط السعودية التي تصدر في لندن في عددها الصادر بتاريخ 19 أكتوبر
2004 حديثا طويلا مع الدكتور أحمد نظيف رئيس وزراء مصر تناول فيه بقدر من
الارتباك موضوع موقع المحطة النووية بالضبعة الذي تخطط حكومته لتحويله
إلى منتجع سياحي استثماري. ولقد درست جماعة المهندسين الديمقراطيين ما
جاء بحديث سيادته حول هذا الموضوع وخرجت بالملاحظات التالية:
1- منذ تسربت أنباء
الزيارة التي قام بها السيد وزير السياحة بصحبة محافظ مطروح ووفد أجنبي
مجهول إلى موقع مشروع المحطات النووية بالضبعة في 18 سبتمبر 2004 تناولت
العديد من الصحف الحكومية والحزبية والمستقلة أنباء هذه الزيارة والتعليق
عليها. إلا أنه من المثير للدهشة أن سيادته لم يكلف نفسه الرد في أي
صحيفة مصرية واختار صحيفة سعودية تصدر في لندن. وكان السيد وزير السياحة
قد ناقش نفس الموضوع في نفس الصحيفة السعودية بتاريخ 5 أكتوبر 2004. وإذا
كان للسيد وزير السياحة بعض العذر بحكم ارتباطاته التاريخية المعروفة فلا
عذر لرئيس الوزراء في تجاهل الرأي العام المصري والتوجه فقط لمخاطبة
الرأي العام الخارجي في قضية يعتبرها الشعب قضية وجود تتعلق بمستقبل مصر
وتوفير احتياجاته من الطاقة والمياه.
2- قال السيد رئيس
الوزراء في حديثه للجريدة السعودية " لم تغلق مصر الملف النووي. ولدينا
هيئة للطاقة الذرية بها مجموعة من العلماء. وهناك برنامج مصري في هذا
المجال يخضع لخطة موضوعية تشرف عليها وزارة الكهرباء. وفي نفس الوقت مصر
لديها التزامات دولية في هذا المجال تحافظ عليها". ويبدو أن سيادته يريد
أن يحصر استخدامات الطاقة الذرية في مصر في الأنشطة البحثية التي تقوم
بها هيئة الطاقة. وكان أولى بسيادته وهو رئيس الوزراء أن يعلم أن تحت
رئاسته أيضا – باعتباره رئيسا لوزير الكهرباء والطاقة – هيئة المواد
النووية التي تختص بالبحث والتنقيب عن المواد المشعة وتنمية مناجمها
وإنتاجها، وهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء التي تختص بكل ما يتعلق
باستخدام الذرة في مفاعلات القوى النووية لتوليد الكهرباء وتحلية مياه
البحر. فهل انتهى هذا التوجه؟ وما هو المقصود إذن بالملف النووي؟ كنا نود
لو أن السيد رئيس الوزراء وهو يعرف كمهندس معنى كلمة برنامج أن يوضح لنا
وللشعب المصري ما هي عناصر هذا البرنامج؟ وما هي التوقيتات التي يتضمنها
البرنامج لإدخال المحطات النووية في مصر لتوليد الكهرباء وتحلية مياه
البحر؟ وما هي الالتزامات الدولية التي وقعت عليها حكومات الحزب الوطني
المتعاقبة التي تحرم مصر من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتسمح
لإسرائيل بالاستخدامات العسكرية لها؟ بم التزمتم يا رئيس الوزراء؟
3- قال السيد رئيس
الوزراء في حديثه للصحيفة السعودية "عندما زار وزير السياحة الموقع قالوا
انه سيحولها لمنطقة سياحية، نحن لم نزل ندرس البدائل" وقال أيضا "وما حدث
هو محاولة استغلال لموقع معين كان وما زال حتى هذه اللحظة مخصصا لإنشاء
محطة الضبعة" وبالطبع فالمعنى واضح وهو أنهم يدرسون تحويله إلى موقع
سياحي وكان وزير السياحة أوضح في حديثه لنفس الصحيفة قبل أسبوعين من حديث
رئيس الوزراء إذ قال "أدعو هؤلاء الذين يهاجمونني إلى زيارة الموقع
للتأكد من
انه ارض فضاء ليست به أية مشروعات وليس من اختصاصي
تحديد إنها لمشروع نووي أو غيره ولكنني كلفت بدراسة الموقع هل ينفع لنشاط
سياحي مستقبلا فوجدته يصلح".
أي أنه هناك نية للاستيلاء على الموقع الوحيد المتاح حاليا والمؤهل
لإنشاء محطات نووية في الساحل الشمالي. فمن هي الجهة التي كلفته؟ وهل
لهذا ارتباط بالالتزامات الدولية التي أشار إليها السيد رئيس الوزراء؟
وإذا كان الملف النووي – كما نفهمه – لم يغلق كما أشار سيادته فأين سيتم
إنشاء المحطات النووية إذا كانوا على حد تعبيره يدرسون استغلال موقع
الضبعة في السياحة؟ هل تم الاتفاق مع أمريكا على نقل الموقع إلى سيناء –
وهو مطلب أمريكي منذ الستينيات – كي يكون في متناول إسرائيل أو ربما
لإنشائه بالشراكة معها؟ هل هذا هو حال الملف النووي الآن وقد أصبح في
أيديكم؟
4- يبدو أن الحكومة
تحاول خلط الأوراق بالحديث عن محطات نووية بدل من الحديث عن موقع مخصص
ومؤهل لإنشاء محطات نووية فلم تتحدث الأنباء في الصحف عن وجود محطة نووية
ولم يتحدث أي من الخبراء الذين تحدثوا في الندوة التي عقدت بنقابة
الصحفيين في 12 أكتوبر 2004 عن وجود محطات نووية ولكنهم أوضحوا ما يعلمه
السيد رئيس الوزراء عن الخطوات التي تتم لاختيار مواقع المحطات النووية
والتأكد من صلاحيتها لإنشاء محطات نووية آمنة واقتصادية وتكلفتها والبنية
الأساسية الواجب توافرها في هذه المواقع والتي تمت كلها بالنسبة لموقع
الضبعة بتكلفة تصل إلى نصف مليار جنيه مصري أي أنه قد تم اختيار موقع
الضبعة وتأهيله لإقامة محطات نووية بعد دراسات مستفيضة ومكلفة وان موقع
مشروع المحطات النووية بالضبعة هو الموقع الوحيد المتاح حاليا والمؤهل
لإنشاء محطات نووية. ولا يمكن الجزم بصلاحية أي موقع آخر إلا بعد إجراء
نفس الدراسات التي أجريت لموقع الضبعة والتي ستستغرق نحو خمس سنوات
ويتوقع أن تصل تكلفتها إلى مئات الملايين من الجنيهات المصرية، ناهيك عن
تكلفة إنشاءات بنية أساسية كتلك التي أنشئت في الضبعة. ودون أن نكون
خبراء في السياحة نستطيع أن نقرر أن أي مكان على سواحل مصر الممتدة من
رفح إلى السلوم على شاطئ البحر المتوسط ومن السويس إلى رأس حدربة على
ساحل البحر الأحمر على الحدود المصرية السودانية يصلح للسياحة. ولكن
السؤال هو لماذا من بين هذه المساحات الشاسعة يتم التركيز على 15 كيلومتر
فقط هي طول الموقع الوحيد في مصر المؤهل لإنشاء المحطات النووية على
الساحل؟ هل لن تتم هذه النهضة السياحية الموعودة إلا بعد تدمير إمكانيات
مصر الحالية والمستقبلية في دخول العصر النووي؟
5- يتحجج رئيس
الوزراء ووزير سياحته بأنه لا توجد أي منشآت نووية في الموقع وهذا صحيح
فرغم كل ما أنفق على الموقع لتأهيله وتزويده بالبنية الأساسية اللازمة
لمرحلة الإنشاءات فلم يبدأ المشروع بعد توقفه عام 1986. ولكن السؤال هو
لماذا يا سيادة رئيس الوزراء لم نبدأ في تنفيذ البرنامج النووي طوال هذه
السنوات؟ لماذا وقد كان برنامج وزارة الكهرباء يتحدث عن إنشاء ثمانية
محطات نووية عملاقة قدرة كل منها 1000 ميجاوات حتى عام 2000؟ لماذا نبدد
مواردنا من الطاقات الناضبة من البترول والغاز الطبيعي التي تعد مادة خام
لا بديل لها في الصناعات البتروكيماوية ولا نستخدم الطاقة النووية في
توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر؟