- العراق -

الإجحاف في ترسيم حدود العراق

 وجدي أنور مردان

23/7/2004                 


بعد العدوان العسكري الثلاثيني الغاشم على العراق عام 1991، أعتمد مجلس الأمن القرار المرقم 687 (1991)، الذي يعد أقسى قرار يصدر بحق دولة عضو في المنظمة الدولية. أن ما يهمنا من هذا القرار لأغراض هذا المقال، هــو القسم ( ألف) منه والذي نص على إجراءات ترسيم الحدود الدولية بين العراق والكويت.

 فبعد أن أشار القرار في ديباجته إلى الحدود المبينة في رسالة رئيس وزراء العراق المؤرخة في 21 تموز/يوليو 1932 والتي وافق عليها حاكم الكويت في رسالته المؤرخة في 10 آب/ أغسطس 1932، نص في فقراته العاملة على ما يلي:

  1. يطالب بأن يحترم العراق والكويت حرمة الحدود الدولية وتخصيص الجزر، على النحو المحدد في "المحضر المتفق عليه بين دولة الكويت والجمهورية العراقية بشان استعادة العلاقات الودية والاعتراف والأمور ذات العلاقة"، الذي وقعاه، ممارسة منهما لسيادتهما، في بغداد في 4 تشرين الأول /أكتوبر 1963؛ وسجل لدى الأمم المتحدة؛

  2. يطلب إلى الأمين العام أن يساعد في اتخاذ الترتيبات اللازمة مع العراق والكويت لتخطيط الحدود بين العراق والكويت، مستعينا بالمواد المناسبة، بما فيها الخرائط المرفقة بالرسالة المؤرخة 28 آذار/مارس 1991 الموجهة إليه من الممثل الدائم للمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية لدى الأمم المتحدة، وأن يقدم إلى مجلس الأمن تقريرا عن ذلك في غضون شهر واحد؛

  3. يقرر أن يضمن حرمة الحدود الدولية المذكور أعلاه وأن يتخذ جميع التدابير اللازمة حسب الاقتضاء لتحقيق هذه الغاية وفقا لميثاق الأمم المتحدة؛

وفيما يلي نص الموقف العراقي بشأن هذه المسألة الحيوية، قدمه إلى الأمين العام للأمم المتحدة خلال الجولة الأولى من الحوار الذي جرى بين وفد العراق والأمين العام للأمم المتحدة للفترة 26-27 شباط، فبراير 2001. نضعه كاملة أمام العراقيين الشرفاء للإطلاع على مدى الإجحاف والظلم الذي ألحقته الأمم المتحدة بالعراق وشعبه، في سلسلة لم تنقطع من المظالم والاجحافات، كان آخرها إضفاء الشرعية الدولية على احتلال العراق واغتصابه ونهب ثرواته.

أن حقوق العراق التاريخية في أرضه و مياهه الإقليمية حق ثابت لشعب العراق لا يمكن لمجلس الأمن أو أية قوة، مهما تعددت أوصافها أو مسمياتها، أن تتلاعب به أو تتصرف فيه. لأن حق الأرض غير قابل للتصرف وأن إلحاق الضرر بالعراق بهذا الشكل المجحف ليس من مصلحة الكويت ولا يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، لأنه ما ضاع حق وراءه مطالب، فالشعب العراقي سيطالب بحقه مهما طال الزمن أو قصر.

لقد تعامل مجلس الأمن مع مسألة الحدود بموجب الفصل السابع من الميثاق مسجلاً بذلك سابقة غير معروفة حتى الآن. ولهذا السبب، صوتت كوبا ضـد القرار 687 (1991) فيما امتنعت الإكوادور واليمن عن التصويت.

ومما ينبغي استذكاره في البداية أن مجلس الأمن كان قد طالب العراق والكويت في  القرار660 (1990) "بالبدء فوراً بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما"، التي من بينها يعد حل المسألة الحدودية  الأكثر أهمية. وبموجب الأحكام المذكورة آنفا، اعتمد مجلس الأمن إجراء مغايراً تماماً.

ومن جهة أخرى، أن مما ينبغي ملاحظته أن مجلس الأمن قد حشر نفسه من غير سابقة في مسألة الحدود بين العراق والكويت من خلال القسم (أ ) من القرار 687 (1991)، لا من خلال فرض "صيغة التحديد" فقط وإنما أيضا بفرض "أسس" و "أسلوب" رسم الحدود.

وبالنسبة لأسس رسم الحدود فرض مجلس الأمن مصادر لذلك من خلال استخدام تعبير "مادة مناسبة" مدرجاً ضمنها خارطة بريطانية مرسومة في عام 1989-1990 من قبل مدير عام المساحة العسكرية في المملكة المتحدة وقد تم تداولها كوثيقة من وثائق مجلس الأمن بناءً على طلب الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في رسالته المؤرخة 28/آذار/1991، أي بعبارة أخرى قبل خمسة أيام من اعتماد القرار 687 (1991).

وفي ما يتعلق "بأسلوب" ترسيم الحدود دعا مجلس الأمن الأمين العام للأمم المتحدة في الفقرة 3 من القرار 687 (1991)" إلى "تقديم مساعدته في إجراء التدابير مع العراق والكويت لترسيم الحدود بينهما" طبقاً لأسس ترسيم الحدود التي فرضها، وتقديم تقرير إلى مجلس الأمن بذلك في غضون شهر واحد.

قدم المستشار القانوني للأمم المتحدة مشروع التقرير الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة إلى الممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة في نيويورك في 17/نيسان/1991. وقد قدم العراق ملاحظاته على هذا المشروع في الرسالة التي بعث بها بتاريخ 23/نيسان/ 1991رسالة وزير الخارجية إلى الأمين العام للأمم المتحدة (الوثيقة أس/ 22558 (1991).        

يمكن إيجاز ملاحظات العراق على النحو الآتي:-

  • عدم توفر أي أساس قانوني لاعتبار مجلس الأمن الخارطة المشار إليها في القرار 687 أساسا لترسيم الحدود بسبب عدم إشراك العراق في رسمها وعدم اعترافه أو إقراره بها بأي شكل من الأشكال. وعليه فأن إدراج مجلس الأمن هذه الخارطة في المادة المناسبة لأغراض ترسيم الحدود كان يعني حكماً جرى تصوره سلفاً بشأن مسار خط الحدود على الأرض وقبل المباشرة بعملية الترسيم.

  • اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أن تتألف لجنة ترسيم الحدود من خمسة أعضاء، منهم اثنان يمثلان العراق والكويت وثلاثة خبراء مستقلين يختارهم الأمين العام للأمم المتحدة الذي يعين احدهم رئيساً للجنة، وان تتخذ قرارات اللجنة على أساس أصوات الأغلبية وان تكون هذه القرارات نهائية، وان تكون اللجنة مسئولة أمام الأمين العام. وقد لاحظ العراق أن تلك المقترحات لا توفر التوازن التام بين الآراء التي قد تعتمد من قبـل كل طرف من الأطراف خلال عملية الترسيم، وانه طالما لا يكون له أي دور في اختيار الخبراء فانه لن يكون قادراً على التأكيد مسبقاً على حقيقة استقلالهما. ومن هنا فان رأيه في سياق عملية الترسيم سيمثل من قبل عضو واحد فقط من أصل خمسة أعضاء.

  • إضافة إلى ما نص عليه القرار 687 (1991) بشأن الأساس الذي تعتمد عليه عملية ترسيم الحدود، قدم الأمين العام للأمم المتحدة أسسا أخرى تم التعبير عنها بطريقة غامضة وغير مقررة من قبل اللجنـة، مثل أن تستفيد من "التكنولوجيا المناسبة" و "ستتخذ التدابير الضرورية لتحديد وفحص المادة المناسبة ذات الصلة بعملية ترسيم الحدود".

  • اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أن يتحمل العراق نصف تكاليف عملية الترسيم. وقد دفع هذا الأمر العراق، في ضوء فرض أسس وأسلوب الترسيم، إلى التحري بشأن أساس هذا الرأي خصوصاً وانه لم يعر أي اعتبار لرأي العراق في مجمل عملية الترسيم، ومن هنا فانه، من وجهة النظر هذه، لا يمكن إيجاد تبرير يعتمد العدل والأنصاف يدعم فرض دفع التكاليف المذكورة على العراق.

  • وبالرغم من ذلك، أكد العراق استعداده الكامل لأجراء المشاورات الخاصة بالملاحظات التي أعلن عنها، سواء كان ذلك في نيويورك او أي مكان آخر، وعزمه على التعاون مع الأمين العام طبقاً للقرار 687 (1991) حتى ولو لم تؤخذ وجهات نظره بعين الاعتبار بسبب استمرار الظروف نفسها التي تفرض الامتثال على العراق.

أجاب الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته المؤرخة في 30/نيسان/1991 ( الوثيقة أس/22558) على الملاحظات ووجهات النظر التي أبداها العراق. وقد اعتمد الأمين العام في إجابته على نص القرار 687 (1991) فيما يتعلق بأساس الترسيم وكأنه لم يكن معلوماً لدى العراق، وعبر للعراق عن تأكيده بأنه سيكون حريصاً على ضمان حيادية الخبراء. وأحال الأمين العام  إلى لجنة الترسيم مهمة تفسير بعض الأفكار الغامضة في أسس الترسيم بحجة أن تفسيره هو يؤثر على استقلال عمل اللجنة. وأوضح أن اشتراك العراق في اللجنة من شأنه تمكين العراق من التعبير عن وجهات نظره وعليه فانه تحتم عليه تحمل نصف تكاليف عملية الترسيم. وبمثل هذه الإجابات لم ينجح الأمين العام للأمم المتحدة في وضع يده على المسألة الجوهرية لملاحظات العراق ووجهات نظره. وكانت المسألة الأساسية في موقف العراق هو أمله في إن يسعى الأمين العام للأمم المتحدة، في ضوء قيام مجلس الأمن بفرض صيغة تعيين الحدود وأسس ومصادر الترسيم،  لضمان العدالة والإنصاف في ما يتعلق بنواح جوهرية معينة في عملية الترسيم، نخص بالذكر منها أسلوب تشكيل اللجنة وطريقة تنفيذ مهمتها الفنية وطريقة اتخاذ قراراتها وطبيعة القرارات المذكورة ومواصفاتها. ولتحقيق ذلك الأمل كان العراق قد دعا إلى إجراء التشاور، وهذه دعوة تم تجاهلها تماماً من قبل الأمين العام بعد تقديم مشروع تقريره بدون إجراء أية تغييرات إلى مجلس الأمن يوم 2/أيار/1991 (S/22558 ). ويبدو أن الأمين العام اعتبر ما قد فعله مع العراق تحقيقاً للتشاور المطلوب لغرض إنجاز ترتيبات ترسيم الحدود.

وفي ما يتعلق بالحدود البرية اعتمدت اللجنة أثناء جلستها الثانية التي عقدت في جنيف للفترة من 2-12/تموز/1991 عدداً من القرارات الحاسمة منها قرارات جوهرية وأخرى فنية والتي حسمت من خلالها الأسس الجوهرية لمسار الحدود البرية. وكان احد القرارات الجوهرية الأكثر أهمية التي اتخذتها اللجنة ذلـك القرار المتعلق بإنشاء منعطف في صفوان وهي نقطة تسيطر على مجمل مسار الحدود في الشمال وفي الاتجاه نحو الشرق. ومن الواضح أن الخبيرين المحايدين اعتمدا في تفسيرهما للاتجاه المذكور وفي تثبيت النقاط الجوهرية على اعتبارات خرائطية تستند بصورة جوهرية إلى المراسلات والخرائط البريطانية التي يعود تاريخها إلى الفترة التي كانت خلالها بريطانيا القوة الاستعمارية المهيمنة في المنطقة.

أجاب ممثل العراق في لجنة الترسيم على وجهات نظر الخبراء بإيضاح النواحي المتعلقة بتفسير معنى "صيغة تعيين" الحدود المنصوص عليها في عملية تبادل الرسائل لعام 1932 بين حكومة العراق وأمير الكويت، والنواحي الفنية المتعلقة بالتركيز حصراً على المواد الخرائطية التي من شأنها ان توفر مادة  ناقصة بشأن عملية الترسيم وكذلك سرعة اللجنة في اتخاذ قرارها بشأن المسائل الجوهرية على الرغم من مطالبات العراق الخاصة بأجراء دراسة متروية وتوفير الوقت اللازم  من اجل المساعدة في تقديم المادة العراقية المناسبة المتعلقة بالترسيم.

وبعد اعتماد اللجنة لقراراتها في ما يتعلق بالمسائل الجوهرية لترسيم الحدود البرية والمعيار الفني لعملية الترسيم والإجراءات الفنية التي ستنفذ في الميدان، واصل الخبراء تنفيذ تلك القرارات التي كان من بينها التحقيق بشأن نقطة انعطاف مسار الحدود في صفوان. لقد قام الخبيران المحايدان بتحري الموقع بطريقة تتعارض صراحة مع جوهر قرار اللجنة. لقد خول قرار اللجنة الذي تم اتخاذه في 11 تموز/1991 الخبراء بأجراء تحقيقات وجمع المعلومات الضرورية لتمكين اللجنة من اتخاذ قرارها الدقيق بشأن الحدود الشمالية. وقد ظهر أثناء الجلسة الخامسة للجنة ان ممثل الكويت وخبراءه رافقوا الخبراء المحايدين في تحقيقاتهم في منطقة صفوان بخلاف قرار اللجنة، وان هؤلاء الخبراء قد اعتمدوا على رأي الخبراء الكويتيين في تقرير وضع نقطة الانعطاف إضافة إلى المصادر البريطانية.

وهكذا، فقد شارك ممثلو السلطات الكويتية، على الرغم من حقيقة انهم يمثلون طرفاً له مصلحة مباشرة في هذه المسألة، في عمل ميداني كلف الخبراء بتنفيذه، وان قرار اللجنة لم يخول أي شخص بالسير على وفق هذه الخطوط.

ومما تجدر الإشارة إليه أن ممثل العراق في اللجنة ابلغ بهذا الوضع بعد إجراء التحقيقات التي جرت بشكل يتناقض ومبدأ حسن النية.

لقد توصلت لجنة ترسيم الحدود إلى قراراتها النهائية بشأن الحدود البرية في جلستها الخامسة المنعقدة في نيويورك للفترة من 8-16/نيسان/1992. بعد ذلك نقل العراق موقفه بالتفصيل بشأن قرارات اللجنة ومسألة الحدود بصورة عامة وذلك في رسالة بعث بها وزير الخارجية إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 21/آيار/1992 (S/24044 ).

ولمناسبة دعوة ممثل العراق للمشاركة في الجلسة السادسة للجنة التي كان من المقرر ان تعقد في نيويورك ابتداء من 15/تموز/1992، ابلغ وزير خارجية العراق الأمين العام للأمم المتحدة في رسالة مؤرخة في 12/تموز/1992 أسباب الاعتقاد بأن مشاركة ممثل العراق في اللجنة لن تجدي نفعاً. وقد اشتملت هذه الأسباب على النقاط المبينة في الرسالة السابقة المرسلة في شهر آيار وكذلك وضوح قرار اللجنة بتولي عملية ترسيم الحدود البحرية على الرغم من حقيقة أن تفويض اللجنة لم يتسع لشمول تلك المسألة. (الوثيقةS/24275 ).

أما بالنسبة لترسيم الحدود البحرية فقد ناقشت اللجنة هذه المسألة في جلستها الثالثة المنعقدة في جنيف للفترة من 12-17آب/1991. وخلال النقاش عبر رئيس اللجنة السيد مختار كوسوما أتماجا (اندونيسيا) عن وجهة نظره بأنه وفي ضوء طبيعة ومدى تفويض اللجنة فانه سيكون من الصعب التعامل مع ترسيم الحدود البحرية. وكان هذا يُعزوا إلى أن التفويض المذكور لم يخول اللجنة التعامل مع مسار الحدود في ما وراء نقطة ارتباط خور الزبير مع خور عبد الله (أي بعبارة أخرى، ما وراء تلك النقطة حتى البحر) ما لم توافق الأطراف على غير ذلك وان اللجنة لم يكن بمقدورها توسيع حدود تفويضها على مسؤوليتها الخاصة. وقد عبر الخبيران المحايدان عن تفهمهما لرئيس اللجنة. (لمزيد من التفاصيل، أنظر محاضر عمل اللجنة في الوثائق (IKBDC Mln 19,40,49 ).

وخلال الجلسة الرابعة للجنة المنعقـــدة فــي نيويورك للفتــرة من 7-16/تشرين الأول/1991، طلب ممثل الكويت منحه الفرصة للإدلاء بتصريح بشأن القسم البحري من الحدود خلال الجلسة القادمة للجنة. وقد قررت اللجنـة تأييد الطلب على أساس قواعده الإجرائية. وعندما ادلى ممثل الكويت بتصريحه خلال الجلسة الخامسة للجنة المنعقدة في نيويورك للفترة من 8-16/نيسان/1992 ناقش تفويض اللجنة وخلص إلى القول بأن هذا التفويض يشتمل على ترسيم الحدود البحرية. وبدلاً من الإعلان عن اختتام عمل اللجنة حول هذه المسألة بالموقف الذي اعتمده رئيسها والخبيران المحايدان خلال  الجلسة الثالثة للجنة والمشار إليه آنفاً اختار رئيس اللجنة الصمت.

وخلال الجلسة السادسة لعمل اللجنة المنعقدة في نيويورك للفترة من 15-24/تموز/1992، والتي لم يشارك فيها ممثل العراق بسبب الموقف العراقي الموضح مسبقاً، كرست اللجنة عملها لمناقشة تقرير اللجنة المرفوع إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، أدرجت السكرتارية مجدداً في مشروع جدول الأعمال فقرة حول مناقشة مسألة القسم البحري من الحدود. وقد دار نقاش ساخن حول هذه المسألة خلال الجلسة بين ممثل الكويت ومستشاريه من جهة ورئيس اللجنة من جهة أخرى. وكان سبب ذلك هو الضغط الكويتي على رئيس اللجنة والخبيرين المحايدين بغية حملهم على تبني موقف الكويت في ما يخص ترسيم الحدود البحرية. وفي الحقيقة، لم يتردد رئيس اللجنة في الكشف عن حقائق ساطعة حول أعمال الضغط على عمل اللجنة والتدخل فيه التي لجأ إلى ممارستها مساعد المستشار القانوني لسكرتارية الأمم المتحدة. ( لمزيد من التفاصيل انظر الوثيقة (IKBDC/Mln.51.PP 1-11 ) التي تتعلق بالمسألة قيد المناقشة.

وقد أصدرت اللجنة بياناً صحفياً يوم 24/تموز/1992 لوحظ فيـه ان النتيجة النهائية للجلسة السادسة هي "إجراء مزيد من التحري في القسم الخاص بخور عبد الله ومناقشته في جلسة أخرى تعقد لهذا الغرض في تشرين الأول". ومما تجدر ملاحظته أن البيان الصحفي تضمن توضيحات تبين بأن قرارات اللجنة المتعلقة بترسيم الحدود البرية لم تقتطع ام قصر وحقول نفط وأراضي من العراق. كما أوضحت وللمرة الأولى "ان لجنة الحدود ليست بصدد إعادة توزيع الأراضي بين الكويت والعراق وإنما هي تضطلع ببساطة بمهمة فنية ضرورية لترسيم الإحداثيات المضبوطة للحدود الدولية بين الكويت والعراق للمرة الأولى". ويبدو أن هذا البيان أدرج استجابة للتعليمات التي أمليت على رئيس اللجنة والخبيرين المحايدين فيها من قبل السكرتارية لغرض أن تكون هناك حاجة لتوضيح قرارات اللجنة مـن اجل مواجهة الاستياء الواسع الذي عبرت عنه الصحافة الغربية والعربية.

بعد ذلك واصلت اللجنة في جلستها السابعة المنعقدة في نيويورك للفترة من 12-16/تشرين الأول/1992 مناقشتها الحدود البرية في ضوء الدراسة التي قدمها الخبيران المحايدان. وقد طلبت اللجنة من الخبيرين مواصلة جمع المعلومات حول هذا الموضوع.

ومما ينبغي ملاحظته حصول تطورين مهمين في سياق الأحداث، الأول هو إرسال الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته المؤرخة 12/آب/1992 الموجهة إلى رئيس مجلس الأمن "التقرير الآخر" للجنة الذي أنجزته خلال جلستها السادسة.وفي ما يتعلق بالحدود البحرية أوضحت الرسالة: "بقدر تعلق الأمر بالحدود القريبة من الساحل فان المجلس قد يرغب في تشجيع اللجنة على ترسيم ذلك الجزء من الحدود بأسرع وقت ممكن لتستكمل بذلك عملها". وقد وردت هذه الإشارة رغم حقيقة أن السكرتارية كانت تعلم تماماً بان اللجنة لم تكن قد قررت بعد في حينه،  وعلى أساس تفويضها ما إذا كانت مخولة بترسيم الحدود البحرية، وعلى الرغم من حقيقة أن موقف رئيس اللجنة كان واضحاً بالنسبة لها… هذا الموقف الذي كان يشير إلى نزوع للاستقالة في حالة فرض المسألة على اللجنة. وقد عززت هذه الإشارة موضع النقاش الانطباع بأن ما كان قد تم اعتباره بالأصل من الأولويات هو لإرضاء الكويت والدول المساندة لها في مجلس الأمن التي خططت لإنهاء عمل اللجنة منذ البداية بصرف النظر عن وجهات النظر والآراء المغايرة. وعليه فأننا نجد انه في 26/آب/1992 تصرف مجلس الأمن بسرعة في اعتماد القرار 733 (1992) الذي رحبت الفقرة 3 منه بـ "قرار اللجنة للنظر في القسم الشرقي من الحدود الذي يشمل الحدود البحرية" وحث "اللجنة لترسيم هذا الجزء من الحدود بأسرع وقت ممكن لتستكمل بذلك عملها". وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن أشار إلى فكرة البيان الصحفي للجنة المذكور آنفاً بأنها ليست بصدد إعادة توزيع الأراضي بين الكويت والعراق، وأضاف إلى هذه الفكرة فكرة أخرى وهي أن عمل اللجنة"يجري تنفيذه في ظروف خاصة أعقبت غزو العراق للكويت وطبقاً للقرار 687 (1991) وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بتنفيذ الفقرة 3 من ذلك القرار (S/22558)". ان وضوح هذه اللغة المشابهة للرسالة التي تم بموجبها إرسال "التقرير الآخر" للجنة إلى مجلس الأمن ونص القرار 733 (1992) والمعلومات الأساسية الواقعية لمناقشات اللجنة تعبر بشكل لا لبس فيه وبدون أدنى شك عن الجهود المنظمة والمنسقة للكويت وجهات معينة في السكرتارية، علاوة على دول أعضاء معينة في مجلس الأمن لتوجيه عمل اللجنة خلافاً للتفويض الممنوح لها كما حدده مجلس الأمن نفسه في القرار 687 (1991) وتقرير الأمين العام طبقاً للفقرة 3 من ذلك القرار. ولقد أدى ذلك الجهد إلى النتيجة التي تم التنويه عنها تواً ودون بلوغ حد اللجوء إلى تعديل واضح لمعالم تفويض اللجنة وذلك لأن هذا الأمر من شأنه أن يكون في عداد فضيحة سياسية وقانونية سافرة. كما ألقى العمل المنظم ذاته والتنسيق الضوء على ما يظهر بشكل جلي في محاضر عمل اللجنة في ما يتعلق بالمواقف المتكررة لممثل الكويت حول استعدادها للعودة إلى السكرتارية ومجلس الأمن لاتخاذ الموقف المطلوب في أية مناسبة حينما تقدم وجهة نظر مغايرة لوجهة نظره.

وكان التطور الثاني يتعلق باستقالة رئيس اللجنة في 20/تشرين الثاني/1992 والتي أعلن عنها في رسالته الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 4/تشرين الثاني/1992 ورسالته المفصلة المؤرخة 6/تشرين الثاني/1992 الموجهة إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة. وقد أشارت هذه الرسالة إلى أن الاستقالة كانت لسببين أولهما "شخصي" أما الثاني فهو، بحسب ما جاء في نص الرسالة، " لقد تكونت لديّ منذ بعض الوقت تحفظات بشأن شروط الرجوع إلى اللجنة". لقد طرح رئيس اللجنة في رسالته كيف انه أثار "في مناسبات عدة مع المستشار القانوني"، بعض النواحي الخاصة بشروط الرجوع إلى اللجنة "وكيف انه جلب الانتباه إلى أن "الحدود في القسم البحري (خور عبد الله) لم يشر إليها بدقة في وصف الحدود كما تضمنه تبادل الرسائل لعام 1932، ولذلك فأن تعيين الحدود كان غير متاح" للجنة والتي يمكن أن تتم على أساسه عملية ترسيم هذا الجزء من الحدود". كما كشف كيف أن المستشار القانوني أوضح له في نيسان 1992 أن "أي تغيير في تفويض اللجنة من جانب مجلس الأمن هو خارج حدود هذه المسألة". كما لاحظت الرسالة أن هذه المسألة نوقشت مرة أخرى بين رئيس اللجنة والمستشار القانوني في آيار، ثم نوقشت مرة أخرى أيضا في اجتماعين عقدا بين رئيس اللجنة من جهة والمستشار القانوني والأمين العام من جهة أخرى في تموز وأيلول عام 1992 حينما أتيحت لرئيس اللجنة فرصة "وصف الموقف الذي جعل من المتعذر بالنسبة لي الاستمرار ما لم تجر هناك تعديلات لتفويض اللجنة". بعد ذلك أشارت الرسالة" ونظراً لادراكي انه من الصعب بالنسبة لي تغيير الشروط الحالية للرجوع إلى اللجنة، ولأسباب أخرى شخصية لم يعد لي أي خيار آخر غير تقديم استقالتي".

وعند استقالة رئيس اللجنة عين السيد نيكولاس فالتيكوس  ( اليونان) رئيساً لها وتم عقد الجلسة السادسة للجنة في جنيف للفترة من 14-16/كانون الثاني/1992، واتخذت اللجنة خلالها قراراً سريعاً  بان المبدأ الجوهري الذي يحكم عملية ترسيم الحدود في خور عبد الله ينبغي ان يكون الخط المار في الوسط مما يفهم منه أن هدف وغرض تسوية الحدود هو تسهيل مرور الملاحة لكلا الطرفين!

إن التدخل في عمل اللجنة والضغوط غير القانونية التي مورست عليها قد أدى إلى نتيجة تثير عدداً من التساؤلات القانونية، وهذه يمكن إيجازها بالآتي:

  1. إن صيغة تعيين الحدود التي اعتمدها مجلس الأمن كأساس لترسيم الحدود في القرار 687 (1991)، والتي تم التوسع فيها في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي قدمه طبقاً للفقرة 3 من القرار المذكور، لا تتضمن أية إشارة لوصف الحدود في خور عبد الله. وعلى هذا الأساس فأنه من المستحيل الاعتماد على تلك الصيغة في اية عملية ترسيم للحدود من النوع الذي قامت به اللجنة لأن الترسيم ينبغي ان يعتمد على وصف للحدود، أي بعبارة أخرى تعيين للحدود متفق عليه من جانب الأطراف المعنية.

  2. إن منطقة خور عبد الله لا يمكن أن تكون من نفس طبيعة المياه البحرية الإقليمية على أساس عملية تعيين الحدود التي اقرها القرار 687 (1991) بغية التمكين من تطبيق قواعد قانون البحار في تقسيم المناطق البحرية بين الدول التي تمتلك سواحل متقابلة أو متجاورة.    وحتى على افتراض أن منطقة خور عبد الله هي جزء من المنطقة البحرية الإقليمية،  فان هذه المنطقة تخضع لمفهوم "الظروف الخاصة" الذي أكده الخبيران المحايدان.   وعليه فان هناك مبرراً تاماً استناداً إلى اتفاقية قانون البحار، لعام 1982 لتعيين المنطقة البحرية على أساس آخر بدلاً من الخط المار في الوسط عندما لا يكون هناك اتفاق بين الأطراف على خلاف ذلك. إن القواعد التي يمكن تطبيقها في غياب "الظروف الخاصة" تكتسب قوة خاصة في قضيتنا وذلك لعدم وجود صيغة متفق عليها لتعيين الحدود بين العراق والكويت في خور عبد الله، بعبارة أخرى، أن عملية تعيين الحدود في هذه المنطقة تُجرى للمرة الثانية وهكذا يصبح من الممكن تطبيق قاعدة الظروف الخاصة.

  3. ان العراق يمتلك حقوقاً تاريخية في منطقة خور عبد الله التي لم تمارس فيها الكويت عمليات ملاحية ذات معنى، وعليه فأن المنطقة، كما جرى التنويه عنها في الفقرة 3 آنفاً، تقع خارج إطار تطبيق قاعدة الخط المار في الوسط طبقاً لاتفاقية قانون البحار لعام 1982.

  4. لقد انفق العراق على مدى عقود من الزمن ملايين الدولارات على عمليات كري وتوسيع وصيانة طرق الملاحة والقنوات الرئيسية والثانوية التي تؤدي إلى خور عبد الله وتمر من خلاله، وإقامة المواني والمراسي في المنطقة من اجل ضمان تدفق تجارته في البحر. أن فرض الحدود في خور عبد الله بالطريقة التي مارستها اللجنة قد شكل إنكارا خطيراً لحق العراق التاريخي في التمتع بمنفذ حر إلى البحر من خلال عمليات ملاحية آمنة وغير مقيدة في خور عبد الله والى الحد الذي يصبح معه العراق عملياً دولة برية مغلقة.

  5. إن صلاحيات مجلس الأمن ووظائفه بموجب الميثاق لا تمنحه الحق في فرض عملية تعيين حدود على دولة عضو وذلك لان هذه الصلاحية تخضع بموجب القانون الدولي لقاعدة الاتفاق بين الدول ذات العلاقة.

إن هذه المسألة لا تتعلق من وجهة نظر قانونية دقيقة بالقضايا التي تخص صيانة السلم والأمن الدوليين والتي تقع ضمن صلاحيات المجلس. وعليه فأن مجلس الأمن قد تصرف خارج إطار صلاحياته في هذه القضيـة، أي بعبارة أخرى خارج حدود وظائفه وصلاحياته بموجب الميثاق.

وإزاء هذا كله فقد سجلت الأمم المتحدة سابقة فريدة من نوعها بموجب الميثاق دون أن تعير الاحترام الواجب لمبدأ احترام السيادة الإقليمية للدول. لقد كان هذا المبدأ في الواقع مبدأ أكده المجلس ذاته في الفقرة التمهيدية الثالثة للقرار 687.


دبلوماسي عراقي سابق

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - كفاية