- الحركة الاجتماعية -

إسلاميو المغرب العربي.  .  تاريخ ومراجعات

  • إدريس الكنبوري
  • 24 فبراير 2004


    ظلت الحركات الإسلامية في منطقة المغرب العربي منذ نشأتها في الستينيات تتأرجح بين خطاب الإصلاح الدافع وخطاب السلطة الكابح، وقد عاشت جل هذه الحركات تجارب مريرة مع الأنظمة الحاكمة ودفعت أبناءها ثمنًا لخطابها المتحمس في مقارعتها للسلطة، في مرحلة كانت فيها المواجهة على أشدها بسبب الخطاب الهجومي الذي بلورته جل هذه الحركات على خلفية التقاطب الدولي بين المشروعين: الاشتراكي، والرأسمالي.   

    وبخلاف نظيرتها في المشرق العربي؛ فإن الحركة الإسلامية المغاربية -إن جاز استعمال المفرد للدلالة على مختلف التيارات- تشكلت في رحم المواجهة بين مفهومين للدولة الوطنية المستقلة: مفهوم الاستقلال في إطار الأصالة الحضارية، ومفهوم الاستقلال في ظل التغريب.   وشكلت قضايا الهوية اللغوية والخصوصية الثقافية والتحدي الفرنكوفوني والتعريب أجندة رئيسة لهذه الحركة، بخلاف الحركة الإسلامية في المشرق العربي التي لعب المشروع الصهيوني والصراع مع الفكرة القومية دورًا أكبر في خلقها، لذا تمحور الصراع مع السلطة حول المشروعية السياسية بالأساس، وكانت النزعة الانقلابية أكثر ما يميز الحركات الإسلامية في المغرب العربي. 

    ثم كانت المراجعة!

    لقد فرضت التحولات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية على الحركات الإسلامية في المغرب العربي منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات القيام بمجهود فكري ودعوي من أجل إعادة قراءة تجربتها في ضوء معادلة الفشل والنجاح، وبالتأكيد كانت عوامل الإخفاق أكبر من عوامل النجاح ما دامت هذه الحركات قد دفعت جزءًا من أبنائها في محرقة المواجهة اللا متكافئة مع الأنظمة الحاكمة التي أبقتها في مستوى رد الفعل السلبي، فيما تراجع خطابها العنفي والصدامي مع الحكم أمام الضربات المتوالية.   اختلفت هذه الحركات فيما بينها في جرعات المراجعة بحسب الظرفيات السياسية للبلد الواحد وتبعًا لدرجة المواجهة التي كانت قائمة، ولكن الطابع الغالب عليها جميعها هو التحول من الفكر الانقلابي الجذري إلى الفعل السياسي، ففي المغرب مثلاً أفادت أبرز حركتين إسلاميتين (وهما: العدل والإحسان، وحركة الإصلاح والتجديد) في بداية الثمانينيات من تجربة حركة الشبيبة الإسلامية التي دفعت نفسها ثمنًا للصدام مع النظام الملكي، وفي الجزائر أفادت جبهة الإنقاذ الإسلامية من تجربة العمل المسلح السابق لها، أما في تونس؛ فقد اختارت حركة الاتجاه الإسلامي بقيادة (راشد الغنوشي) التحول إلى حركة النهضة بعد مرحلة الاستنزاف التي عاشتها في ظل حكم (بورقيبة)، وفي الفترة التي كان يحدث فيها هذا التحول في نهج الحركات الإسلامية في البلدان الثلاثة، كانت الحركة الإسلامية في موريتانيا تتكون تدريجيًا من دوائر العلماء التقليديين والزوايا الدينية والرباطات الصوفية.   أما في ليبيا؛ فإن نظام العقيد القدافي فرض الصمت على الحركة الإسلامية الناشئة، ولم يكن هناك ما يبرر الحديث عن حركة إسلامية مؤثرة أمام الخنق الذي كانت تجابه به. 
    المؤكد أن التعاطي الموضوعي للأنظمة في دول المغرب العربي مع هذه التحولات في جسم وخطاب الحركات الإسلامية لم يكن متساويًّا، فقد ظل التشكيك في المشروعية قائمًا لدى السلطة في الجزائر وتونس، الأمر الذي أنتج تهوسًا من الإسلاميين، بينما استطاع المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني تحقيق نوع من المصالحة مع الحركة الإسلامية سواء بإدماج فصيل منها كما هو الحال مع حركة التوحيد والإصلاح منذ النصف الثاني من التسعينات، أو من خلال السماح لها بالنشاط العلني المحدود دون الوصول إلى المواجهة الصريحة كما هو الحال مع جماعة العدل والإحسان، وهو ما جعل المغرب يتميز عن باقي بلدان المغرب العربي باختياره البعد عن الصدام مع المكون الإسلامي منذ وقت مبكر.   

    الإسلاميون و"حرب" الانتخابات!

    حملت مرحلة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات رياحًا جديدة بفعل التحولات العالمية وسقوط المنظومة الاشتراكية التي كان لها بالغ الأثر على أنظمة البلدان المغاربية الثلاثة: المغرب وتونس والجزائر.   ففي المغرب بدأ يحدث نوع من الانفراج السياسي بعد أن أدخل الملك الحسن الثاني تعديلاً على الدستور المغربي عام 1992 تلاه تنظيم انتخابات تشريعية شاركت فيها أحزاب المعارضة التقليدية، وفتحت تلك التحولات الداخلية الباب أمام مفاوضات بين القصر والمعارضة بدءًا من عام 1993 للمشاركة في الحكم، لتبدأ طبقة الجليد بين المعارضة التي كانت تحمل بالأمس السلاح ضد النظام وبين هذا الأخير في التلاشي بشكل تدريجيّ.   وفي الجزائر تم القيام بتعديل دستوري منح لأول مرة منذ الاستقلال عام 1962 حق التعددية الحزبية وأنهى مرحلة حكم الحزب الوحيد الممثل في جبهة التحرير الوطني.   وفي تونس تم إقرار قانون جديد للأحزاب بعد مجيء (زين العابدين بن علي) في انقلاب أبيض على (بورقيبة) عام 1987، والدعوة إلى توقيع "الميثاق الوطني" بين جميع التيارات بما فيها التيار الإسلامي.   
    لكن هذا التحول المتزامن تقريبًا في البلدان الثلاثة لم يؤد إلى حدوث انفراج فيها جميعها؛ بل لقد كان في بعضها مجرد هدنة مع الطرف الإسلامي الأقوى قبل الانقضاض عليه.   فقد نظمت في تونس عام 1989 انتخابات تشريعية منعت حركة النهضة من المشاركة فيها، مع أنها كانت أبرز المكونات السياسية في البلاد وصادقت على قانون الأحزاب والميثاق الوطني، وشاركت الحركة من خلال دعم القوائم المستقلة، لكن النتائج التي أعطت تقدما ملحوظًا للنهضة أقنع الحزب الدستوري الحاكم بضرورة الحسم معها واستئصالها، فشن نظام ابن علي حملة مكثفة على أعضائها الذين تفرقوا بين السجون والمنافي.   وقد تكرر نفس السيناريو تقريبًا في الجزائر التي نظمت فيها أول انتخابات تشريعية عام 1990 ثم بلدية في العام التالي، غير أن الفوز الساحق الذي أحرزته جبهة الإنقاذ أقلق المؤسسة العسكرية الحاكمة التي انقلبت على الديمقراطية وأعادت البلاد إلى مرحلة الحزب الوحيد، لتدخل البلاد في أزمة لا تزال مستمرة.   
    ويمكن القول إن المغرب هو البلد الوحيد الذي نجحت فيه تجربة المصالحة بين الإسلاميين والنظام، فقد استفاد هذا الأخير من الدرسين التونسي والجزائري، وكان الحسن الثاني يريد أن يترك لولي عهده بلدًا لا تخترقه الصراعات الكبرى حول المشروعية وهوية الدولة، لذا عمل على تقريب جناح من الإسلاميين ممثلين في حركة التوحيد والإصلاح التي دخلت تحت مظلة حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بزعامة (عبد الكريم الخطيب) الذي عمل في وقت سابق طبيبًا خاصًّا للملك، وكان أحد مقربيه، إذ إن النظام منع الحركة من تأسيس حزب خاص بها، وشارك الحزب بحلته الجديدة في انتخابات 1997، البرلمانية التي كانت آخر انتخابات في عهد الحسن الثاني، لكن جماعة العدل والإحسان لعبد السلام ياسين بقيت على هامش المشاركة السياسية. 
    لقد تميز النظام المغربي عن النظامين الجزائري والتونسي بكونه لم يختر أسلوب المواجهة والإقصاء، كما كان سبّاقًا إلى التقاط دروس المرحلة السبعينية التي طبعتها المنازعة القوية بينه وبين الشبيبة الإسلامية من جانب واليسار من جانب ثان، وإذا كان اليسار قد طلق أفكار الانقلاب وصوت على الدستور الجديد ـ وإن كان بتفاوت بين مكوناته ـ؛ فإنه لم يبق سوى الإسلاميون، وجاءت مقاربة الإدماج عبر حزب الخطيب لتؤدي هذا الدور. 
    ويرجع تميز التجربة المغربية إلى عدة عوامل، أبرزها عامل مشروعية النظام نفسه.   ذلك أن النظام الملكي في المغرب متجذر في التجربة التاريخية للمغرب، ولم يخضع في أي مرحلة للتشكيك فيها باستثناء مرحلتي الستينيات والسبعينيات بفعل الأجواء الدولية وهيمنة النموذج الجمهوري في المنطقة وسيادة ثقافة الانقلاب، وكذا بفعل العداء الذي استفحل في تلك المرحلة بين الأنظمة الجمهورية بالمنطقة والنظام الملكي المغربي، وعدا أجواء هذه الحقبة ظلت جميع المكونات السياسية مقتنعة بالدور الذي تقوم به الملكية في توحيد أجزاء المملكة والحيلولة دون ظهور المشروعيات الجهوية أو الإقليمية، كما أن الملكية لم تمثل حزبًا معينًا، وكان الملك باستمرار يلعب دور الحكم بين الفرقاء السياسيين، وعلاوة على ذلك؛ فالمغرب كان سبّاقًا إلى اعتماد التعددية الحزبية منذ أول دستور عام 1962، وهذا بخلاف الجزائر وتونس وليبيا التي سيطر فيها الجيش أو الحزب الوحيد، وانتهجت الأنظمة الحاكمة فيها اختيارات في غالبيتها مناوئة للإسلام وأكثر علمانية، مثلما هو الحال في تونس منذ المرحلة البورقيبية، فكان من الطبيعي أن يكون تنظيم أول انتخابات في الجزائر وتونس عنوانًا للصراع الأكبر بين الإسلاميين والنظام حول المشروعية السياسية؛ هل هي مشروعية النضال ضد الاستعمار بالنسبة لجبهة التحرير الوطني والحزب الدستوري، أم المشروعية الديمقراطية؟. 

    11 سبتمبر 2001 بداية الفرز بين الإسلاميين

    من المتفق عليه بين دارسي الحركات الإسلامية في المغرب العربي والعالم العربي على السواء أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية قد أحدثت قطيعة بين مرحلتين من تاريخها وتاريخ علاقتها بالسلطة.   لقد شكلت اختبارًا صعبًا لمجموع هذه الحركات التي وجدت نفسها فجأة أمام سؤال الموقف من الإرهاب بالمفهوم الأمريكي، وأمام التحدي الداخلي بعدما حشرت واشنطن معها الدول العربية والإسلامية في هذه الزاوية الضيقة لمفهوم الإرهاب المنمط؛ فقد استفادت بعض هذه الأنظمة من تلك الأجواء العالمية الجديدة بعد التفجيرات التي قدمت مسوغات جديدة لإقصاء وترويض الحركات الإسلامية وتقليم أظفارها، وهو ما جعل هذه الحركات في موقف حرج. 
    عبرت جميع الحركات الإسلامية في المغرب العربي عن رفضها لتلك التفجيرات مباشرة بعد وقوعها، وأدانت منفذيها والأهداف المدنية التي استهدفتها، وفي نفس الوقت بينت الموقف الشرعي من العنف، كما رأى بعضها أن تلك التفجيرات من الممكن أن تؤجج نعرة صدام الحضارات التي ما فتئ ينظر لها بعض المفكرين المحسوبين على الإدارة الأمريكية، وتكرس لصراع الغرب والإسلام.   وكان في ذلك الموقف الشاجب رسالتان: الأولى موجهة نحو الداخل لطمأنة الأنظمة الحاكمة بأن الإسلاميين لا يرحبون بالعنف أسلوبًا لتسوية الخلافات السياسية، والثانية موجهة إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتقول بأن الحركة الإسلامية تؤيد حوار الحضارات ولا تقاسم منفذي التفجيرات أفكارهم ومعتقداتهم الدينية المتطرفة.   
    والمؤكد أن إسلاميي المغرب العربي واجهوا في مرحلة ما بعد تلك التفجيرات عدة تحديات أمنية وسياسية في الداخل، فقد سارت دول المغرب العربي مع الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على الإرهاب، ووقعت معها اتفاقيات للتعاون الأمني تم تجبيرها لتسويغ الحرب على الإسلاميين، ولكن تفجيرات جزيرة جربة التونسية في يونيو 2002 ثم تفجيرات الدار البيضاء المغربية في مايو 2003 زادت من ثقل التحدي المطروح، وأظهرت لأول مرة فاعلاً إسلاميًّا آخر كان يتحرك على الهوامش وهو الفاعل المتشدد الذي لا يؤمن بالمشاركة السياسية، ولا يحمل خطابًا سياسيًّا منسجما، ليبدأ الفرز بين المتشددين والمعتدلين في الوسط الإسلامي؛ فقد وجهت تفجيرات جربة والدار البيضاء الأنظار إلى التيار الأول الذي كان راقدًا وكان الجميع يستقل قوته وسيطرته على الفئات الشعبية العريضة. 
    ويمكن القول إن هذه الأحداث جعلت المقابلة بين خطاب القاعدة -بشتى تلاوينه السلفية- وبين خطاب الإسلاميين أمرًا مفروغًا منه، خصوصًا عندما بدأ التيار الثاني يحرر موقفه من تنظيم (أسامة بن لادن) وينسب له الأخطاء والعثرات. 
    وقد أثير النقاش حول التعاطي مع الإسلاميين بعد تلك التفجيرات المتلاحقة، وما إذا كان من الضروري أن تمد الأنظمة يدها إلى الإسلاميين المعتدلين مؤيدي المشاركة السياسية كرد فعل على التيار المتطرف ومحاصرته، وشهد المغرب جانبًا من هذا النقاش الذي عاتب الدولة بسبب التضييق على الإسلاميين المنظمين والمعتدلين في السنوات الماضية، وترك المجال للتيارت السلفية بحجة أنها عدو لهذه الحركات، وبرز موضوع الإصلاحات السياسية كخطوة لا محيد عنها للرد على العنف واستيعاب التيار المعتدل في الحركة الإسلامية. 

    أي مستقبل للتيار الإسلامي في المغرب العربي؟

    لا يبدو أن مرحلة ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر قد غيرت الشيء الكثير في أسلوب التعاطي مع الإسلاميين في بلدان المغرب العربي، وإن كانت قد وفرت فرصة للنقد الذاتي في بعض هذه البلدان على خلفية التطورات الأخيرة؛ ففي المغرب نظمت انتخابات تشريعية في سبتمبر من العام الماضي أعطت حزب العدالة والتنمية نتائج متقدمة بالرغم من جو الاحتقان المترتب على تفجيرات الدار البيضاء، ولكن التضييق على جماعة الشيخ عبد السلام ياسين ما يزال مستمرًّا, ووضعت الحكومة قبل أشهر مشروع قانون للأحزاب حظر تأسيس أحزاب على أساس ديني.   وفي تونس استمر الحزب الحاكم بقيادة ابن علي في ملاحقة أعضاء حركة النهضة الموجودة قيادتها في الخارج، ومنع أي مبادرة للمصالحة وعودة الحركة إلى ساحة العمل السياسي، وفي الجزائر تم إطلاق سراح (عباسي مدني) و (علي بلحاج) زعيمي جبهة الإنقاذ في الثاني من يوليو الماضي، لكن الجيش لا يزال يمسك بزمام الحكم، وبرز لأول مرة انقسام داخل المؤسسة العسكرية حول التعاطي مع الإسلاميين، خصوصًا بعد تصريحات الجنرال (محمد العماري) لصحيفة "الأهرام" المصرية في يونيو الماضي، التي قال فيها بأن الجيش سيبقى بعيدًا في حالة تنظيم انتخابات رئاسية عام 2004 يشارك فيها مرشح إسلامي، وأنه لن يتحرك للتأثير على النتائج كما حدث عام 1991. 
    وفي موريتانيا أجريت انتخابات رئاسية في السابع من ديسمبر الماضي أبقت على الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في السلطة، واعتبرت المعارضة والتيار الإسلامي أن التزوير كان كبيرًا.   أما في ليبيا؛ فإن نظام العقيد (القدافي) لا يزال غير مستعد للحوار مع من يسميهم بـ"المرتزقة" إشارة إلى الإسلاميين.   
    وأعتقد أن التجربة الجزائرية التي كانت نموذجًا غير مرغوب فيه في بداية التسعينيات، بسبب تخوف البلدان المجاورة من انتقال عدوى الإسلاميين إليها، ستكون أيضًا نموذجًا لهذه البلدان في حال نجاح مبادرة (عباسي مدني) السلمية التي صرح أكثر من مرة بأنه يمتلكها لإخراج الجزائر من محنتها.   وفي نفس الوقت يمكن عد ترشح (جاب الله) زعيم حركة الإصلاح لرئاسيات أبريل 2004 محطة أساسية في هذا الاختبار، إذا التزم الجيش بمواقعه ولم يحدث تزويرًا، إذ إن التجربة الجزائرية يتوقف على نجاحها أو عدمه نجاح الانفراج السياسي في المنطقة بين الإسلاميين والأنظمة الحاكمة.

     

    من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - كفاية