عاشت القاهرة في العشرين
من مارس يوما خاصا وهبته منذ صباحه الباكر لتأييد المقاومة العراقية
بمناسبة مرور عام على الغزو الأمريكي للعراق. ومنذ الساعات الأولى كانت
قوات الأمن المركزي المصرية محتشدة في حالة غير مسبوقة مسلحة بالدروع،
والخوذات، والزي الأسود الكئيب، تسد بنحو ثلاثين ألف جندي وسط القاهرة
بأكملها: ميدان التحرير صرة البلد حيث يفترض أن يلتقي المتظاهرون، وما
بعد الميدان نحو منطقة الدقي، والجامعة، وكوبري قصر النيل، والشوارع
الجانبية المتفرعة من الميدان: طلعت حرب، وقصر النيل، ومحمد فريد،
وشارع التحرير، وشارع قصر العيني على امتداده.
أما في الميدان فقد تمركزت القوات مطوقة الميدان
صفوفا خلف صفوف، وبنادق خلف بنادق، وعربات أمن مركزي فاغرة أفواهها
لابتلاع المشاغبين، وكاميرات تسجيل فوق أسطح المباني المطلة على الميدان،
وكبار ضباط أمن يتلوهم كبار ضباط أمن، وضباط صغار يتلوهم مخبرون وبأيدي
الجميع سلاح الاتصال الحديث " المحمول"، والآذان مرهفة، والعيون مبحلقة،
وثمة توتر في الجو، كأن شيئا ينبغي أن ينفجر وتتطاير شظاياه في الجو.
وصمت كئيب يحط على القاهرة التي شقتها خطوط أفقية ورأسية بلون أسود غامق
من زي الجنود. كأن صفوفا من الغربان احتلت الشوارع، وطردت منها اللون
الأبيض. تمركزت القوات مطبقة، حلقة بعد حلقة، على مائة متر هي المساحة
الممتدة أمام مبني مجمع المصالح الحكومية، وهي المساحة المسموح للمظاهرة
بالحركة والنشاط داخلها.
وبالرغم من كل ذلك، أخذت جماعات متفرقة من البنات،
والشبان، والشيوخ تشق طريقها إلي المائة متر، بعضهم يطوى لافتات تحت
إبطه، وبعضهم ملأ جيوبه بالمنشورات، وبعضهم راح يجلو حنجرته استعداداً
لكي يلعن الاستعمار الأمريكي، ولكي يصيح على بغداد: نحن معك. وسرعان ما
امتلأت المائة متر وما حولها بنحو ثلاثة آلاف متظاهر من كافة الأجيال.
واندلعت الهتافات التي اختصت المقاومة العراقية بالتأييد والتحية، دون
أن تنسى فلسطين، واعتلى شاب وضع حول رقبته الشال الفلسطيني صارخا:
يا بغداد شدي الحيل.. وري
جيوش أمريكا الويل
وعلى صوت الآربيجيه .. هدي
بلاد السي آي إيه..
آه يا بلادنا بأقولها
بحسرة.. باعوا القدس وباعوا البصرة
وراحت البنات تصفقن، وتهتفن، بينما جلس البعض على
حواف السور المحيط بنافورة ماء، وارتفعت لافتات هنا وهناك: " فلتتوحد
المقاومة ضد الاحتلال – الشيوعيون المصريون "، " مقاومة الاحتلال
حق مشروع – الأخوان المسلمون"، " وحدة الشعب العراقي طريق النصر –
نقابة المحامين "، " المقاومة هي السبيل الوحيد للنصر – الناصريون
"، " عاشت المقاومة العراقية – حركة عشرين مارس للتغيير". وجلس
بعض الشباب بمسجل تنبعث منه أغنية " إلي المعركة.. إلي المعركة.. سنمضي
سويا إلي المعركة". وكان واضحا أن ذلك الحشد لم يستطع أن ينظم قواه أو
يتفق على هتافات محددة، فتفرق الأخوان المسلمون، والشيوعيون، والناصريون،
جماعات تهتف بأنصارها شعاراتها هي. وسرعان ما برزت قضايا الوضع المصري
الداخلي، فتعالت هتافات
" يا حرية فينك.. فينك..
أمن الدولة بيني وبينك ! "، "
عاوزين حكومة حرة.. العيشة بقت مرة"، "هم
بياكلوا حمام وفراخ .. واحنا الجوع دوخنا وداخ "، "
على في سور السجن وعلى.. بكره الثورة تقوم ما تخلي"،
وتموجت في الهواء لافتات من قماش مكتوب عليها: " لا للتدخل الأجنبي
في شئون مصر – نقابة الصحفيين "، " لا لصمت الحكام العرب المريب –
نقابة المحامين "، "نطالب بمحاكمة بوش – حزب العمل "، "
نعم للمقاومة – حزب التجمع "، ولم تكن هناك من صور في قلب ذلك
الاحتشاد سوى صور عبد الناصر، وحناجر تدوي من حول صورته : "
عبد الناصر اصحي وشوف .. الخيانة على المكشوف".
تلك كانت المائة متر من الحرية في بحر من الزي
الأسود لجنود الأمن. مائة متر كانت أشبه " بهايد بارك " وحشي، لا يلتزم
فيه المتحدثون والمتظاهرون بعدد الأمتار المتفق عليها، بينما لم تتدرب
الحكومة على تمثيلية غض النظر عن مساحة الحرية المحددة. خارج دائرة اللهب
المشتعل، كانت الحياة تمضي غريبة هادئة، كأن يوما استثنائيا يمر : ضوء
الشمس مختلف، والهواء هواء آخر، وخطوات البشر تتلمس الطريق إلي قطرة حرية
يطبق عليها محيط أسود. قطرة هي جهد الناس الآن، وحماسهم للمقاومة في
العراق، وفلسطين، وأشواقهم إلي عالم آخر، قطرة استجمعت ذاتها هاتفة :
" يا بغداد شدي الحيل ..
وري جيوش أمريكا الويل ".
" قولوا معانا يا شباب ..
أمريكا أصل الإرهاب "
" بالروح بالدم .. نفديك يا
عراق"
" وعلى صوت الآربيجيه .."
تفرق الناس في الشوارع، واحتلوا كراسي المقاهي. وعاد
للقاهرة وجهها المألوف، المهموم بالشئون الصغيرة، والكبيرة. إنه وجه
عجيب، ضخم، ومتأمل، يفكر، وتختمر في عقله أحلام عليه أن يفسرها لنفسه
وللعالم.
أحمد الخميسي . كاتب
مصري
|