- الحركة الاجتماعية -
علينا أن نفهم أكثر مشكلة خاتمي ومشكلة إدوارد سعيد. فكلاهما يعاني من المحيط الذي يعيش فيه ومع ذلك فهما يمثلان الجرأة في إعلان ما يدعوان إليه. أنا لا أنظر إلى خاتمي كرئيس جمهورية إسلامية وإنما كعالم ومثقف ديني يعرف عصره ويعرف اتجاه التاريخ. وكذلك إدوارد سعيد، أنظر إليه كمثقف حداثة ومثقف مناضل، ولكن من الصعب أن يضيف إلى أحماله الثقيلة وكفاحه اكتشاف ما جاء به الأنبياء. وعلى كل نحن في حاجة ماسة إلى كلا النموذجين وسيلتقيان عند كلمة السواء لأنه لا يرفض ولن يرفض كلمة السواء إلا الذي يرى نفسه شيئاً آخر غير البشر. وبدأ عصر زوال من يرى نفسه فوق البشر. وختمت الرسالات وبدأ العلم والدين يلتقيان وإن كانت العقبات كثيرة أمام إزالة الشبهات ونسيان مآسي التاريخ، وما ارتكبه المتدينون باسم الله وما يرتكبه العلمانيون باسم العلم. إن خاتمي وإدوارد سعيد نموذجان متقدمان نحو لقاء العلم والإيمان. ولكن لماذا أتحدث اليوم عن خاتمي وإدوارد سعيد؟ أنا لما أتحدث عن بلال الحبشي وأبي ذر الغفاري ومحمد إقبال وبيير بورديو وخاتمي وسعيد فإن همي وهدفي من كل هذا أن أجد عند هؤلاء ما يساعدني على تقريب المشكلة الإنسانية الكبرى، التي من أجل حلها أرسل الأنبياء جميعاً. قال الناس للرسل أنكم مجانين وسحرة، "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به أم هم قوم طاغون". ما هذا الذي جاء به الأنبياء؟ نريد أن نحشر هذه الدعوة الكبرى الأبدية في كلمة واحدة مثلما كان الكون كله مضغوطاً قبل الانفجار الأعظم في جزء صغير جداً كالذرة. إن الرسالة النبوية مضغوطة أيضا في كلمة واحدة: كلمة "السواء"، ويمكن أن نقول بتعبير آخر "عدل". في اللغة العربية وفي كل لغات العالم توجد كلمات مقابل كلمة واحدة وأحيانا يرمز إلى هذا برمز رياضي (=) لإعطاء مفهوم المعادلة بين كلمتين. ورسول الله خاتم النبيين كتب معادلات لزعماء العالم المعاصر له، كسرى الفرس وعظيم الروم وأفريقيا ضمن رسالته: تعالوا إلى كلمة (سواء) = (عدل). وشرح ما يعادلها بجمل: "أن لا نعبد إلا الله"، "أن لا نشرك به شيئا"، "أن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون". ومعنى هذه الرسالة أن يكون للكل ما للكل، أن يساوي كل إنسان أي إنسان آخر. هذا هو العدل وهو أن الحق المحرم على أحد محرم على الجميع، والمباح لأحد مباح للجميع. ويطبق هذا على مستوى الأفكار والتصورات والاعتقادات. فكل الأفكار مباحة لكل البشر والمحرم فقط هو فرض الفكر بالقوة، وفرض الامتياز بالقوة. وهذا هو الذي يشرخ ويشق العدل والمساواة. وهذا هو الشرك في لغة الأنبياء. والوقوع في هذا يحبط جميع الأعمال "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين". إنني أشعر بحرج شديد في أني لا أتمكن من توضيح ما أريد من كلمة السواء الذي هو التوحيد في الأديان، وكيف أن مشكلة التوحيد ليست مشكلة إلهية غيبية بمعنى ثيولوجي ميتافيزيقي، وإنما هي مشكلة اجتماعية سياسية سوسيولوجية سيكولوجية. إن إدوارد سعيد كغيره من العالم الغربي لم يستطع أن يفهم إمكانية أن يكون الدين ديمقراطياً وأن ماجاء به الأنبياء جميعاً هو الاحتكام إلى العلم "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا"، "ويرى الذين أوتوا العلم الذي انزل إليك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد". نعم إن ما جاء به الأنبياء جميعاً هو العدل والإحسان. وإذا كانت حقوق الإنسان والديمقراطية من دعوة العلمانية الغربية، فإن العلمانية الغربية تقصر حقوق الإنسان على الإنسان الغربي. وإذا كانت الديمقراطية من أركان الديانة الحديثة فإني كمسلم أقبل حق الإنسان في كلمة السواء وأقبل الديمقراطية أيضاً كأسلوب لتبادل السلطة. ولكن أستطيع أن أفرق بين الكنيسة ورسالة المسيح وأستطيع أن أفرق بين الأوضاع السياسية للمسلمين وما جاء به الإسلام من إلغاء وراثة الملك وأن يكون الحاكم باختيار الناس. وكذلك علينا أن نتمكن من التفريق بين العالم الغربي ودعواه وبين سلوكه مع العالم، حيث لا يقبل الغربيون أن تكون لكل الأمم المتحدة نفس الحقوق الإنسانية، وأن لا يكون هناك حق الفيتو الذي هو ضد حقوق الإنسان وضد الديمقراطية. ولكن يمكن أن أقول إني متفائل مع كل السوءات والمآسي الغربية واحتفاظهم بالربوبية على العالم. كلنا نعيش في هذا العالم الذي لم يبلغ الرشد بعد، وأن أمثلهم طريقة وأقربهم إلى الرشد لا يخجل أن تناقض دعواه سلوكه. وهذا الإحساس وإن كان لا يصرح به فهو موجود ومكبوت عند الغربيين. وهنا ينبغي أن أذكر فرانسوا ميتيران الرئيس السابق لفرنسا. فقد شعر بهذا التناقض الذي يعيشه العالم وقال أن الأمم المتحدة ينبغي أن يكون لها شيء من المصداقية في تنفيذ قراراتها. وعلى كل فإن العالم حبلى بالرشد، وسيولد الرشد رغما عن الجميع. يريدون ليطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نور والله متم نوره ولو كره الكافرون. ونور الله هو كلمة السواء وكلمة العدل ومحمد أركون، المفكر الجزائري المقيم في فرنسا، يحاول أن يدخل في هذا الموضوع الشائك المحير ليس كفكرة ولكن كشيء جديد في الحياة البشرية. إن العلم سيرغم العلماني أن يقبل بكلمة السواء ولكن قانون الله أنه يتوجه بالخطاب إلى العبد ليخرج من عبادة المستكبر أكثر مما يتوجه إلى المستكبر، لأن المستكبر لا يمكن أن يستكبر ما لم يكن حوله من يعبده. لهذا لا بد من التوجه إلى الناس حتى لا يعبدوا الطغيان، لأن من شأن الإنسان أن يطغى حين يؤمن به الناس. ومشكلتنا لن تحل بدون أن ينتشر الوعي بين الناس بالتاريخ وسننه. ولا جدوى من الأعمال لأنها تنكر وفق قانون ما بالأنفس ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إنني أعيش في خيالي في عالم العلم والإيمان، وأتفاءل أنه في المستقبل سنرى الإمكانات والوسائل الجديدة للوصول إلى المعلومة. وستتسارع الحلول وسنصل خلال جيل واحد ما كان يحتاج إلى أزمان جيولوجية.
|
|
من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية |