رفض الروائي
الكبير صنع الله إبراهيم جائزة ملتقى الرواية العربية الذي انعقد في
القاهرة ما بين 18- 22 أكتوبر الحالي. وتحولت كلمة صنع الله القصيرة
التي تضمنت أسباب الرفض إلي منشور سياسي– ثقافي واسع التأثير. صنع
الله إبراهيم سبق له أن رفض من قبل جائزة الرواية من الجامعة
الأمريكية. وسبق له أيضا أن رفض القبح والاستغلال الذي ينهك بلادنا
عبر كل رواياته بدءا من " تلك الرائحة " عام 1966, وانتهاء بروايته
الأخيرة " أمري كان لي ". الفرحة العارمة التي هزت نفوس أصدقاء موقف
صنع الله، والكآبة التي حطت على خصوم موقفه تثير دهشة عميقة لا حدود
لها. فليس للسرور الغامر في جانب وللغم الشديد في الجانب الآخر سوى
معنى وحيد مؤسف ومؤلم: أن الشعور بالكرامة، والسلوك بعزة نفس أمر نادر
الحدوث، يستحق شموع الاحتفال على ضفة و قهوة سرادق العزاء على الضفة
الأخرى.
مرات قليلة في تاريخ الثقافة المصرية
وقف فيها كتاب ومفكرون وقفة صنع الله إبراهيم. مرات قليلة تكاد تحصى
على أصابع اليد الواحدة. الأولى عام 1930 حينما أراد الملك فؤاد إسقاط
عبارتين من الدستور، تنص أحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن
الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت عباس العقاد من تحت قبة
البرلمان على رؤوس الأشهاد قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر
رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه", وكلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة
أشهر من السجن بتهمة العيب في الذات الملكية. المرة الثانية عندما
استقال أحمد لطفي السيد عام 1932 دفاعا عن استقلال الجامعة المصرية.
الشعور بكرامة الكاتب أمر مألوف في
الخارج ، فقد رفض جان بول سارتر جائزة نوبل في الأدب عام 1964 . وعام
1996 رفض الكاتب الروسي "سولجينتسين" أرفع وسام قدمه له الرئيس بوريس
يلتسين معتذرا بقوله: "لا يمكنني أن أقبل وساما أو تقديرا من سلطة قادت
روسيا إلي الكارثة ".
وفي كل تلك الحالات لم يكن الأديب أو
الشاعر أو الناقد هو الذي يتحدث، بل المواطن المؤرق بهموم بلاده التي رسم
صنع الله صورتها بعبارة موجزة: "لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي
أو تعليم.. لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل". إنها هموم لا
تتعلق بشكل الرواية، ولا بتطور قصيدة النثر، ولا بحالة النشر
والمؤتمرات. لقد جدد صنع الله إبراهيم بكلمته الصلة الحية بين الكلمة
والمجتمع، وبين الأديب والمواطن، وبين الثقافة والوطن، وأحرق بخطاب لم
يستغرق عدة دقائق ركام سنوات من اللامبالاة، والمنفعية، واللهث وراء طبول
الذيوع، والوقوف بأدب في مكاتب المسئولين عن نشر السلاسل، وبطاقات السفر،
وتعيين أعضاء اللجان. لقد مزق الروائي الكبير الظلمة بكلمات كالومض:
ظلمة المصالح المتبادلة، والتواطؤ، وخداع النفس وخداع الآخرين ووضع
المثقفين أمام أنفسهم قبل أن يضع الدولة أمام نفسها.
نعم. ثمة أديب لدينا يستطيع أن يقول:
لا. وثمة قلم لدينا يستطيع أن يقول: لا. وكل خبرة إنسانية فردية تغدو
خبرة للجميع. وما دام بوسع واحد أن يفعل ذلك، فإن باستطاعة الآخرين أن
يقوموا بذلك.
السؤال الحقيقي هو: ماذا بعد ؟ هل يصبح
موقف صنع الله إبراهيم مزارا تقاد من حوله شموع التكريم؟ أم يغدو نقطة
انطلاق لتطوير حركة ثقافية وطنية تضع في أساس تفكيرها أن الأديب لسان حال
الوطن ؟ وأن من حقنا أن تكون لنا كلمة مسموعة فيما يجري من حولنا ؟
فالخلاف مع المؤسسات الرسمية سهل، لكن الاتفاق فيما بيننا على ما ننشده
هو المشكلة. ماذا نريد ؟ وكيف نحقق ما نبغيه؟ هل نحن بحاجة إلي ورقة
عمل ثقافية تستند إلي جوهر كلمة صنع الله إبراهيم؟ وإذا لم نجد لتلك
الأسئلة إجابات حية في الواقع، فإن التاريخ سيذكر بعد عشرين عاما أن
كاتبا شجاعا وروائيا كبيرا تمكن ذات مرة من التعبير عن رأيه بقوة، بينما
لم تكن هناك حركة ثقافية شجاعة تعبر عن موقفها بقوة. ويظل موقف صنع
الله إبراهيم بطولة فردية، بينما يحتاج الواقع الثقافي والاجتماعي
والسياسي إلي الجميع، لأن الواقع: " مرعب "، ولم يعد بوسع الكاتب كما
يقول صنع الله: " أن يغمض عينيه أو يصمت أو يتخلى عن مسئوليته ". ما
الذي يمكننا أن نفعله لكي لا نواصل السير بأعين مغمضة؟ ما الذي يمكننا
أن نفعله لكي لا يصبح الشعور بالكرامة ولو لخمس دقائق فقط حدثا
مدويا؟
كان صنع الله مختلفا منذ البداية، كان
الجميع في بدل أنيقة، وهو الوحيد الذي مشى في قميص بسيط مفتوح خلافا لكل
تقاليد الاحتفالات العريقة، وصعد ببساطة، وابتسم ببساطة ومكر الأطفال،
وقال الحقيقة، ثم انصرف بسرعة كأنه تذكر موعدا في مكان آخر لابد أن يلحق
به.
غادر صنع الله، وترك على المنصة رسالته
الحارة الملهمة: فتلكن الكرامة في حياتنا شعورا مألوفا لا يثير
الدهشة ولا يستدعي الغضب.
أحمد الخميسي . كاتب
مصري
|