تنتقل إسرائيل من مساهمتها الفعلية في
الحرب على العراق إلي التهام نصيبها من غنائم الحرب . وقد أسهمت
إسرائيل بقسط كبير ومؤثر في الحرب بدءا من التنسيق والتخطيط المشترك مع
أمريكا قبل الحرب ، وإقامة نظم المعلومات والإنذار المشتركة والتجسس
على العراق عن طريق القمر الصناعي الإسرائيلي " أوفك – 4 " ، ثم
التدريبات العسكرية الثنائية في البحر المتوسط وأيضا قيام إسرائيل
بتدريب الجنود الأمريكيين على حرب المدن العربية الخاطفة بإنشاء بلدتين
وهميتين من الطراز العربي داخل فلسطين للتدرب .
قبل
الحرب مباشرة وفرت تل أبيب ستة مخازن ضخمة للعتاد الأمريكي ، وأمدتها
بكميات من الأسلحة الإسرائيلية الصنع ، اشترتها واشنطن واعتمدت عليها
منها طائرات من دون طيارين من نوع " هارفي " و " هانتر " ، وأخيرا دخلت
إسرائيل بقواتها إلي غرب العراق ، وشاركت بفرق من الكوماندوز التابع لها
في عملية البحث عن الرئيس العراقي الذي خلعته قوات الغزو . وإذا كانت
أمريكا تنظر لحضارة العراق التي عاشت خمسة آلاف عام باعتبارها مجرد آبار
للنفط ووقود للسيارات ، فإن إسرائيل ترى العراق كمصدر للمياه . وقد
أعلنت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل السابقة ذات يوم أن " التحالف
الإسرائيلي مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة ، النيل
والفرات ، سيكونان في قبضتنا " .
وبانتهاء حرب 67 وضعت تل أبيب يدها على مصادر مياه نهر الأردن ، ومرتفعات
الجولان ، ثم استكملت ذلك بسيطرتها على نهر الليطاني بعد غزوها لبنان عام
1982 . وفي عام 1990 أعلن " توماس ناف " الخبير الألماني لإسرائيل أن
المياه " في الأراضي العربية المحتلة جزء لا يتجزأ من إسرائيل " . وواصلت
إسرائيل نشاطها المحموم في أفريقيا للتحكم في منابع مياه النيل ، واستمرت
في علاقات وثيقة مع تركيا لحجب مياه الفرات عن سوريا والعراق . لكن
العدوان الأمريكي الأخير على العراق ، ومساهمة إسرائيل فيه ، وفر لها
فرصة تاريخية للتحكم في مياه نهر الفرات الذي يشغل حيزا هاما في الأساطير
الصهيونية باعتباره امتدادا لحدود إسرائيل الكبرى . والآن تسعى تل أبيب
محمومة للحصول على أجرها بنقل مياه نهري دجلة والفرات عبر الأراضي
الأردنية ، ونقل حصة من النفط العراقي إليها بإعادة تشغيل خط أنابيب
الموصل – حيفا الممتد عبر الأردن والذي توقف منذ عام 1948 . وقد تقدمت
شركات إسرائيلية عديدة من بينها شركة الملاحة " نسيم " بطلبات للحصول على
ترخيص من وزارة المالية الإسرائيلية لتنفيذ مختلف المشاريع في العراق .
وبهذا الصدد صرح جون تيلور، الخبير الاقتصادي في البيت الأبيض لصحيفة "
يديعوت أحرونوت " بقوله : " أدعو الشركات الإسرائيلية للمشاركة في جهود
إعادة تعمير العراق وآمل أن تعرف هذه الشركات كيف تستغل الفرص الكبيرة
المتاحة أمامها " .
ستحصل
إسرائيل إذن على المياه ، والنفط ، وستجني شركاتها الأرباح من مساهمتها
في تعمير العراق . وقد غدت مكاسب إسرائيل العسكرية ضخمة إلي درجة أنها
أصبحت بحاجة إلي حماية ثقافية : أي إلي إشاعة القبول بالوجود الإسرائيلي
– الأمريكي ، واعتبار أن يوم سقوط بغداد كان يوم عيدها كما أعلن مجلس
الحكم الذي عين الحاكم الأمريكي للعراق أفراده بالاسم واحدا بعد الآخر .
ولذلك افتتحت إسرائيل في يونيو العام الماضي قناة " الشرق الأوسط "
الفضائية ليصل بثها إلي سوريا ولبنان والمغرب ومصر ودول الخليج العربي
وأوروبا . وفي حينه أكد الوزير المسئول " رعنان كوهين " أن القناة ترمي
لتقريب الإسرائيليين إلي الشرق الأوسط أي لإشاعة القبول بالعدوان والرضوخ
لما يجنيه العدوان من مكاسب . وفي مطلع الشهر الماضي افتتحت إسرائيل
مركزا للدراسات الشرق أوسطية في بغداد . ويعد المركز الخطوة الأولى في
الاختراق الإسرائيلي للعراق والشروع في عملية التطبيع الثقافي . ويدير
المركز الجنرال المتقاعد إيجال كارمون المستشرق الإسرائيلي المعروف
بمواقفه المتطرفة المعادية للعرب والذي شغل لسنوات طويلة منصب مستشار
رئيس الوزراء الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب . وقد أقيم هذا المركز منذ نحو
خمسة أعوام ومقره الرئيسي في واشنطن ، ثم افتتح فروعا له في لندن وبرلين
والقدس الغربية ، والآن في بغداد .
هناك عقبة وحيدة فقط تواجه كل ذلك المخطط ، بمكاسبه ، ونواياه هي
المقاومة العراقية. هناك في بغداد مائة وثلاثون صحيفة ، ومائة وستون
تنظيما حزبيا ، وتسعة رؤساء لمجلس حكم أمريكي من خمسة وعشرين عضوا ،
وهناك مختلف الملل والأعراق والديانات ، لكن هناك أولا وقبل كل شيء
احتلال وهناك مقاومة ، ولابد للاحتلال أن يرحل ، والدفق اليومي المستمر
للأكاذيب الثقافية لن يبدل شيئا من جوهر هذه الحقيقة ، لأن الحقيقة من
معدن لا يصدأ .
أحمد الخميسي . كاتب
مصري
|