- العراق -

إسرائيل من الحرب إلي الثقافة

بقلم: أحمد الخميسي

 18 أغسطس 2003                    


 

تنتقل إسرائيل من مساهمتها الفعلية في الحرب على العراق إلي التهام نصيبها من غنائم الحرب . وقد أسهمت إسرائيل بقسط كبير ومؤثر في الحرب بدءا من التنسيق والتخطيط المشترك مع أمريكا قبل الحرب ، وإقامة نظم المعلومات والإنذار المشتركة والتجسس على العراق عن طريق القمر الصناعي الإسرائيلي " أوفك – 4 " ، ثم التدريبات العسكرية الثنائية في البحر المتوسط وأيضا قيام إسرائيل بتدريب الجنود الأمريكيين على حرب المدن العربية الخاطفة بإنشاء بلدتين وهميتين من الطراز العربي داخل فلسطين للتدرب .

قبل الحرب مباشرة وفرت تل أبيب ستة مخازن ضخمة للعتاد الأمريكي ، وأمدتها بكميات من الأسلحة الإسرائيلية الصنع ، اشترتها واشنطن واعتمدت عليها منها طائرات من دون طيارين من نوع " هارفي " و " هانتر " ، وأخيرا دخلت إسرائيل بقواتها إلي غرب العراق ، وشاركت بفرق من الكوماندوز التابع لها في عملية البحث عن الرئيس العراقي الذي خلعته قوات الغزو . وإذا كانت أمريكا تنظر لحضارة العراق التي عاشت خمسة آلاف عام باعتبارها مجرد آبار للنفط ووقود للسيارات ،  فإن إسرائيل ترى العراق كمصدر للمياه . وقد أعلنت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل السابقة ذات يوم أن " التحالف الإسرائيلي مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة ، النيل والفرات ، سيكونان في قبضتنا " .

وبانتهاء حرب 67 وضعت تل أبيب يدها على مصادر مياه نهر الأردن ، ومرتفعات الجولان ، ثم استكملت ذلك بسيطرتها على نهر الليطاني بعد غزوها لبنان عام 1982 . وفي عام 1990 أعلن " توماس ناف "  الخبير الألماني لإسرائيل أن المياه " في الأراضي العربية المحتلة جزء لا يتجزأ من إسرائيل " . وواصلت إسرائيل نشاطها المحموم في أفريقيا للتحكم في منابع مياه النيل ، واستمرت في علاقات وثيقة مع تركيا لحجب مياه الفرات عن سوريا والعراق . لكن العدوان الأمريكي الأخير على العراق ، ومساهمة إسرائيل فيه ، وفر لها فرصة تاريخية للتحكم في مياه نهر الفرات الذي يشغل حيزا هاما في الأساطير الصهيونية باعتباره امتدادا لحدود إسرائيل الكبرى . والآن تسعى تل أبيب محمومة للحصول على أجرها بنقل مياه نهري دجلة والفرات عبر الأراضي الأردنية ، ونقل حصة من النفط العراقي إليها بإعادة تشغيل خط أنابيب الموصل – حيفا الممتد عبر الأردن والذي توقف منذ عام 1948 . وقد تقدمت شركات إسرائيلية عديدة من بينها شركة الملاحة " نسيم " بطلبات للحصول على ترخيص من وزارة المالية الإسرائيلية لتنفيذ مختلف المشاريع في العراق . وبهذا الصدد صرح جون تيلور، الخبير الاقتصادي في البيت الأبيض لصحيفة " يديعوت أحرونوت " بقوله : " أدعو الشركات الإسرائيلية للمشاركة في جهود إعادة تعمير العراق وآمل أن تعرف هذه الشركات كيف تستغل الفرص الكبيرة المتاحة أمامها " .

ستحصل إسرائيل إذن على المياه ، والنفط ، وستجني شركاتها الأرباح من مساهمتها في تعمير العراق . وقد غدت مكاسب إسرائيل العسكرية ضخمة إلي درجة أنها أصبحت بحاجة إلي حماية ثقافية : أي إلي إشاعة القبول بالوجود الإسرائيلي – الأمريكي ، واعتبار أن يوم سقوط بغداد كان يوم عيدها كما أعلن  مجلس الحكم الذي عين الحاكم الأمريكي للعراق أفراده بالاسم واحدا بعد الآخر . ولذلك افتتحت إسرائيل في يونيو العام الماضي قناة " الشرق الأوسط " الفضائية ليصل بثها إلي سوريا ولبنان والمغرب ومصر ودول الخليج العربي وأوروبا . وفي حينه أكد الوزير المسئول " رعنان كوهين " أن القناة ترمي لتقريب الإسرائيليين إلي الشرق الأوسط أي لإشاعة القبول بالعدوان والرضوخ لما يجنيه العدوان من مكاسب . وفي مطلع الشهر الماضي افتتحت إسرائيل مركزا للدراسات الشرق أوسطية في بغداد . ويعد المركز الخطوة الأولى في الاختراق الإسرائيلي للعراق والشروع في عملية التطبيع الثقافي . ويدير المركز الجنرال المتقاعد إيجال كارمون المستشرق الإسرائيلي المعروف بمواقفه المتطرفة المعادية للعرب والذي شغل لسنوات طويلة منصب مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب . وقد أقيم هذا المركز منذ نحو خمسة أعوام ومقره الرئيسي في واشنطن ، ثم افتتح فروعا له في لندن وبرلين والقدس الغربية ، والآن في بغداد .

      هناك عقبة وحيدة فقط تواجه كل ذلك المخطط ، بمكاسبه ، ونواياه هي المقاومة العراقية. هناك في بغداد مائة وثلاثون صحيفة ، ومائة وستون تنظيما حزبيا ، وتسعة رؤساء لمجلس حكم  أمريكي من خمسة وعشرين عضوا ، وهناك مختلف الملل والأعراق والديانات ، لكن هناك أولا وقبل كل شيء احتلال وهناك مقاومة ، ولابد للاحتلال أن يرحل ، والدفق اليومي المستمر للأكاذيب الثقافية لن يبدل شيئا من جوهر هذه الحقيقة ، لأن الحقيقة من معدن لا يصدأ .  


أحمد الخميسي . كاتب مصري

 

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية