- العسكرة والحرب -
بقلم: خالد الفيشاوى القاهرة : 22 مارس 2003
وذلك أمر ليس بجديد ، فقد سبق أن شاهدنا نفس الموقف فى يونيو 1967 ، حينما فتحت النظم العربية حدود بلادها أما الاجتياح الإسرائيلى ، وأقرت الهزيمة ، بينما حشدت قواتها لمواجهة غضب شعوبها ، وانطلقت المدافع فى سماء مصر مساء 9 يونيو ، لترويع المصريين وإجبارهم على الهدوء والعودة لمنازلهم ، يوم أن انفجروا رافضين للهزيمة .. وعلى الرغم من التباكى على انهيار النظام العربى ، والحديث عن الخلافات العربية ، إلا أن الحكومات العربية أكدت وحدتها ، حينما تصدت على الفور ، وبحسم وقوة ، لمظاهرات الغضب فى معظم العواصم العربية ، وسقط القتلى فى اليمن والأردن ، وعشرات الجرحى فى مصر ولبنان ، ليؤكد النظام العربى أنه موحد وقوى ، وقادر على اتخاذ قرارات فورية ، دون اجتماعات أو مؤتمرات للجامعة العربية . وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلن بوضوح أنها جاءت لتحرير شعب العراق من " الديكتاتور المستبد " ، وأن هذه مجرد بداية ستعقبها تغييرات أخرى فى العديد من دول المنطقة .. فالأمر الغريب ، أن أداء النظم العربية فى مجملها ، وفى مصر نشكل خاص ( ليس لتفردها ، ولكن لأنها تعنينا فى الأساس ) كان التحرك العنيف لمنع ومصادرة حق الشعب فى التعبير عن غضبه ضد الغزو ، أمر يتناقض مع ما كانوا يقولونه من أن الحرب ستفجر غضب الشعول العربية وتزيد العداء ضد أمريكا ... والأكثر غرابة ، أن قمع المظاهرات كان أشد حدة وأكثر عنفا إذا ما استهدف المتظاهرون الاقتراب من السفارات الأمريكية فى العواصم العربية !! .. رغم ضرورة هذه المظاهرات لكى يدرك الأمريكيون أنهم سيواجهون مستقبلا مظلما إذا ما استمروا فى سياساتهم فى المنطقة ... إن إصرار الحكومات على مصادرة حق الشعوب فى التعبير عن غضبها ، وإجبار الشارع العربى على التزام الهدوء ، والسعى لتجريعنا غزو العراق .. يحمل رسالة شديدة الخطورة ، وهى أن المنطقة طيعة وقابلة للمخططات الأمريكية ، حتى ولو كانت غير مرحبة بها ، إلا أنها مستضعفة ومستكينة ، وهو الأمر الذى يشجع أمريكا على المضى قدما فى خططها من " تحرير العراق " ، إلى تحرير غيره من الشعوب العربية ... وكأن الأنظمة العربية تمهد السبيل بنفسها أمام المخططات الأمريكية التى تستهدفها .. بدلا من أن تتسامح ( لبعض الوقت ) مع مشاعر شعوبها الغاضبة ، التى تصب فى الوقت الراهن لصالح بقاء هذه الأنظمة نفسها ، على عكس ما تستهدف السياسة الأمريكية . على حكامنا أن يدركوا أن الشعب المصرى والشعوب العربية ليسوا أقل حظا من شعوب العالم التى تتظاهر بالملايين فى كل عواصم العالم ومدنه الكبرى ، منذ عدة أشهر ، وإزداد غضبها ، وتصاعد رفضها للحرب عقب بدء الغزو ... فإذا كان المسئولون الأمريكيون والغربيون يقولون أن شعوبهم تنعم بالديمقراطية ، ولذلك فهم يتظاهرون ضد الحرب ... فالأولى بحكوماتنا أن تتظاهر بالديمقراطية ( ولو فى هذه اللحظات ) وتسمح لشعوبها بالتعبير عن إدانتها للحرب ، ورفضها مبدأ الحكومات والأنظمة الحاكمة بالقوة ، حتى لا يصبح قمع الحكومات العربية للمظاهرات مبررا قد تفيد " بوش " و " بلير " ، لتبرير دعوتهم للتغيير فى المنطقة ... هذا مقال منشور بجريدة الأهالى فى 26 مارس 2003
|
|
من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية |