موقع الحكم العسكري في حياتنا العربية الحديثة:
أمـــة عبـيـــد هي بــين عبيـــد الأمـــم
 

شمس الدين الكيلاني
النهار؛ 8/7/2004


منذ أن أدرك العرب الفجوة الهائلة التي باتت تفصلهم عن أوروبا، في مجال التقدم والحضارة، بما يختزناه من قوة، وسعادة، ومن اختصار للزمان والمكان، كان أول ما أثار انتباههم، هو البحث عن مصادر القوة وحسب، لمواجهة مخاطر الاجتياح الأوروبي لبلادهم. فكان أن ركزت النخب الحاكمة على إصلاح الجيش وصناعة السلاح باعتبار الجيش المخزن الأول "للقوة"، والمؤسسة المعوّل عليها في اختزانها، وفي استعمالها للردع، وتركوا المجالات الأخرى التي تختزنها الحداثة الأوروبية، بما فيها الدولة الدستورية، والتنظيم والعلم والصناعة إلى الإصلاحيين في ما بعـد للتبشير بها.

من هنا، بدأ سليم الثالث، في الدولة العثمانية، بإصلاح الجيش، وتبعه محمود الثاني بحل الفرق الانكشارية، وسلك الطريق نفسه فخر الدين المعني في لبنان، ثم محمد علي في مصر، الذي رعى بناء نمط خاص للدولة، يقوم على المركزية المطلقة، في السياسة والاقتصاد، لاقتطاع الفائض الاقتصادي، لتوظيفه في خدمة تجديد بناء الجيش الجديد، وفي بناء صناعة السلاح، ومستلزمات القوة. وعندما وصل هذا النمط من بناء الدولة إلى طريق مسدود، حدث نوع من المفارقة التاريخية، وذلك بأن قام عرابي، وهو جنرال في هذا الجيش، بثورته عام 1880، مستخدماً الجيش نفسه لإحداث التغيير في اتجاه الجمهورية الديموقراطية، لولا أن استدرك البريطانيون الأمر، بالقضاء على الثورة، باحتلالهم مصر، وباستخدام عائلة محمد علي واجهة ملكية لسلطتهم، حتى قيام عبد الناصر بثورته من قلب الجيش أيضا.

لقد رافق الاحتلال البريطاني لمصر، وأعقبه، غزو أوروبي متعاقب للدول العربية، إلى أن وقعت غالبية هذه الدول تحت الاحتلال خلال النصف الأول من القرن العشرين، ثم ما كادت بعض الدول العربية تنعم بشيء من الاستقلال، حتى عاجلتها صدمة سيطرة الصهيونية على فلسطين، ودخولها في حرب خرجت منها مهزومة مجلّلة بالعار، وهو ما أورث صدمة مروعة للوجدان العربي، وشعوراً بالمرارة، لا يدانيه سوى ذلك الشعور الذي أحسه المصريون، وهم يواجهون مدافع بونابرت.

وهكذا، صعدت من عقابيل هذا الوضع المرير، نخب جديدة راديكالية متجهمة الوجه، والأيديولوجية، داخل الجيش وخارجه، استفادت من ذيوع الفكر الاشتراكي وصعود نجم الاتحاد السوفيتي، وتجربته، فتوصلت هذه النخب الجديدة بعد سلسلة من المحاكمات الذهنية امتزج فيها الصائب بالخاطئ، إلى نتيجة حمّلت فيها فساد الحكم الاوليغارشي، ونمط بناء الدولة الليبرالي - البرلماني، وفصل السلطات، مسؤولية التدهور، والهزيمة، ومن ثم أناطت الخروج من دائرة التخلف والتجزئة، والتحرر، بأن تمسك بالأمر "نخبة طليعية تقدمية" معبرة عن الأمة وعن مصالحها، فتقود الدولة والمجتمع عن طريق الانقلاب/ الثورة بطريقة فعالة، باعتمادها المركزية الشاملة في الحياة الاقتصادية والسياسية، وتسخير الفائض الاقتصادي لمقتطع من المجتمع، للتنمية السريعة، بواسطة تخطيط مركزي، تشرف عليه تلك النخبة ذاتها، فيصار إلى "حرق المراحل" وضغط الزمان والمكان للحاق بركب حضارة الغرب ومواكبته، والإسراع في اندماج تلك الدول التي أمسك بناصيتها "الثوريون العرب" على طريق بناء الدولة القومية، أما الديموقراطية وحقوق المواطنة، فكانت خارج مرمى التفكير والعمل.

ولقد شهد العرب سلسلة من الانقلابات/ الثورات، ولاسيما في دول الطوق تحت مظلة هذه الأفكار، وقيادة تلك النخب إثر هزيمة 1948، موظفين الجيش مرة اخرى لإحداث التغيير. وبعد أن لاحت لسنوات قليلة إمكانات النجاح في التنمية والوحدة، في ظل قيادة عبد الناصر لمصر، والذي اخترقت شعبيته، وزعامته النطاق العربي، عندما كان يقود مصر بكل ثقلها التاريخي والجغرافي والثقافي، ما لبثت تلك الآمال أن تبدّدت بعد فشل الوحدة بانفصال سوريا عن مصر عام 1961، ثم أتت هزيمة حزيران الشنيعة، لتضع العرب، بدلالة فشل النظم التقدمية وأيضا التقليدية، أمام تراجع استراتيجي ما زلنا ندفع فاتورته إلى الآن.

خرج العرب من تجربة "الدولة التقدمية" خاسرين في كل اتجاه، ولاسيما في مجال حقوق البشر في التعبير عن أنفسهم، وبمشاركتهم في صنع مصائر بلادهم، فبدل أن يتقدموا في مجال "الحرية" أقاموا صروح الاستبداد، وبدل الاشتراكية ومعها التنمية، شيدوا دولة الفساد والإفساد، حيث تحولت تلك النخب التقدمية والى جانبها البيروقراطية إلى قوة نهب للداخل، وسمسرة للخارج، وبدل الوحدة زادت الأوضاع العربية انحداراً وتمزقاً بعدما فتكت بهذه الأوضاع "الحرب الباردة" العربية بين نظم "التقدم" ونظم "التراجع"، ومن جراء سياسة المحاور، ولاسيما بعد أن نظر كل واحد من قادة هذه الدول التقدمية، إلى نفسه، على أنه زعيم للأمة، والى بلده على أنه إقليم قاعدة لوحدتها، في حين بيّنت خبرة الزمان، أن تلك الدول، عاجزة عن القيام بأي وحدة، سوى تلك التي تقوم على الإلحاق، وعلى هضم القوي للضعيف، وخير مثال على ذلك ما فعله صدام بالكويت!
شاءت الأقدار، أن لا تنتهي الحرب الباردة العربية بين تقليدييها، إلا بعدما أصبحت صيغة "الجامعة العربية"، كصيغة للعمل العربي، سقفاً للمطالب العربية الوحدوية، وأيضا بعد أن غدت الأوضاع العربية برمتها، مهيأة لاستقدام الكولونيالية الجديدة، التي أطلّت في أول طبعاتها على صورة الاستعمار الأميركي للعراق. وهو ما وضع العرب أمام امتحان التاريخ، إما أن يتركوا مستقبلهم لغيرهم يصنعه لهم على هواه، أو أن تنصرف جيوشهم لحماية الأوطان وحسب، وأن يعيدوا تشكيل حياتهم بأنفسهم، عبر المشاركة الديموقراطية، وان يعرفوا، أن أمة من العبيد لا بد أن تكون من عبيد الأمم!


كاتب سوري - حلب