اليسار السوري في واقعه الراهن

سلامة كيلة
(كلنا شركاء ) 29/4/2004

معنى اليسار غامض لأنه متغيّر. فمن هو اليساري اليوم؟ وما هي الأسس التي تحدّد اليسار؟

في الماضي كان الطيف اليساري عريض، أما الآن فقد تقلّص حتى يكاد يتلاشى. إنه مفكك ومفتت، بلا رؤية، أوبرؤى أميل إلى اليمين. والشك يسكن كل الأفكار التي طُرحت كمعبّر عن اليسار، من اليسار القومي إلى اليسار الماركسي. وإذا كانت السياسات التي اتبعتها الأحزاب التي وصلت إلى السلطة (البعث) هي التي شككت في أفكارها، خصوصاً أنها أنشأت سلطات استبدادية، في الوقت الذي فشلت فيه في تحقيق الأهداف العامة التي رفعتها كشعارات.  فإن اليسار الماركسي (الشيوعي) بدا ملحقاً بهذه السلطات ومدافع عنها، وكان في العديد من المواقع يتماهى معها، الأمر الذي حمَّله وزرها.

لكن انهيار النظم الاشتراكية هو الذي أوجد واقعاً جديداً، لأنه أوصل اليسار إلى نهاياته، ولوّنه بلون كاريكاتوري. لقد ظل اليسار أملاً وحلماً حتى بعد ظهور مشكلات أحزاب الحركة القومية، وبعد توضَّح التحاق الحركة الشيوعية بها، الأمر الذي فرض نشوء اليسار الجديد الذي أمل بتحقيق الحلم الاشتراكي. وبالتالي، فإذا كان اتجاه من اليسار هو الذي أصبح في أزمة، فإن الانهيار جعل اليسار عموماً في مأزق، ووضع تعبير اليسار في دائرة الوهم.

والآن، هناك لون باهت لليسار في السلطة، وآخر باهت كذلك في المعارضة وهو الذي واجه الاستبداد، وناضل ضد الدكتاتورية، وكان مؤملاً أن يحافظ على يساريته. هذا الوضع نتج عن التحوّلات التي حدثت منذ خمسينات القرن العشرين، حينما أنتج الصراع الواقعي وصول حزب البعث عن طريق الجيش إلى السلطة. هذا الحزب الذي اتخذ صبغة يسارية وهو يسعى إلى تجاوز البنى التقليدية الإقطاعية التي كانت سائدة أواسط القرن العشرين، والمدعّمة من قبل الاستعمار. وكان ينزع نحو الحداثة كتعبير عن فئات وسطى فقيرة وخصوصاً في الريف. لكن وصوله إلى السلطة فرض تحوّله إلى "اليمين"، خلال عملية تحويل مجتمعي قاد هو تحقيقها، بدأت بتصفية الإقطاع عبر تطبيق الإصلاح الزراعي وتوزيع الأرض على الفلاحين، ثم وضع إستراتيجية التنمية التي هدفت إلى بناء الصناعة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية. وبالتالي أعيد تشكيل الريف طبقياً لمصلحة الفئات الوسطى بعد إزالة الإقطاع عبر تمليك الفلاحين مساحات من الأرض، كما توسعت الطبقة العاملة في ظل حقوق أساسية حصلت عليها (العمل ثماني ساعات، الضمان الاجتماعي والتقاعد، والأجر المتناسب مع الأسعار)، وتعميم التعليم المجاني. حيث رافقت هذه العملية (وكان في قعرها) الميل للتبرجز (التحوّل إلى الرأسمالية) الذي حكم تلك الفئات التي وصلت إلى السلطة، والذي تحقق عبر النهب (وليس الفساد فقط) الذي طال الفائض المتحقِّق في الإنتاج، وعبر السمسرة (الفساد).  ولقد ترافق كل ذلك مع تكريس الدكتاتورية وتدمير السياسة في المجتمع، واختراع طقوس تلهي البشر وتضللهم.

وبالتالي فإذا كان قد أوجد وضعاً جديداً، فقد تلاشى لمصلحة فئات راكمت الرأسمال وأخذت تبحث عن أفق لتطوير وضعها بالعلاقة مع الرأسمالية المهيمنة عالمياً.

وإذا كان الحزب الشيوعي هو أقدم أحزاب اليسار، حيث تأسس سنة 1924، فقد كان ميله اليساري مثلوماً منذ نهاية ثلاثينات القرن العشرين، حينما مال إلى دعم البرجوازية وإلى التأكيد على ضرورة انتصارها لتحقيق "الثورة الديمقراطية"، وكذلك عدم المسّ بترابطها مع الإقطاع ذاك الترابط العضوي، لأن البرجوازية عندنا هي بنت الإقطاع. الأمر الذي دفع الحزب إلى تقديم برنامج مطلبي في المدينة والريف، دون أن يدعو إلى إنهاء الإقطاع حيث كان التكوين الإقطاعي هو المهيمن، ودون أن يؤكد على إعطاء الطبقة العاملة دوراً تغييرياً كان الوضع العالمي يؤشّر إلى ضرورته، خصوصاً وأن قسم كبير من الأحزاب الشيوعية في العالم كان يقود ثورات التحرر الوطني وتحقيق المهمات الديمقراطية، بالتحالف مع طبقات أخرى من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، لكن بقيادة هذه الأحزاب.  بينما كان منطلق الحزب الشيوعي السوري هو ضرورة التطوّر الرأسمالي، وضرورة النظام الديمقراطي. ولعل برنامج الحزب المقرّ في مؤتمره الثاني المنعقد سنة 1943/1944، وشروحات خالد بكداش عليه تبرز هذا الفهم.  ولهذا كان نقدياً تجاه أحزاب "البرجوازية الصغيرة " المتسرّعة التي تطرح أهداف مستعجلة، وتوسع جبهة الصراع عبر فتح الصراع مع البرجوازية.  ولقد دافع عن البرجوازية حينما تحققت الوحدة مع مصر سنة 1958 وبدأت بتحقيق الإصلاح الزراعي والتأميم.  لكن وصول حزب البعث إلى السلطة أربك وضعه، خصوصاً أن "العلماء السوفييت" كانوا قد اخترعوا "نظرية التطوّر اللارأسمالي" و "التوجه الاشتراكي"، كما أن الخطوات التي بدأ بالإصلاح الزراعي والتأميم وحقوق العمال والتعليم المجاني والتحالف مع الإتحاد السوفييتي، وهي الخطوات التي كانت التعبير عن "التطوّر اللارأسمالي" و"التوجه الاشتراكي"، فرضت التحالف وأدخلت الحزب الشيوعي بنية السلطة بعد انقلاب 16/11/1970، رغم أن التحولات التي تحققت خلال سلطة البعث حوّلت من طبيعة القاعدة الاجتماعية للحزب الشيوعي.  لأن الإصلاح الزراعي والتأميم والتصنيع حوّلت من طبيعة التكوين الطبقي في المجتمع، الأمر الذي أضعف من قاعدة الحزب خصوصاً وأن القضايا المطلبية التي كان ينادي بها قد تحققت (ولو مؤقتاً)، مما أدخل الحزب في حالة "الموت السريري" وفتح الباب لبدء تفككه، في المرة الأولى على أساس برنامجي ونتيجة اختلافات حقيقية، ومن ثم نتيجة اختلافات هامشية وتناقضات كانت تعتبر أنها "شخصية".  وهذه نتيجة طبيعية لحالة "الموت السريري" تلك.

لقد اختفى الطابع اليساري، حيث أصبح التركيز على "الموقف الوطني"، وأصبح الدفاع عن السياسة الوطنية للسلطة، محور سياسة الحزب، مع نقد (أحياناً) لبعض المسائل الداخلية، وإشارات إلى "البرجوازية البيروقراطية"، وتلميح لأخطاء في السياسة الداخلية.  وباءت بالفشل كل المحاولات لإعادة صياغة تصوّرات الحزب بما يجعله يدافع عن الديمقراطية وعن "أوضاع الشعب".  وهي محاولات كانت تبرز هنا أوهناك، وربما لازالت تبرز بين الفينة والأخرى.  وبالتالي لم تعد هناك قضية يدافع عنها، ولم يعد الهدف الذي يسعى إليه يبرّر كل يساريته.  ولهذا فهو يسار لا يلعب دور اليسار، بل يقوم بالدفاع (الخجول ربما) عن سلطة تحوّلت إلى سلطة فئات نهّابة، تستولي على كتلة أساسية من الفائض المنتج اجتماعيا، وتدفع الطبقات الشعبية إلى الفقر، وتلقي أقسام متّسعة منها في البطالة، وتوسّع من احتكار القلة في الاقتصاد كما في السياسة.  دون أن يدافع الحزب عن كل هؤلاء المفقرين، وإن فعل فبشكل خجول ودون أن يحوّل هذه المسألة إلى قضية وهدف.  ويمكن أن يشار في البرامج إلى بعض المشكلات لكنها تبقى حبيسة الأوراق دون أن تتحوّل إلى مهمات واقعية.

من ثمّ هل هو يسار؟

قلت أنه يسار لا يلعب دور اليسار، ويساريته ربما كانت قادمة من الماضي، لأنه الآن لا يعبّر عن الطبقة العاملة وعن الطبقات الشعبية، ولا يقدّم ما يفيد صيرورة التقدّم.  كما أن البنى الفكرية التي لازالت متداولة لديه قديمة ومتحللة، أو"جديدة" لا لون لها، فالتجديد لم يفضِ إلى تجاوز "العقلية" والسياسات القديمتين، ولم يقُد إلى تحديد دور جديد للحزب، رغم طموح قطاعات فيه إلى ذلك، وتعلُّق هذه القطاعات بحلم حقيقي لأن يلعب الحزب دوراً مختلفاً في اليسار وخارج بنية السلطة.

لذا فالحزب الشيوعي (بفرعيه، مع ملاحظة تزمّت في الحزب الأم) يفتقد الرؤية الفكرية اليسارية، كما يفتقد البرنامج اليساري، إضافة إلى أنه في الهامش، أي هامش السلطة وهامش الحركة الاجتماعية.

في المقابل، جرت محاولات لتأسيس يسار مختلف، "ثوري" و"جذري" و"بديل"(وأضع هذه التعابير بين مزدوجين ليس بهدف التشكيك، بل من أجل الاحتراس والتمحيص).

ولاشك في أن الخلاف في الحزب الشيوعي السوري الذي بدأ سنة 1969، واكتمل بانشقاق الحزب سنة 1972، كان هو المحاولة الجادة لتأسيس دور مختلف للحزب. وفي هذا الانشقاق كانت تتزامن لحظتان، الأولى هي تلك التي عبّرت عن السعي لإعادة الحزب إلى ما كان قد تبلور عليه الحزب في ثلاثينات القرن العشرين(أي قبل استلام خالد بكداش أمانته العامة)، ولم تكن هذه عودة "أصولية"، حيث كان قد تبلور خط الحزب ودوره وتصوّره انطلاقا من وعي حقيقي للواقع (كما معظم الأحزاب الشيوعية في العالم)، قائم على رؤية عربية في إطار وعي أن الاستقلال والتطوّر يفرضان أن يكون الحزب هو الفاعل الأساسي على أساس برنامج قومي ديمقراطي يهدف إلى تحقيق المهمات الديمقراطية العربية، وأولها مسألة الوحدة العربية.  كما يسعى لأن يلعب دور البديل الحقيقي حيث يقود النضالات العربية من أجل الاستقلال والوحدة.

هذه الرؤية وهذا الدور هما اللذان شكلا الأساس الصحيح لكل الأحزاب الشيوعية التي أثّّرت في مسار القرن العشرين، وكان تحوّل سياسات الحزب السوري نهاية ثلاثينات القرن العشرين هو الذي أسس لمأزق الستينات بعد استلام البعث للسلطة.  لهذا كانت مسألة الوحدة العربية (ومسألة فلسطين) في جوهر الخلاف سنة 1969، كما كان الدور الذي يجب أن يلعبه الحزب في الصراع الواقعي مسألة بارزة، كحزب مستقل فاعل يقود النضال من أجل الوحدة والديمقراطية والحداثة (وربما عبر ذلك عن ميول ظهير عبد الصمد أكثر من أي شخص آخر، والتي ظهرت قبلاً في الحزب مع ياسين الحافظ والياس مرقص). والحزب هنا كان يحاول أن يستعيد دوره الثوري التغييري لكن في زمن متأخر قليلاً (ربما عقد من السنين)، حيث كان البعث قد سبق وإن بطموحات طبقية مختلفة.

واللحظة الثانية هي تلك التي تبلورت في رؤية تنطلق من ضرورة الديمقراطية في إطار اقتصادي رأسمالي، وعلى ضرورة التحالف "في سبيل نظام ديمقراطي"، والتي كانت تتردد أكثر في مواجهة انتصار الوحدة المصرية السورية وسلطة جمال عبد الناصر، ثم سلطة البعث في مراحلها الأولى، حيث كان الحزب مع "النظام الديمقراطي" على أساس الملكية الخاصة. لقد كانت الديمقراطية لحظة نقدية أواسط الستينات من القرن العشرين قبل أن تتراجع لمصلحة "التوجه الاشتراكي".  هذه اللحظة أصبحت تصوّراً مركزياً في الحزب "المنشق" (أو المنشق عنه)، أي ما أسمي للتمييز بالمكتب السياسي، نهاية سبعينات القرن العشرين، وربما أسهمت ميول عبّرت عنها أحزاب شيوعية أخرى في الصين والفيتنام، أي في ميل ربما كان مخفياً للتلميح لدور قيادي للحزب الشيوعي أو ربما بفعل الجو العام الذي تلا "الثورة الطلابية" في أوروبا ونشوء الميول للتخلص من إرث الماركسية السوفييتية في نشوئها، رغم أنها تراجعت بسرعة فائقة لتحل محلها اللحظة "الأصلية" المحددة "في سبيل نظام ديمقراطي"، وتأثراً أيضاً بالشيوعية الأوروبية. وهنا لم يكن اعتبار الديمقراطية هدفاً هو المشكلة، حيث كان من الضروري أن تصبح الديمقراطية هي الهدف نتيجة السلطة الاستبدادية التي فرضت نفسها وأصبحت قوة قهر، بل يمكن أن نحدّد المشكلة في الرؤية التي حكمت تحويل الديمقراطية إلى هدف "مركزي". هذه الرؤية التي كانت تعيد الماضي (أي الدعوة إلى نظام ديمقراطي برجوازي) متجاهلة أن التحولات التي حدثت نتجت أساساً عن عجز الرأسمالية وعدم ميلها إلى تحقيق التطوّر، ومتجاهلة التطوّر الذي تحقق خلال أكثر من عقد والذي غيّر من طبيعة البنية الاقتصادية الاجتماعية. وبالتالي ابتعادها عن تلمس مشكلات الطبقات الشعبية لمصلحة التركيز على الديمقراطية، الأمر الذي أسس لنشوء ميل ليبرالي خالص.

لكن المحاولة التي بدت أكثر يسارية فكانت التي عُرفت تحت عنوان اليسار الجديد، وأساسها رابطة العمل الشيوعي (ثم حزب العمل الشيوعي) التي توصّلت إلى أن الرأسمالية قد "انتصرت" باستلام البعث السلطة، لهذا فقد غدت الثورة الاشتراكية هي الثورة الراهنة، وإن كان عليها أن تستكمل المهمات الديمقراطية في إطار "البرنامج الانتقالي"، الأمر الذي جعلها تطرح ضرورة تحالف الطبقات الشعبية. وإذا كان الحزب قد رفض فكرة الحزب الشيوعي القائلة بتحقيق الثورة الديمقراطية البرجوازية وبقيادة البرجوازية لها، لمصلحة الثورة الاشتراكية بقيادة البروليتاريا، فقد طرح حكماً مسألة التغيير. وسنلحظ بأن محاكمته لمسألة "طبيعة الثورة" كانت أحادية بعض الشيء، وتتجاوز ممكنات الواقع، فهي المعاكس للرؤية السالفة (أي رؤية الحزب الشيوعي)، التي لا يحتمل الواقع ممكناتها. رغم أنه أضاف مسألة مهمة هنا تتعلق بالدور التغييري للحزب الماركسي، كما بالميل الكفاحي إلى حدٍّ ما.

وإذا كانت هزيمة حزيران سنة 1967 قد هزّت التكوين السياسي العربي، ودفعت إلى البحث عن أفق جديد، فقد أتت الثورة الطلابية في أوروبا سنة 1968 والثورة الثقافية في الصين وأثر الثورة الفيتنامية، بما يمكن أن يسهم في اقتحام هذا الأفق. حيث دفعت باتجاه تأسيس يسار جديد حاول أن يعيد صياغة الرؤية بما يجعل الماركسية قوة تغيير دون أن يفلح في الغالب. لكن الأهم هو نشوء ميل لتبلور ماركسية نقدية، ربما كان ياسين الحافظ هو مطلقها آنئذ، والتي حاولت أن تتحول إلى قوة فعل في حزب العمال الثوري العربي. ولعل مأثرته في السياسة برزت في بلورة مفهوم الثورة القومية الديمقراطية التي تعني أن يحقق الماركسيين المهمات الديمقراطية (الاستقلال والوحدة والتصنيع والحداثة) في صيرورة تفضي إلى الاشتراكية.

لكن بدا أن الميل الثقافوي سيطر إلى حدّ ما نتيجة التركيز المفرط على مسألة التخلف، وملاحظة جانبه الثقافي/ الأيديولوجي وتجاهل (أو عدم إيلاء) الأساس الاقتصادي الاجتماعي الذي هو يجب أن يهتزّ لكي يسهم في فتح أفق التحديث في "العقل". ولقد فتح هذا الميل على التركيز كذلك على الليبرالية والديمقراطية الأمر الذي فرض نشوء الإتجاهات ذلتها التي نشأت في الأحزاب اليسارية الأخرى، وبالتالي تهميش كل مفهوم الثورة القومية الديمقراطية.

لكن هذه المحاولات، التي كانت تعاني من قصور ذاتي يمكن لمسه من طبيعة التصوّرات التي طرحتها والتي تتعلق في وعي الواقع، تعرّضت لملاحقات أمنية شديدة ولضربات قوية، وجهتها السلطة، تمثلت في حملات اعتقال واسعة طالت معظم كادرها وأعضائها خلال عقد الثمانينات. الأمر الذي أدى إلى إضعافها وشل نشاطها أو إنهائها، خصوصاً وأن "الصراع الطبقي" كان راكداً نتيجة تحولات عقد الستينات التي أشير إليها قبلاً. الأمر الذي جعل الصراع يتركز على ما هو سياسي، ويتمحور في السياسي دون الاقتصادي الاجتماعي، أي على الديمقراطية والمسألة الوطنية (المسألة الفلسطينية خصوصاً)، أو هكذا كانت تتمركز في الوعي، رغم الإشارات إلى ما هو اقتصادي واجتماعي. الأمر الذي يشير إلى مشكلة تتعلق بوعي الماركسية، هذه الماركسية التي غلّبت الاستناد إلى " النص/ المرجع" على وعي الواقع انطلاقا من أدوات منهجية هي أسس الماركسية. مما أسس لتصوّرات "ماركسية" تتكيّف مع الواقع أو تعمل على تغييره انطلاقا من رؤية غير مطابقة. وبالتالي التوهان في صيرورة غامضة، والغرق في دوّامة لا قعر لها.

إن انهيار النظم الاشتراكية هو الذي صاغ وضع اليسار راهناً، هو الذي أسس لكل الإختلاطات الراهنة، لكن بالتأسيس على تكوينه السابق ومجمل الظروف التي مرّ بها. وإذا كان الحزب الشيوعي قد دعم السلطة انطلاقا من أنها سلطة اشتراكية، وتماهى معها على هذا الأساس (في البداية على الأقل)، فقد كان في الواقع يؤيد سلطة رأسمالية، كانت " اشتراكيتها" تخفي ميل الفئات الريفية الساعية لتحقيق الارتقاء الطبقي، كما كانت كل سياساتها "الاشتراكية" تهدف إلى "سلب" الثروة الممركزة بيد الإقطاع والرأسمالية القديمة وإعادة تدويرها بما يصبّ في مصلحتها هي الذات، عبر عملية اقتضت تحقيق الإصلاح الزراعي والتأميم. بمعنى أنها لم تفكر لحظة بإنهاء الملكية الخاصة، التي هي أس الاشتراكية. وبالتالي كانت في إطار سياساتها هذه تفتح الأفق لتعميم الرأسمالية وليس لتجاوزها. والحزب الشيوعي هنا لم يخالف موقفه القديم المنطلق من دعم التطوّر الرأسمالي، وإن كان مطمحه هذا يتحقق عبر فئات اجتماعية غير تلك التي كان يدعمها وعلى الضد منها (أي البرجوازية الوطنية)، لكن في إطار أيديولوجي مموّه عبر الشعار الاشتراكي (المعبر عن اشتراكية ا لفئات الوسطي).

ولقد أفضت تلك السياسات إلى النهاية ذاتها، أي نشوء رأسمالية طفيلية تندمج تدريجياً بالنمط الرأسمالي العالمي، وتتحول إلى تابع في إطار بنيته كما البرجوازية القديمة التي تعود فتندمج بالرأسمالية المشكّلة حديثاً، ليشكلا معا الطبقة الرأسمالية الجديدة. إذن تحت شعار الاشتراكية كانت تتحقق الرأسمالية، وكان يجب أن تكون هذه الصيرورة واضحة انطلاقا من أن "الاشتراكية" التي تنادي بها هذه الفئات هي "اشتراكية البرجوازية الصغيرة" القائمة على تكريس الملكية الخاصة كحق مقدس في إطار الدعوة للمساواة و"الاشتراكية".

والحزب الشيوعي هنا يؤسس على "الشكلي" في رؤيته للواقع، رغم أن ذلك يمكن أن يكون المعبّر عن "اللا واعي" في وعيه حيث كان يؤيد في الحقيقة التطور الرأسمالي في الواقع. وهو الآن لازال يدافع عن ما هو"يساري" في التجربة، إنه يدافع عن "القطاع العام" وعن حقوق العمال وعن ربط الأجور بالأسعار..... الخ.

لكن الانهيار أطلق العنان لكل مفاهيم الليبرالية الجديدة، وإلى "الحلم" بالتطوّر الرأسمالي. وكما حدث في العالم من ميل اليسار (أحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وبعض الأحزاب الشيوعية) إلى اعتناق مبدأ الليبرالية الجديدة، فقد أصبحت " موضة" عندنا. وأصبح التحليل ينطلق من أن النظام الذي أقامه البعث هو نظام اشتراكي، لهذا فقد أصبحت مشكلة تجربة البعث (والتجربة السوفييتية أيضاً) في أنها قطعت مسار التطوّر الرأسمالي الذي كان يتحقق بعيد الاستقلال. وهو التطور المفضي حتماً إلى الديمقراطية، أو حتى المترابط حتماً معها كما كان يبدو نهاية الأربعينيات وأواسط الخمسينات من القرن العشرين.

ليعود الحنين إلى الرأسمالية، تلك الرأسمالية التي "علقت في الذهن" من خلال كتابات الرفيق خالد بكداش، الذي كان يحلو له امتداحها والتأكيد على دعم تطوّرها، المرتبط حتماً بالديمقراطية.

لقد عدنا إلى شروحات الرفيق خالد لبرنامج الحزب المقرّ سنة 1943/ 1944، والمؤكدة على النظام الديمقراطي القائم على أساس الملكية الخاصة، والمشيرة إلى أن الحزب يسعى لتحقيق ما حققته الثورة الفرنسية (وليس الثورة الروسية).
ولتعود الرأسمالية هدفاً راهناً، وضرورة مؤكدة. وإذا كان خالد بكداش يصرّ على دعم البرجوازية الوطنية التي تسعى إلى تحقيق الاستقلال، وبالتالي المعادية للإمبريالية، فإن الدعم اليوم يوجه للرأسمالية حاف، أي الساعية للتكيّف في إطار النمط الرأسمالي العالمي من موقع التابع والوسيط.

بمعنى أن الحلم القديم كان يلحظ ضرورة التصنيع والتنمية، لكن "الحلم" الجديد يقبل التكيّف وفق مقتضيات الرأسمال الإمبريالي.

الأمر يتعلق إذن بحتمية الرأسمالية حتى تلك التي يفرض النمط الرأسمالي العالمي وجودها الواقعي، أو دون البحث الجاد في ممكنات التطوّر الرأسمالي، وأصلاً هل التطوّر الرأسمالي ممكن؟ إذن لماذا لم يتحقق في الأمم المخلّفة التي لم تختر الاشتراكية؟ هذه الأسئلة ليست مطروحة ولا تبدو الحاجة ملحّة للإجابة عليها، رغم أنها في أصل الموضوع لأنها البداية لطرح السؤال الآخر المتعلق بالبديل.
هل برنامج الليبرالية الجديدة هو برنامج يساري، هذا البرنامج الذي يسكن أحلام يساريينا؟ إنه برنامج أقصى اليمين الذي يحكم العالم اليوم، ولكن أوضّح بأن البديل ليس هو الدفاع (أو تأييد) برنامج السلطة، لأن ما يمارس يفترض الرفض ولأن الفئة التي نهبت هي التي تسعى لأن تحقق المكاسب من برنامج الانفتاح والاندماج في العولمة، وبالتالي فهي التي ستكون جزءاً من (أو ربما المحرك) لبرنامج الليبرالية الجديدة، الأمر الذي سوف يقود إلى زيادة إفقار الفئات الاجتماعية المختلفة وتهميشها بتزايد أعداد العاطلين عن العمل.

والديمقراطية في هذا الوضع مستحيلة (أو ستكون شكلية في الغالب) لأنها حالما تربط بالرأسمالية "القائمة بالفعل"، أي الرأسمالية كما هي في الواقع (وليس في الذهن/ الخيال) تنفي ذاتها، لأن سياساتها التي تقود إلى الإفقار والتهميش تدفع إلى الرفض والمقاومة، الأمر الذي يتطلب الاستبداد والقمع و"النظام الأمني".

لكن خريطة اليسار تشير إلى أن الديمقراطية المرتبطة بالرأسمالية هي التي تسكن وعي قطاعات مهمة منه، وهذا الوعي يلقى مؤيدين متحمسين في كل أحزاب اليسار، التي في السلطة والتي في المعارضة. وإذا كان يبدو أنه يتعارض مع السلطة، فلأنه يرفض شكلها السابق، الذي كان يعتبر اشتراكيا أو الذي كان يُعتقد أنه اشتراكي، لكنه يلتقي مع ميول الفئات الرأسمالية التي نهبت وأصبحت تمثَّل جزءاً مهماً من أية طبقة رأسمالية ستتشكل في السنوات القادمة، بعد معاندة دامت سنوات بفعل "التنافس" بين الرأسمالية التقليدية القديمة والرأسمالية التي تشكلت عبر نهب المجتمع والدولة.

إذن البرنامج الذي يدافع عن السلطة هو برنامج يمين، والبرنامج الذي يدعو إلى الليبرالية هو برنامج يمين كذلك. واليسار ضائع بين "اليمينين"، رغم أن "الوضع العالمي" والأوضاع المحلية تدفع نحو اليسار. فالواقع العالمي الراهن يعيد اليسار إلى الذهن كما إلى الواقع نتيجة إندياح الرأسمالية وهجومها المتوحش، بقوة سلعها ورأسمالها وبقوة جيوشها، وبميلها إلى الاحتلال والسيطرة والنهب، الأمر الذي يقود إلى إفقار الشعوب، وبالتالي إلى جموحها إلى الاستقلال والتطوّر. ومن ثم توضُّح الصراع ضد الرأسمال والاستغلال، وانكشاف طبيعة الصراع كصراع طبقي سياسي. ومحلياً نتيجة الإفقار المتزايد وتصاعد أعداد العاطلين عن العمل، وأزمة الاقتصاد والحاجة الجامحة إلى الديمقراطية، وإلى أن تعود الحركة الاجتماعية قوة تدافع عن مصالحها.

لهذا فإن أحزاب اليسار في أزمة عميقة، وربما كان وضعها الراهن الذي هو نتاج تكوينها الماضي حكماً، يؤشر إلى أنها تنتهي، تتلاشى. إنها مفككة إلى أحزاب وبقايا أحزاب ومجموعات، وكلها ضعيفة تكاد لا تُرى، كما أنها منعزلة وعلى هامش البنى الاجتماعية، دون رؤية أو شعارات ودون أفق. وكما لاحظنا فهي – في الغالب- في اليمين، ودون مقدرة على الفعل. رغم الميول التي باتت ترتسم في الواقع والتي تشير إلى ميل لإعادة البناء، والتي تتبلور في ميل حواري ودفع نحو إعادة صياغة الرؤية (وحدة الشيوعيين، المكتب السياسي، ومجموعات متفرّقة أخرى).
هذا التوصيف لا يهدف إلى إطلاق روح سوداوية، على العكس إنه يهدف إلى إطلاق حركة حوار من أجل تحقيق التجاوز لأن الواقع يفرض أن يعود اليسار قوّة. لهذا يجب أن يصبّ ذلك في السعي من أجل أن تعاد صياغة اليسار وفق الظروف الجديدة، ولكن من أجل حلم يساري حقيقي، حلم ينطلق من ضرورة تحقيق التطوّر (الذي يعني بناء القوى المنتجة وتطوير الاقتصاد) والديمقراطية والحداثة، وفي تحقيق مصالح الطبقات الفقيرة وأساسها الطبقة العاملة، في إطار تحقيق الاستقلال الحقيقي وتأسيس علاقات عالمية على أساس من التكافؤ والمساواة.
هذا الوضع يفترض الحوار والنقاش والانتقاد، حيث أصبحت كل مفاهيم اليسار، واليسار الماركسي تحديداً، موضع شك وتشكيك وأيضاً موضع تساؤل، ولم يعد لليسار معنى حتى لو كان وهمياً. الأمر الذي يفرض إعادة تأسيس المفاهيم والأفكار والرؤى، , أولاً إعادة تشكيل الوعي وامتلاك المنهجية التي تسمح بوعي جديد للواقع وللتجربة. كما يفرض العودة للتعبير عن الحركة الاجتماعية وعن الطبقات الشعبية خصوصاً، من أجل حلم بديل. خصوصاً وأن الطيف اليساري متعدد وواسع، والتبلورات التي تعمل على تأسيس مختلفٍ، تنشأ وتعمل على صياغة ما يمكن أن يفضي – عبر الحوار- إلى أفق آخر.