انهيار العقد الاجتماعي
أو إفلاس التيار القومي...

احمد زكي
13 مايو 2004

العقد الاجتماعى الأول

يرجع انتصار مشروع ضباط يوليو 1952 في مصر على مشاريع القوى السياسية المدنية على اختلاف مشاربها، إلى قدرة دولة الضباط على تنفيذ البرنامج الاجتماعى الوطني الذي، رغم هشاشته وتواضعه، فشلت الأحزاب المدنية التى حكمت بعد ثورة 1919فى المضي به إلا خطوات قليلة متناثرة هنا وهناك. 

ففي حين قام الزعيم الوطني "النحاس باشا" بيده, التى ابرم بها معاهدة 1936 مع الإنجليز، بإلغاء هذه المعاهدة عام 1951, نجح الضباط الأحرار فى إبرام معاهدة "جلاء" نهائية مع انجلترا فى 1954.  

[بغض النظر عن نجاحهم فى المحافظة على سيادة كامل أراضى الدولة من عدمه، ومعنى السيادة الوطنية في عصر الإمبريالية.] 

ورغم إعلان مجانية التعليم عام 1951 على لسان المفكر "د. طه حسين" بوصفه وزيرا للمعارف فى وزارة الوفد: "التعليم كالماء والهواء"، عن طريق التوسع في منح المجانية لأبناء الطبقات الدنيا في كلا المرحلتين الأساسية والجامعية، (تأمل شخصية ’محجوب عبد الدايم‘ في رواية ’القاهرة الجديدة‘ للأديب الكبير نجيب محفوظ)؛ إلا أن ضباط يوليو هم الذين توسعوا كميا، وبشكل شمل أنحاء البلاد، فى توفير فرص التعليم المجاني الأساسي والجامعي لتغطى فقراء الريف والمدن، بالتوسع في توفير الموارد المادية والبشرية اللازمة (أبنية تعليمية وموظفين).

[بغض النظر عن السياسة التعليمية التي اتبعوها وقيمة التعليم التي وفروها, بالإضافة إلى الإنفاق الباهظ الذي يدفعه البيت المصري من اجل نوعية أكثر رداءة من هذا التعليم هذه الأيام.] 

ورغم أن الاهتمام بمسألة الإصلاح الزراعى فى مصر قد بدأ فى زمن الأحزاب المدنية تحت الحكم الملكي بعد الحرب العالمية الثانية، كاقتراحات القوانين التى قدمها نواب مثل إبراهيم شكري النائب البرلماني حينذاك (وحاليا!)، إلا أن ضباط يوليو هم الذين نفذوا قوانينه على موجات.

[بغض النظر عن أنهم نقضوه بعد ذلك بالكامل, وبغض النظر عن السقوط الهائل للزراعة المصرية فى براثن الشركات الكوكبية بمباركة حكومات يوليو المتعاقبة من البداية وحتى الآن.]

ورغم أن من الصحيح تاريخيا أن الأحزاب المدنية فى العهد الملكي لجأت إلى قوانين الطوارئ لتحكم العلاقة القانونية بين المستأجر ومالك العقار السكنى لحل مشكلة الإسكان، إلا أن حكم الضباط، رغم استمراره فى اعتماد نفس المنهج العسكري لحكم العلاقات القانونية بين الطرفين، شيد - ولازال يشيد حتى الآن - الآلاف من الوحدات السكنية الشعبية فى محاولة لتخفيف الآثار المرعبة لهذه المشكلة المزمنة والمستفحلة.

[وبغض النظر عن ظاهرة سكان المقابر في القاهرة والأحياء العشوائية حول مدن مصر، متزامنة أيضا مع بداية ظهور المساكن الخالية فى القاهرة والمدن الأخرى.]  

برغم محاولات الأفراد (المجتمع المدني) كطلعت حرب، مؤسس بنك مصر، فى إنشاء مصانع للنسيج (ضرب وقضى عليه بواسطة سلطة الدولة الملكية، كما انه لم يتمتع بدعم سياسي مخلص لمبادراته من الهيئات الحزبية السياسية القائمة حينذاك)، وكذلك برغم محاولات أقدم من دولة محمد علي وأبنائه، إلا أن ضباط يوليو هم الذين توسعوا فى إقامة المنشآت الصناعية الكبيرة الحجم، سواء عن طريق زيادة حجم القائم منها (ممصرة كانت أم مؤممة)، أو إنشاء منشآت جديدة كبيرة الحجم، لتستوعب أعدادا غفيرة من الأيدي العاملة لحرفيي المدن والمعدمين فى الريف.  وساهمت بذلك فى حل مشكلة البطالة الصريحة لفترة طويلة نسبيا.

[بغض النظر عن كونها أسست فعلا قاعدة صناعة محلية حقيقية أم لا, وبغض النظر عن مشكلة البطالة المقنعة من منتصف الستينات وحتى الآن، أو البطالة الصريحة الحالية التى تطال جميع فئات الشعب, وتنذر بأوخم العواقب.] 

وبرغم انه طالما نظرت النخبة المدنية إلى شركة قناة السويس العالمية بالكراهية والسخط؛ فقد اغتال الشاب الوطني المتطرف، إبراهيم الورداني، الباشا الذي تفاوض لتمديد عقد الشركة؛ وخاض الزعيم الوطني "محمد فريد" معركة سياسية ناجحة لإفشال هذا المخطط الخبيث، كما نجح الوفد في إلغاء ازدواجية القضاء المصري بإلغاء المحاكم المختلطة في 1936.    ولكن ضباط يوليو استطاعوا ابتلاع اللقمة التى ظن "انتوني إيدن" أنهم غير قادرين على ابتلاعها، لأنهم فهموا الظرف الدولى ونجحوا فى التعامل مع متغيراته أفضل من الأسد البريطانى العجوز!  أمموا قناة السويس، ودخل خزانة الدولة إيراد حوالى عشر سنوات كانت ستذهب لجيوب أصحاب الأسهم من نهابي ثروات الشعوب.  

[وبغض النظر عن الغموض الذى أحاط ويحيط بإدارة هذه المؤسسة الوطنية وسلطة المحاسبة والرقابة التى تخضع لها.]

وعلى أيدي سلطة ضباط يوليو توافرت طاقة كهربية ضخمة من السد العالي، ساهمت فى إنارة ظلام ريف مصر والأحياء الفقيرة المظلمة فى مدنها.    وانتقل بذلك سكانها إلى الحياة فى الزمن الحديث.    

[بغض النظر عن الاستخدام الأمثل لهذا المشروع, وحلول معالجة مشكلاته البيئية, من عدمه؟!]

وبالإمكان رصد جوانب أخرى عديدة فى هذا الاتجاه...

....

الجمهورية الأولى, وصعود الفاشية

ولكن...  دفع الشعب المصري ثمنا باهظا مقابل بنود هذا البرنامج الاجتماعي المتواضع. 

فقد تم تصفية النفوذ الاقتصادي للقوى المدنية ’صاحبة المصلحة‘، من كان منها يملك نفوذا فعليا (كبار ملاك الأرض بقوانين الإصلاح الزراعي)، ومن كان محتملا أن يحوزه (القطاع الخاص من رجال الصناعة بالتأميمات وإنشاء القطاع العام الصناعي – وقطاع التجارة والخدمات الخاص بتأميم القطاع المصرفي وسوق المال وشركات القطاع العام الخدمية) بلغ قمته بما صار يعرف بقوانين يوليو "الاشتراكية"، أي الاحتكار الاقتصادي التام للدولة.   

وللحق والتاريخ، دفع عدد كبير من النخبة المدنية (وأيضا من العسكريين الديموقراطيين) ممن تمردوا على هذا العقد الجبري، سنوات من العمر داخل المعتقلات الناصرية، بل أن بعضهم خسر حياته كاملا. 

كما تم تكبيل القوى الشعبية (عمال وفلاحين فقراء) عن طريق مصادرة كل مؤسسات الشعب التي حصل عليها عبر سنوات نضاله من الحملة الفرنسية حتى توجتها ثورة 1919وما بعدها؛ خلال سنوات حكم المدنيين، وتم إحلال مؤسسات بيروقراطية حكومية تحمل نفس الأسماء ولكنها تقتل مضامينها بدم بارد (قوانين الحكم المحلي المتوالية وأبرزها القضاء على منصب العمدة؛ حظر الأحزاب، قوانين النقابات والجمعيات الأهلية والصحافة والجامعات والأزهر...والحكم في ظل قانون الطوارئ أو تدابير امن الدولة!).

ففي مقابل إصلاحات اجتماعية متواضعة غير مدارة ديموقراطيا، دفع الشعب ثمنها, متمثلا في فقدان تام لحق المشاركة، بالأصالة عن نفسه، في التأثير على القرار لصالح حاضره أو مستقبله؛ بل والأفدح فقدان تام لحق المسائلة والحساب.

كان هذا هو العقد الاجتماعى الأول.  كان عقدا جبريا.  كان اتفاقا من طرف واحد، رضخ له الطرف الثاني، بعد معارك (احداث مارس 1954، وبعد هزيمتها، لم تكن محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في المنشية هي الوحيدة بل إن محاولات التمرد التآمرية التي اتخذت أشكال عدة استمرت حتى في ذروة الاستبداد الناصري سنوات الستينات). 

مقابل هذا البرنامج أقصي الشعب المصري بأكمله تماما من المعادلة السياسية.  وتضخم جهاز الدولة الأخطبوطي، يقبض على كل أشكال النشاط الإنساني في بلادنا.  بعد سيطرة جهاز دولة الضباط على الحياة السياسية والاقتصادية، تبقرطت وتعسكرت أيضا حياتنا الروحية والثقافية والعلمية (استحداث وزارة الإرشاد القومي فالإعلام والثقافة، مذبحة أساتذة الجامعات 1954، مذبحة القضاء 1968 وهيئاته، ومذابح الصحفيين والمحامين والمهنيين بين الفينة والأخرى). 

صار مصير الأمة هو مصير النظام، الذى يتربع على قمته فرد أوحد كلى السلطات غير خاضع بأى صورة من الصور للحساب أو المسائلة من المؤسسات المدنية للشعب أو لأي طبقة من طبقاته أو حتى أي هيئة اخرى.   وتلخص مستقبل الأمة في امن القائمين على النظام ومصلحتهم الفردية ومصلحة استمرارهم قابضين على هذا الوضع.   

---

وامتد مشروع الضباط ليفرض نماذج شبيهه فى المنطقة تخضع لتوجهاته.   ورفع الضباط بانتهازية شعار القومية العربية، ذلك الشعار الذى لم يظهر بداية في أهداف الثورة الستة.  وتوالت الانقلابات (الثورات العروبية العنصرية) مع التهليل العالي الصوت لماكينة الدعاية الناصرية (صوت العرب) وبتدبير من مؤسسات سيادية في قمة جهاز الحكم: انقلاب السلال فى اليمن (أين هو؟)، وانقلاب عبد السلام عارف (عسكرى)، ثم صدام حسين (المدني دارس الحقوق فى ثياب عسكرية) فى العراق, وفى وجود كتيبة الدبابات المصرية فى بغداد رغم ظروف نكسة 67!!    

حوربت التجارب الديموقراطية فى المنطقة العربية وواجهت عداءا شديدا من الضباط.  الحرب الأهلية فى لبنان الأولى, والثانية ودور الأخت الكبيرة مصر.  الأسباب الحقيقية للوحدة مع سوريا والقضاء على الحكم المدني والحياة الحزبية هناك قضاءا مبرما رغم الانفصال وسيره وما تلاه على نفس الخطى.   قضى ضباط يوليو على ثورة أكتوبر الديموقراطية فى السودان وجاء النميري (عسكرى)، ومن بعده.    وأجهض مخاض الشعب فى ليبيا 1964، و 1968(والسنوسية كذلك) وجاء القذافي (عسكرى).      حتى منظمة التحرير الفلسطينية تختفى من قيادتها، فجأة، النخبة المدنية وعلى رأسها الشقيري, وتستولي عليها الميليشيا العسكرية وعلى رأسها أبو عمار!! 

 

زلزلة العقد الأول والجمهورية الثانية

فشلت الخطة الخمسية الأولى، والأخيرة!!  كانت تتويجا لاستنزاف الموارد.  وكانت هزيمة 67 المهينة نتاجا لما زرعت يد نظام يوليو داخل حدودها الوطنية وخارجها، وردا من الإمبرياليات العالمية على الدور الإقليمي [تسميه الميديا الرسمية هنا الدور المحوري القيادي الزعامي لقلب العروبة النابض..الخ] الذى جعله النظام العسكري مهنة له.  وانفجر غضب الشعب بعد أن أذهلته حجم الكارثة، وبعد شرخ جبروت النظام ومهانته فى رمال سيناء.

لم تكن مظاهرات العمال والطلبة فى 1968 احتجاجا على مسرحية أحكام قضائية صدرت (ضد ما صوروه أداء مهمل من قيادات فى الجيش وهي في الحقيقة عقوبات لعصبة المشير المهزومة في الصراع الداخلي القاتل الذي سبق الهزيمة العسكرية واحتدم بعدها) وفقط، ولكنها كانت بداية التململ من عقد 1952 الجائر, وبداية محاولات الشعب التى لم تقف منذ ذلك الحين فى دخول المعادلة السياسية للحكم كطرف أصيل.

ولم يعد هناك مفر من محاولة الاستيعاب والاستخدام والمساومة على شروط العقد.    

تنازلت الجمهورية الأولى عن الغرور الزعامي لقداسة الزعيم الملهم، ولوحت بإصلاحات ديموقراطية موهومة (بيان 30 مارس).  ولكنها ما لبثت أن نكصت على عقبيها تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"

كما تأكدت سياسة استخدام "القضية الفلسطينية"، و"الكيان الصهيوني - إسرائيل" كدرع حامي للنظام, يعطل أى نية جماهيرية لإسقاط عقد يوليو أو حتى أى مطالب, مهما كان حجمها, لتعديله.  كانت "القضية الفلسطينية"، هي التميمة التى تخرج لتصرف الانتباه عن حقيقة تقادم العقد وموته واقفا على حاله.  (مع تمائم أخرى مؤقتة كذلك تطلق بحساب وقت اللزوم: كالفتنة الطائفية مثلا.. والأحدث والأسخف، المشكلة السكانية!!)     

فمع بداية العهد بالجمهورية الثانية، استشعر سدنة النظام أزمته ككل، وعدم قدرته على الاستمرار في الوفاء بالتزاماته على الجانب الاجتماعى من العقد، فضلا عن المهانة التى يمثلها الاحتلال العسكرى لجزء من أراضى الدولة مما يعنى اهتزاز شرعيتها أمام الشعب الذى يأخذ مكانة الرعية.

وبدأت محاولات من رأس الجمهورية الجديدة فى إعادة صياغة نفس العقد ليلاءم استراتيجيات النظام الجديدة التي فرضتها مجريات الأمور آنذاك.  كانت تغييرات كبيرة الحجم أكثر من كونها تغيير في لهجة الخطاب الدعائي، ولم يرض الجناح العسكري التزحزح قيد أنملة، وقد علمته خبرة التجارب السابقة (المشير في الانفصال وبعد النكسة؛ وأسلوب الاستقالة الجماعية الذي استخدمه ضباط مايو في الصراع وهو ما كان يعني التلويح برفع حماية الجيش عن مؤسسة الرئاسة).  وهكذا انفجرت أولى صور صراع القصر في الجمهورية الثانية، كان هو نفسه الصراع المتكرر والإشكالية التي لم تجد حلا، بين العسكريين ذوي الزي المدني مع رفقائهم ذوي الزي العسكري حول الاحتكار المركزي الصارم لأجهزة الحكم فيما عرف "بثورة التصحيح ضد مراكز القوى، وزوار الفجر، ودولة المخابرات".

وكانت مظاهرات الطلبة فى 72 و 73 جولة جديدة من جولات التململ الشعبى الراغب فى التحرر من اسر عقد استبعاد الأمة، اتخذت من حجتها في قضية تحرير التراب الوطني, مدخلا لان يكون لها صوت فى تقرير مستقبل الأمة.  وجاءت حرب أكتوبر بكل ملابستها ضرورة فرضها التذمر الشعبى وتحديا من الحكم "لمزايدات جميع الأطراف".   وتماما ككل انتصار للمناورات السياسية التى أجادها ويجيدها حكام يوليو، سجلوا للتاريخ انتصار "أكتوبر"، كما سجلوا انتصار "بورسعيد" من قبل.  دارت ماكينة الدعاية تهلل بأن مهارة ربان السفينة وحده هي التي وفرت النجاة، واستطاع الالتجاء بها رغم الخسائر إلى بر السلامة. والغرض لا يخفى على احد.

[لا نعني هنا التقليل أو التهوين ولو بأقل قدر من بطولة وتضحيات أفراد المقاومة المصريين في بورسعيد، مدنيين وعسكريين، وكذلك إبداع وبسالة العسكرية المصرية ضباطا وجنودا في حرب أكتوبر 73، التي دلت بأوضح ما يكون على الطاقات الخلاقة المبدعة، الكامنة فينا كما في كل الشعوب التي ترفض مهانة احتلال أرضها].

وكان ثمن الانتصار جزأين، جزءا دفعه الشعب من أبنائه، وجزءا آخر دفعه من أحلامه، وهو انتظار نهاية "معركة السلام" و"الحل الشامل والعادل للقضية الفلسطينية"، أى استمرار العقد.

وبدأت سلسلة أخرى من المساومات التى يغطى بها النظام عورات الاستبداد السياسى الكلى، (وكذلك صراع القصر) فسمعنا عن دولة المؤسسات ولكن فى ظل "كبير العائلة", ثم تلاه في الواقع، وهو ما يعتبر تخليا عن فكرة التنظيم الأوحد الذى يقوده الزعيم, تفكيك الاتحاد الاشتراكي إلى أجنحة منفصلة لتلعب دورا جديدا، فجاءت المنابر, وتلتها الأحزاب لزيادة ثقة النخبة السياسية المدنية بما يوحي به القصر الجمهوري إليها كدور جديد لها.  ولكن القصر لم يكن اللاعب الوحيد مع هذه الأجنحة - النخبة.

في الميدان العملي اختارت النخبة اليسارية المدنية (الماركسيين والقوميين) جانب المنادين بسيطرة الدولة الشاملة على كل مجالات النشاط بشعارتهم القومية العنصرية عالية الصوت.   

ولكن الانهيار على الجانب الآخر من العقد كان هائلا.    ازداد انخفاض دخول الأفراد مع ارتفاع الأسعار.  انهار نظام التعليم والرعاية الصحية واشتدت أزمة الإسكان والمواصلات والصرف الصحي.

"ارجع لحيثيات حكم المستشار منير صليب في القضية رقم 101 امن دولة لسنة 1977، التي شرح فيها أسباب تظاهرات الشعب المصري في 18 و 19 يناير 1977).  

حاولت الجمهورية الثانية تحت وطأة التبعات الثقيلة لانهيار العقد الاجتماعي الأول أن تسير بحرص بالغ فى اتجاه تسليم دور اكبر للنخبة المدنية مع تقليص محسوب لدور بيروقراطية الدولة المباشر.  وسعت جديا لإنهاء مشكلة فلسطين وهضم إسرائيل، والإعلان على لسان رئيسها "أن حرب أكتوبر 73 هي آخر الحروب"!!  

ورغم محاولات النظام البحث عن مخارج للوفاء بالتزاماته الاجتماعية بعد أن ناء كلكله بثقل الالتزامات (رؤية جديدة لسياسة الانفتاح, والعمل لدى بلدان النفط [ليس عمل الأفراد وفقط ولكن الدولة أيضا في مشاريع سياسية خارجية مشتركة مثل حرب المجاهدين في أفغانستان، والعون العسكري لصدام في الحرب مع إيران]، وفتح الباب أمام الديون الخارجية), جاء البنك الدولى بدوره ضاغطا فى الاتجاه السلبي.   

وتقع أحداث 18 و 19 يناير 1977 احتجاجا شعبيا شمل البلاد كلها على إخلال النظام بشروط عقد 52 الجبري.

مرة أخرى الشعب يتدخل فى عملية صنع قرار, ويخرج الجيش للمحافظة على العقد.

كانت الوقائع فى زمن الجمهورية الثانية سريعة ومتلاحقة, وبدا كما لو أن الأمور تفلت من عقالها.   كانت الأمور, على ما يبدو, تسير فى اتجاه فسخ العقد وانهيار النظام.  كان الخطاب القومي الشوفيني المغالى فيه مؤشرا على أن معظم النخبة السياسية المدنية قد اختارت [سواء كان البعض مضللا فيه أم كان نية متعمدة] جانب جلاديها القدامى.  واشتد الصراع، اغلبه كان مكتوما، ودمويا، واقله ظاهرا على شكل فترات الاعتقال حسنة المعاملة [وهو ما كان الإنجاز الكبير الذي يحسب فقط للجمهورية الثانية] للنخب السياسية المدنية على اختلاف نحلها، حتى تلبي المطلوب!  وكان هذا أمرا لا يحتمل السكوت عنه.  انقضت الدولة على كامل النخبة المدنية بأطيافها, وألقت بها فى غياهب السجون. 

العقد الاجتماعي الثاني وشراء النخبة المدنية. 

ولكن الزمن لا يسير إلى الوراء أبدا!   ولدت الجمهورية الثالثة من رحم المأساة الدرامية التى انتهت بها حياة الجمهورية الثانية.   فقد اغتيل رئيس الدولة بيد احد أبناء المؤسسة الحاكمة (رغم الأخذ فى الاعتبار كل ملابسات مؤامرة الاغتيال), فى يوم العيد الذى استمد منه المغدور به استمرارا لشرعية حكمه واستئنافا للعقد الأول....


- قد يكون له بقية -