|
 |
أشباح
الإصلاح السياسي والخوف من الإرادة الشعبية!
- نبيل عبد الفتاح
5 مايو 2004
دخل اصطلاح الإصلاح, وصفاته ومجالاته المتعددة ـ
السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية
والتعليمية ـ إلي دائرة الموضات الفكرية, وأصبح المفردة الأكثر شيوعا
في لغة الصحافة والخطابات السياسية الحكومية, والمعارضة. ثمة موجات
من تدافع اللغو والاضطراب المفهومي, والنزعة البيانية في توظيفات
الإصلاح, الذي بات, وكأنه في ذاته يحمل حلولا سحرية لكل مشاكلنا
وهمومنا المعقدة التي أنتجتها سياسات الفساد السياسي والاقتصادي
والإفقار وتحقير المعرفة في بلادنا طيلة العقود الماضية.
يبدو الإصلاح,
وكأنه دخل دوائر تشويه المعاني والدلالات التي تجيدها صفوة سياسية حاكمة
ومعارضة, تتسم عناصرها الغالبة والنافذة, بضعف التكوين ونقص الخبرات
والمهارات السياسية, وعدم الكفاءة.
يبدو لي أن بعضهم من
فرط كراهيته للخطابات الإصلاحية, قرر تحويلها إلي مادة للاستهلاك
المبتذل, وتحويل الإصلاح إلي كليتش, في ظل وطأة الاستخدام المستمر
للاصطلاح في الآلة الإعلامية الرسمية, والمعارضة, والمستقلة, وذلك
حتى يفقد مفهوم الإصلاح الديني والسياسي والتعليمي.. الخ, أي دلالة
وهيبة وحضور نفسي, واستدعاءات لصور الإصلاح ومجالاته ومساءلاته في
ذاكرة المصريين, عندما يطرح عليهم الإصلاح والمفهوم وسياساته
وآلياته, في الخطابات الوطنية الجادة والمسئولة وذات المشروعية
التاريخية الموصولة في مطالباتها بالإصلاح القومي الشامل.. ثمة مشاعر
قرف جماعي, وعزوف عن التعامل مع اصطلاح الإصلاح, من كثرة استخدام
السلطة السياسية ـ وبعض المعارضين ـ وبعض كبار الموظفين, ومثقفي السلطة
ممن يريدون إصلاحا يؤدي إلي تبديل وجوه السلطة بوجوههم, وكأن الإصلاح
مجرد تغيير وجوه بأخرى شائهة مثلها!! يبدو أننا إزاء تحول لدي السلطة
السياسية, من الخوف من الإصلاح ـ لأنه ببساطة يطرح المساءلة
السياسية والقانونية عما حدث خلال العقود الماضية ـ بل وكراهية
الإصلاح ومعانيه ودلالاته, إلي السعي للحض علي كراهيته في أوساط
الجمهور, وذلك من خلال كثرة اللغو باسم الإصلاح السياسي,
والتعليمي, والديني.. الخ!
هل تترك السوق
اللغوية لعمليات التشويه والحض علي كراهية الإصلاح, بالقطع لا,
ولا ينبغي استسهال إشاعة اليأس الجماعي, لأن هذا ما تريده القوي
المعادية للديمقراطية والإصلاح في الحكم والمعارضة الرسمية واللا رسمية
في مصر.
إن طوفان اللغو باسم
الإصلاح السياسي والديني و..,.. الخ! وراءه قوي عديدة, ترتبط
بأواصر من المصالح تنامت وتشابكت خلال العقود الماضية, من خلال إعطاء
بعض الأحزاب المعارضة بعض المقاعد البرلمانية أو التعيين في مجلس
الشورى, ومن هنا يمكن ملاحظة بعض التواطؤات بين مواقف حكومية وحزبية
معارضة. أن بعض الخطابات الحزبية المعارضة الزاعقة في مطالبها
الإصلاحية لا تعدو كونها دخانا في الهواء ـ إذا شئنا استعارة تعبير
المرحوم جلال الحمامصي ـ وفي أوقات المغانم الانتخابية وغيرها, هناك
لغة المصالح والمقاعد التي تدار في خلسة المختلس إذ جاز التعبير, وهي
ألعاب تعيد إنتاج النظام السياسي اللا ديمقراطي, والتخلف السياسي
والمؤسسي في مصر.
لكل خطاب حول الإصلاح
مصالحه السياسية, التي يحاول جعل اصطلاح الإصلاح قناعا تتدثر وراءه
مصالحه.
الصفوة السياسية
الحاكمة لديها زعم ـ يفتقر إلي الدقة وإلي الشرعية التاريخية ـ تتمثل
في أن الإصلاح بدأته منذ فجر التاريخ, كما كتب المستشار السياسي للرئيس
في صحيفة هيوستن كرونيكل أن مصر تخوض عملية إصلاح مستمرة منذ فجر
التاريخ, وأنها خلال العشرين عاما الماضية أجرت عمليات إصلاح سياسية
واسعة النطاق تضمن حماية الحقوق الأساسية لجميع المواطنين.
ولا شك أن هذه الوجهة
من النظر تعبر عن حماسة سلطوية أقرب إلي بروباجندا النظم السلطوية,
أكثر من كونها لغة سياسية رصينة يمكن التوقف أمامها بجدية, لأن كل
المؤشرات الموضوعية والدراسات العلمية في مجالات الحريات العامة
الأساسية, وحقوق الإنسان, والمؤسسات السياسية, ودولة القانون,
وغيرها لا تساند وجهة النظر الدعائية السابقة, بل وتدحضها دحضا شاملا
وباتا.
والسؤال ما وراء هذا
الخطاب؟
يرمي هذا الخطاب إلي
محاولة تثبيت ادعاء أن أية محاولة لإصلاحات شكلية من قبيل إنشاء المجالس
الحكومية, كحقوق الإنسان, وآخر للشباب مزمع إنشاؤه مع إجراءات
الولاية الخامسة للرئيس, هي تعبير عن خيار سياسي داخلي, وليس امتثالا
للمطالب والضغوط الأوروبية والأمريكية.
ويتناقض هذا الخطاب
مع نفسه في أنه أنتج أعقاب المبادرات الخارجية الأوروامريكية, بل ويطرح
أمام الإدارات السياسية المعنية في واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما..
الخ, ثم يطرح في إطار أننا سنقوم بإصلاحات أخري, لكن عبر سياسة
الخطوة خطوة. أن المنطق الذي يتأسس عليه هذا الخطاب, أن الشعب المصري
ـ بتاريخه المجيد في بناء الدولة ـ الأمة, ودولة القانون, وفي إقامة
البرلمانات.. الخ ـ غير مؤهل حاليا لتطويرات ديمقراطية كاملة وناجزة,
ومن ثم إصلاح الخطوة ـ خطوة, هو الملائم له, ونحن نعرفه أكثر من
الخواجة الأمريكي ـ البريطاني.
هذا المعني خطير من
وجهين: الأول إعطاء شرعية لمطالب وضغوط الإمبريالية العولمية بضرورة
الإصلاح, وقبول الضغوط والمطالب, ولكن التفاوض يدور حول نسب الإصلاح
وحدوده وزمنه! هذا يعني أن مرجعية هذا الموقف ليس الأمة المصرية,
ومؤسساتها حتى ولو كان بعضها لا يعبر عن غالب أرائها, وإنما الإدارات
الأمريكية ـ الأوروبية التي أطلقت مبادراتها الإصلاحية.
الوجه الثاني,
أن الأمة المصرية غائبة في هذا الخطاب, ولا تستدعي لتقول رأيها وماذا
تريد؟
الخطاب السلطوي حول
إصلاح الخطوة ـ خطوة, ومن يشايعه ويروج له ـ من مثقفي السلطة
وإذنابها, وبعض كبار الموظفين السياسيين والبيروقراطيين ـ يأخذ بسياسة
التلميحات بين الحين والآخر, كإلغاء قانون الطوارئ, أو إصدار قانون
انتخابات جديد, أو الحوار مع أحزاب المعارضة, أو إصدار قانون يخصص
بعض المقاعد للمرأة في مجلسي الشعب والشورى.. الخ.. بث التلميحات,
في المقالات والتصريحات والخطب واللقاءات يرمي إلي تحقيق عدد من
الأهداف:
1 ـ إشارات للإعلام
الغربي, وللإدارات السياسية الغربية بأن ثمة استجابات لمبادرات الإصلاح
علي الطريق لتخفيف الانتقادات في وسائل الإعلام الأورو ـ أمريكية.
2 ـ كسر حدة
الغليان والغضب الداخلي من استمرارية الجمود السياسي وشيخوخة النظام
وصفوته الحاكمة, في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة, تعبر عن تاريخ
من الخلل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
3 ـ إعطاء الانطباع
بأن السلطة السياسية المصرية لا تخضع لضغوط خارجية!! ولا لضغوط
داخلية! وهو أمر مثير لأن المطالب الشعبية بضرورة إجراء إصلاح سياسي,
هي حق شرعي للأمة بوصفها مصدر السلطات جميعها, ومن ثم لا يعد ضغطا بأي
حال, بل أن إعمال هذه المطالب هو تعبير عن مصدر الشرعية السياسية
الحقيقية في البلاد.
4 ـ سياسة
التلميحات تكشف عن أن منطق إصلاح الخطوة ـ خطوة الجزئي, لن يكون
شاملا, وإنما يبدو كمحاولة لاستيعاب الضغوط الدولية, وبعض المطالب
الداخلية, لإعادة إنتاج النظام وصفوته الحاكمة لمصالحها ولذاتها دون
تغيير حقيقي أو فتح للملفات شامل, مع استمرار أركان الحكم في
مواقعهم, أو استبدال بعضهم بوجوه شاحبة تعمل لديهم, أو في أروقة
السلطة.
5 ـ تلميحات
التغيير في الوجوه, تدفع إلي بث تناقضات داخل الجماعتين الثقافية
والسياسية بين الطامحين إلي تقلد بعض مواقع وزارية أو إعلامية أو
بيروقراطية, وبين العناصر المستقلة بما يحد من عنفوان النقد الاجتماعي
والسياسي للنظام وسياساته وصفوته الحاكمة.
السؤال الذي نطرحه
هنا لماذا يطرح بين الحين, والآخر إمكانية إلغاء قانون الطوارئ؟
ببساطة لأنه لا
يمكن تأسيس نظام ديمقراطي نيابي, وهناك نظام طوارئ, يفتقر المواطنون
ـ أين هم؟ ـ أية ضمانات قانونية إزاءه, بل انه لا دولة قانون في ظل
نظام طوارئ شكل ابرز سمات النظام السياسي التسلطي وأداءه خلال خمسة عقود
ويزيد. من هنا وجب إلغاؤه ـ
وتحويل نصوصه إلي تعديلات تحت مسمي مكافحة الإرهاب والمخدرات ـ يمثل ضربة
رمزية حكومية لإضعاف خطابات المعارضة, والخطابات النقدية السياسية
والاجتماعية للعناصر الوطنية المستقلة داخل الجماعة الثقافية المصرية.
إن إمعان النظر في
الخطاب السياسية الرسمي ـ ومواليه وأذنابه, يكشف عن انه لا يمتلك فلسفة
سياسية وقانونية ودينية شاملة للإصلاح القومي, بحيث يضع مصر الأمة,
والمجتمع والدولة علي طريق التجديد والنهوض داخليا وإقليميا, وقصاري ما
يرمي إليه هو السعي لتطويق مطالب الإصلاح ومبادراته الخارجية,
والداخلية, واستثمار الوقت في المناورة مع الإدارة الجمهورية ـ في
واشنطن, في انتظار الانتخابات الرئاسية القادمة في نهاية العام
الحالي, خاصة في ظل الأوضاع العراقية, التي قد تصرف الإدارة
الأمريكية عن مبادرتها حول الشرق الأوسط الكبير, وحول مكانها في سلم
أولوياتها في المنطقة.
إن إلغاء قانون
الطوارئ لا قيمة له دون إصلاح في الفلسفة القانونية كلها, ودون إعادة
هيكلة للنظام القانوني كله في ضوء منظومة حقوق الإنسان بأجيالها
المتعددة, إن الإصلاح القانوني هو جزء لا يتجزأ من بنية كلية ومتكاملة
من إصلاحات في الأنساق السياسية والمؤسسية والدينية والتعليمية
والإعلامية.. الخ.
أن خطورة هذا الاتجاه
الرسمي, هو أن وراءه مريدين, منهم بعض القوي المعارضة الرسمية التي
تطرح خطابا زاعقا حول الإصلاح بهدف الحصول علي مزايا سياسية في إطار صفقة
ما, تتم خارج رقابة الرأي العام بل وأعضاء هذه الأحزاب المعارضة التي
تفتقر إلي شرعية شعبية, وإلي جذور كالحزب الحاكم تماما.
ثمة أيضا اتجاه بين
مثقفي السلطة يطرحون خطابات إصلاحية هدفها إحلال بعضهم محل بعض
شيوخ الحزب الحاكم والحكومة, تحت دعوى نحن أكثر كفاءة ومعرفة منهم,
وهم عناصر غالبيتهم من الفرز الثالث أو الرابع في الجماعة الثقافية
والأكاديمية ـ لا مآثر ذات وزن لغالبيتهم في الثقافة والسياسة والبحث
ـ, ونحن قادرون علي التعامل مع الإعلام والإدارات الغربية, وعلي
التصدي للاتجاه النقدي المستقل.
نحن هنا إزاء عرض قوة
عمل أيديولوجية عاطلة في سوق السجال والهجاء السياسي المصري والعربي.
|