الدكتور أبو
الغار وكتابه...
إهدار استقلال الجامعات
- مارس 2004
بمناسبة احتفال جامعة القاهرة بذكرى 9 مارس 1922
اليوم الذي استقال فيه لطفي السيد احتجاجا على نقل د. طه حسين من
الجامعة ودفاعا عن استقلال الجامعات، قد يكون من المفيد استعراض كتاب
د. محمد أبو الغار الذي يحمل ذات العنوان "استقلال الجامعات"، خاصة أن
الدكتور أبو الغار أحد دعاة صيانة استقلال الجامعة المصرية وأحد
المشاركين في الاحتفال والداعين إليه.
وللدقة نقول إن عنوان كتاب الدكتور أبو الغار هو:
"إهدار استقلال الجامعات"، وفي كتابه يضع الكاتب يده على مشكلات أهم
مراكز صناعة الثقافة في مصر: أي أهم مشكلات الجامعة معتبرا أنها بعبارة
واحدة " إهدار استقلالية الجامعة". يشير الدكتور أبو الغار في كتابه
الذي طبعه على نفقته إلي أن الجامعة المصرية الأهلية التي افتتحت في 21
ديسمبر 1908 قامت في ظل صيحة سعد زغلول: " هذه الجامعة لا دين لها إلا
العلم" وقول لطفي السيد: "إن التعليم الجامعي أساسه حرية التفكير والنقد
واستقلال الرأي"، وحديث طه حسين عن أنه " لا ينبغي لنا أن ننتظر تعليما
صحيحا منتجا من جامعة لا يتمتع رجالها بالاستقلال والحرية".
ويقول إنه تحت تأثير هذه النظرة أنشئت أول جامعة
حكومية وألحقت بها الجامعة الأهلية في فبراير 1925، ثم صدر أول قانون
ينظم عمل الجامعة في مارس من نفس العام. ورغم أن القانون وضع الجامعة
تحت سلطة وزير المعارف مباشرة إلا أنه تضمن قدرا كبيرا من الحريات
النسبية حتى أنه سمح عام 1926 للطلبة بتكوين اتحاداتهم وممارسة النشاط
السياسي ومنع وجود الشرطة داخل الحرم الجامعي. ولكن تأثير الموجة
الليبرالية الأولي أخذ ينحسر تدريجيا كلما تبينت الدولة المخاطر المنبعثة
من الثقافة والعلوم. وهكذا توالى صدور القوانين المقيدة لاستقلال
الجامعات منذ الثلاثينات - عهد حكومة صدقي - حتى قيام ثورة يوليو.
وفي مارس 1953 أصدرت الثورة قانونا جديدا للحد من
حرية الجامعات وشكلت لجان تصفية أعضاء هيئات التدريس، ثم قانونا آخر عام
1954 لتأديب أعضاء هيئات التدريس، وأخيرا منعت نهائيا أي نشاط سياسي
طلابي داخل الجامعات. وفي أول سبتمبر 54 عين الصاغ كمال الدين حسين
وزيرا للتعليم بدلا من الدكتور محمد عوض، وبعد تسعة أيام فقط من تعيينه
أصدر قراره بإقالة رؤساء الجامعات الثلاث، وأعفى عددا كبيرا من العمداء
من مواقعهم، ثم فصل نحو سبعين عضوا من هيئات التدريس كان من بينهم لويس
عوض، والدكتور يوسف مراد وغيرهما. وأطاحت لجان التطهير بعدد آخر من
الأساتذة كالدكتور عبد العظيم أنيس لمطالبته بعودة الجيش إلي الثكنات.
وفي نفس سبتمبر الكئيب صدر القانون رقم 508 الذي
سيطرت به القبضة العسكرية على الجامعات وأشتمل هذا القانون على 101 مادة
لم تترك شيئا إلا وضعت له القواعد المنظمة المسيطرة على كافة الجوانب
التنفيذية، بينما ظلت حرية البحث العلمي مكفولة طالما أنها بعيدة عن
القضايا السياسية. ومع إعلان السادات عن مشروعه للتعددية السياسية
الشكلية تم تغيير قانون الجامعة ليسمح من جديد بإعادة نظام انتخاب
العمداء، ومع ذلك أصدر السادات قرارا عام 73 بنقل 26 من أعضاء هيئة
التدريس خارج الجامعة لأنهم يناهضون سياساته. وعام 1999 تقدم وزير
التعليم بمشروع قانون جديد للجامعة دون أخذ رأي الأساتذة في القانون الذي
يرى الدكتور الغار أنه يتدخل في تحديد المواد التي تدرس والقائمين على
تدريسها كما يحيل الأساتذة ممن تجاوزوا السبعين إلي المعاش ويحرمهم من
الخدمات والضمانات الصحية وغيرها.
ولقد كان إهدار استقلال الجامعات المصرية السبب الأول
وراء فضيحة نصر حامد أبو زيد المخزية ، والسبب الأول في صمت رئيس الجامعة
مأمون سلامة الذي رفض الدفاع عن حرية البحث العلمي على حين مازالت
الجامعة تذكر موقف لطفي السيد حين استقال محتجا على التطاول على كرامة
أساتذة الجامعة وحرية البحث العلمي . وإهدار هذا الاستقلال هو أيضا السبب
في تردي المستوى العلمي للجامعات المصرية حتى أن الدكتور محمد أبو الغار
يعتبر في كتابه الهام أن كثيرا من الجامعات الإقليمية لا ترقي إلي
المستوى العلمي للمدارس الثانوية، إذ لا يوجد بها لا معامل ولا مستشفيات
ولا أعضاء هيئات تدريس مكتملة.
إن الجامعة هي النقطة التي يتقاطع فيها الوعي مع
الحرية، لأن الطلبة يشكلون تلك الفئة من "المثقفين" التي لم ترتبط بعد لا
بمناصب، ولا بعائلات، ولا بأعباء الحياة، علاوة على اجتماع فئة الطلاب في
موقع واحد. واستقلالية الجامعات تكفل لأولئك "المثقفين الناشئين" قدرا
أكبر من الوعي وحرية البحث والتفكير، على حين أن القوانين المسيطرة على
الجامعات ستدفع بهم ليصبحوا مجرد " مهنيين " في خدمة مرافق
الدولة.
تحية للدكتور أبو الغار، ولكتابه، وما يمثله من
اهتمام العلماء بقضايا مجتمعهم التي تبدو بعيدة عن مجال عملهم والتخصص
العلمي .
|