هذه
القوانين...
وحقوق
المصريين في الرأي والتظاهر والإضراب
- عبد الله خليل المحامي
- مارس 2004
رصد
عبد الله خليل المحامي، وعضو مجلس الأمناء الأسبق
للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان
حوالي ’140‘ قيداً قانونياً علي الحقوق
المدنية والسياسية في التشريع المصري،
وهو ما يراه
حالة نزوع متزايد من المشرع المصري في إصدار قوانين تتعارض مع المبادئ
الأساسية للدستور ومواثيق حقوق الإنسان. وسوف
نورد في إيجاز أهم هذه القيود
القانونية التي تشكل انتهاكاً صارخاً للحريات
والحقوق العامة والشخصية التي
كفلها الدستور...
الإضراب
الإضراب السلمي هو احد الوسائل المشروعة، والتي
أباحتها المواثيق الدولية كوسيلة سلمية
للتعبير عن الرأي أو الاحتجاج السلمي
المرخص به للعاملين؛ لممارسة الضغط من اجل
الاستجابة لمطالبهم. باعتبار أن هذا الأمر
متعلق بحرية أساسية للإنسان هي حرية العمل.
وقد أباحت الاتفاقية الدولية للحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي انضمت
إليها مصر الحق في الإضراب، و
هو ما يعني أنه حق مشروع.
ورغم ذلك فان المشرع المصري يؤثم الحق في الإضراب
السلمي في المواد (124 - 124أ - 124ب) من
قانون العقوبات؛ رغم أن هذه المواد
نسخت بعد توقيع مصر وانضمامها للاتفاقية
الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم صدور حكم
من محكمة أمن الدولة العليا "طوارئ" في قضية "إضراب سائقي السكك
الحديدية"، والذي قضي ببراءة (37) عاملاً من
تهمة الإضراب باعتباره حقاً مشروعاً
بموجب الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية،
إلا أن سلطات الطوارئ رفضت التصديق
علي الحكم بل وقدم في شهر ديسمبر 1992، "61"
أستاذاً جامعياً بجامعة أسيوط إلى
النيابة العامة بتهمة الإضراب السلمي
الاحتجاجي علي قرار صادر من رئيس الجامعة.
وهو
ما يعني أن تلك النصوص التي تقيد وسيلة، مشروعة سلمية
للتعبير عن الرأي، لا تزال
جاثمة علي صدر المصريين وبالتالي أصبح إلغاؤها ضرورة
تفرضها التزامات مصر بالعهود
الدولية لحقوق الإنسان.
إثارة الفتن!
وهي المادة التي تعاقب بالحبس
كل من جهر بالصياح أو الغناء لإثارة الفتن،
ولم يضع المشرع تحديداً أو مفهوماً
لقصده من تعبير ’إثارة الفتن‘. وكل ما فعله
المشرع أن نقل هذه المادة من قانون
العقوبات الملغي كما هي دون أن يعنيه تفسير
هذه العبارات المطاطة، التي قد تستعصي
علي الفهم والتحديد، وترك هذا التحديد للأهواء
السياسية. فهذه المادة هي التي
كانت تحاصر الموسيقار سيد درويش والشاعر بيرم
التونسي، واليوم فان كل شاعر أو
فنان معرض للوقوع تحت طائلتها أو أن يكون عرضة
للانتقام السياسي تحت ظل هذا
الوعاء المتسع لأي مصادرة سواء لشعر، أو لغناء، أو
قول، أو حتى صراخ أو ولولة.
دعايات مثيرة!
وتعاقب علي إذاعة أخبار أو بيانات أو شائعات كاذبة أو
مغرضة وبث دعايات مثيرة،
من شأنها تكدير الأمن العام، أو إلقاء الرعب بين
الناس، أو إلحاق الضرر بالمصلحة
العامة. وهذه المادة كما ورد في المذكرة
الإيضاحية للقانون (112) لسنة 1957،
وإصدارها يكشف عن الطبيعة الاستثنائية لها
وكونها مستمدة من الأحكام
العرفية، حيث أنها مستمدة من أحكام الأمر العسكري رقم
(46) لسنة 1952 الصادر
في 20 سبتمبر 1952، وهذا النص هو احد مظاهر دس
القوانين الاستثنائية علي البنية
القانونية للقانون العام.
حظر
بموجب المادة (9) من قانون المطبوعات
رقم (20) لسنة 1936، يجوز لمجلس الوزراء أن
يمنع أي مطبوعات صادرة من الخارج
من التداول، ويمنع إعادة طبع هذه المطبوعات
ونشرها وتداولها داخل البلاد.
كما
رخصت المادة (21) من قانون المطبوعات للوزير المختص
أن يمنع عدداً معيناً من
جريدة تصدر في الخارج من الدخول والتداول في مصر،
بينما اتاحت له مادة (22) الفقرة
الثانية منع تداول عدد معين من الصحف التي
تصدر بلغة أجنبية في مصر.
وهذه
المواد تعد من مظاهر الترخيص للسلطة الإدارية للتدخل
في شئون الصحافة والمطبوعات،
تدخلاً قد يتخذ ذريعة لمنع تداول عدد من الصحف تحت
زعم تعرضها للأديان أو إثارتها
للشهوات، في حين أن الدافع الأصلي للمنع هو
التضييق علي حرية الرأي، كما
أن هذه المواد تمنح مجلس الوزراء والوزير إمكانية حجب
المعرفة والتماس الحقائق
عن الأفراد الذين تصادر حقهم في تلقي المعلومات
وتقديمها.
حقوق الطلبة
لم يسلم طلاب المدارس والجامعات من القيود المفروضة
علي حريتهم في الرأي والتعبير
إلى الدرجة التي فرض فيها المشرع رقابة صارمة
علي كافة وسائل التعبير داخل الجامعات
والمدارس، وجعل من سلطات الإدارة في الجامعة
سلطات وصاية علي كافة الأنشطة الطلابية
الثقافية والاجتماعية، وحظر علي الاتحادات
الطلابية القيام بأي عمل سياسي، وأخضع
الطلاب لجزاءات تأديبية قاسية في حالة القيام
بأي عمل أو نشاط مستقل بدون موافقة
سلطات الإدارة، أو قيام الطلاب بأي تجمع أو
احتجاج سلمي دخل المدارس والجامعات.
ويعتبر
القانون (85) لسنة 1949 الخاص بحفظ النظام والتعليم،
واللائحة التنفيذية للقانون
(49) لسنة 1972، ولائحة سنة 79، وقرار وزير التعليم
رقم (1088) لسنة 1987، اعتداء
علي حرية الطلاب المصريين وحقهم في التعبير عن
آرائهم السلمية بكافة الوسائل
بما فيها حق الإضراب والتجمع السلمي وتأسيس
الجمعيات والاشتراك فيها لان الطلبة
مواطنون وبالتالي يكفل الدستور حريتهم الشخصية
ويضمن لهم الإعراب عن فكرهم بالقول
وبغيره، وسمح لهم بحق الاجتماع وتكوين
الجمعيات ومخاطبة السلطات، لأن الطلبة هم
الصلة التي تربط الماضي بالحاضر والحاضر
بالمستقبل، وهم الأوفر وطنية وحباً للبلاد.
التجمهر
صدر قانون التجمهر (10) لسنة1914، في 18 أكتوبر 1914،
في وقت كانت مصر ترزح
فيه تحت الاحتلال البريطاني. وقد وضع القانون
لمواجهة حالة الحرب العالمية الأولي،
لذا هو قانون استثنائي أقرب للأحكام العرفية؛
يعطي سلطات مطلقة لرجال السلطة
التنفيذية لمصادرة حرية الأفراد، وهو ليس
مقصوراً علي تشديد العقوبة علي الجرائم
التي ترتكب بواسطة التجمهر، بل ويعاقب علي
مجرد التجمهر المكون من خمسة أشخاص
علي الأقل من غير ارتكاب جريمة.
"فكل تجمهر، مكون من خمسة أشخاص، من غير ارتكابهم
لجريمة؛ إذا رأي رجال السلطة، بحسب تقديرهم، أن من شأن اجتماعهم أن يجعل
السلم العام في حالة خطر؛ وأمر رجال السلطة
المتجمهرين بالتفرق، ورفض بعضهم إطاعة
الأمر بالتفرق، عوقب الرافض بالحبس أو
بالغرامة."
وهذا النص يعد اعتداء علي
حرية الأفراد في التنقل، ويضع قيوداً علي حرية
الناس في التحرك فرادي أو مجتمعين،
وفي التفرق والاجتماع حتى لو كان عملهم لا يضر
بالغير.
ومما يؤكد الطبيعة
الاستثنائية لهذا القانون، انه عرض علي مجلس
النواب - الوفدي - في 27 ديسمبر 1927،
وقرر المجلس بالإجماع إلغاءه، وتم إعداد مشروع
قانون لإلغائه، إلا انه لم يصدر
بسبب حل البرلمان - الوفدي - وإعلان الأحكام
العرفية في البلاد. وقد تم تعديل
هذا القانون بقرار رئيس الجمهورية رقم (87)
لسنة 1968، بإضافة المادة (3) مكرر
والتي صاغت الحد الأقصى للعقوبة لأية جريمة،
إذا كان مرتكبها أحد المتجمهرين. وكانت
ظروف هذا التعديل هي المظاهرات التي اجتاحت البلاد في عام 1968 احتجاجاً
علي الأحكام الصادرة علي المسئولين عن هزيمة
يونيو.
ولذلك فان المطالبة بإلغاء
هذا القانون الاستثنائي كان مطلباً لنواب
الشعب في عام 1927، وبعد قرابة سبعين
عاماً نعاود المطالبة بإلغاء هذا القانون الذي
يمثل انتهاكاً لحرية الأفراد
في التنقل والاجتماع.
التظاهر
صدر هذا القانون رقم (14) لسنة 1923
في فترة لم يكن بها مجالس تشريعية، ويتضمن هذا
القانون ثلاث قواعد أساسية تشكل
قيداً صارخاً علي حرية الأفراد في الاجتماع،
أولها: ضرورة إخطار البوليس قبل
عقد الاجتماع بثلاثة أيام علي الأقل وتنقص هذه
المدة إلى أربع وعشرين ساعة إذا
كان الاجتماع انتخابياً.
كما نص القانون علي حق البوليس في منع الاجتماع
قبل عقده، حيث يجوز للمحافظ والبوليس منع
الاجتماع قبل عقده، وتسري أحكام هذه
المادة علي كافة الاجتماعات والمواكب
والمظاهرات التي تقام أو تسير في الطرق
أو الميادين العامة، والتي يكون الغرض منها
سياسياً.
كما أعطي القانون حقاً
لرجال البوليس في حضور وحل الاجتماع أثناء
عقده، وهو ما يخول للبوليس سلطة واسعة
لا حد لها؛ لأنها تجعل من رجل البوليس مدعياً
عمومياً وقاضياً ومنفذاً ويجري
ذلك في دقائق معدودة، ويكون حكمه في حل
الاجتماع نهائياً.
كما قصر هذا القانون
الاجتماعات الانتخابية علي فترة قصيرة، تمتد
من يوم دعوة الناخبين إلى يوم الانتخاب. كما أعطى للبوليس سلطة تقديرية
لما يعتبر من الاجتماعات العامة، سواء كان الاجتماع
في مكان أو محل عام أو خاص. وعند عرض القانون
علي مجلس النواب في 20 ديسمبر
1927، قدم اقتراحاً بتعديله لتقليص سلطات رجال
البوليس وإعطاء مزيد من الضمانات
للأفراد في مواجهة تعسف رجال السلطة التنفيذية
في تضييق حرية الاجتماع والتظاهر
السلمي، إلا أن هذا المشروع كان مصيره مصير
مشروع القانون بإلغاء القانون (10) لسنة 1914 بشأن التجمهر، ووأد بسبب حل
البرلمان وتعطيل الدستور.
التنظيم
فرض المشرع المصري قيوداً غير معقولة علي حرية
الأفراد في تكوين الجمعيات، وفرض
الوصاية ورقابة الجهة الإدارية علي كافة أوجه
نشاطات الأفراد، والحد من حريتهم
في تكوين الجمعيات السلمية، رغم أن الدستور
أطلق حرية الأفراد في تكوين الجمعيات.
حيث اخضع القانون رقم (109) لسنة 1975، بشأن الجمعيات
التعاونية الاستهلاكية،
نشاطات الأفراد في تكوين
هذه الجمعيات لرقابة الدولة، ووصايتها، من حيث
تأسيس
وشروط تكوينها؛ ويعتبر وزير التموين الوزير المختص بالنسبة لأحكام هذا
القانون.
كما أخضع القانون (110) لسنة 1975، الخاص بالجمعيات
الإنتاجية والتي تقوم بأنشطة
فردية في إطار تنظيم وتنمية طاقات الإنتاج في
الصناعات الحرفية والخدمات الإنتاجية،
للوصاية ولرقابة الدولة؛ حيث يعتبر وزير
الدولة للحكم المحلي هو المسئول عنها.
وأطلق القانون (122) لسنة 1980، الخاص بالتعاون
الزراعي يد الوزير المختص بالنسبة
للإشراف علي الجمعيات العامة، والمحافظ المختص
بالنسبة للجمعيات التي تقع في
نطاق المحافظة، وهي سلطات تصل لحد حل مجلس
الإدارة وتعيين مجلس مؤقت.
وينطبق
نفس الوضع علي القانون رقم (14) لسنة 1981، بشأن
التعاون الإسكاني، والذي يخضع
الجمعيات لإشراف وزير الإسكان، ويعطي للجهات
الإدارية سلطات مطلقة في التدخل في
شئون الجمعيات التعاونية للإسكان.
ثم جاء القانون (64) لسنة 2000، بشأن
الجمعيات والمؤسسات؛ بعد معارك ضارية بين
الجمعيات والمؤسسات المدافعة عن حقوق
الإنسان ضد القانون (32) لسنة 1964، وتعديله
بالقانون (153) لسنة 1999. وفي واقع
الأمر تميزت القوانين الثلاثة المختلفة بوجود
تدخل واضح من الجهات الإدارية؛
ينال من حق الأفراد في تكوين الجمعيات
والمؤسسات الخاصة.
نقابات
وهو القانون (100) لسنة 1993 وتعديله بالقانون (5)
لسنة 1995 والمسمي بقانون
ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية. ووضع هذا
القانون العديد من القيود علي حركة
النقابات، من خلال تقييد قدرة الجمعية
العمومية علي الانعقاد، برفع النصاب القانوني
لصحة انعقادها، وتعيين لجان مؤقتة لإدارة
النقابات، وإقحام القضاة في إدارتها،
وتحديد مواعيد انتخابات في غير أيام الجمع
بهدف إرباك العمل اليومي للمحامي
والقاضي، وصعوبة ضبط الجداول الانتخابية، وفتح
باب المنازعات القضائية بين أعضاء
المهنة.
ثم جاء تعديل القانون بالقانون (5) لسنة 1995، والذي
أعطي للحكومة
عملية الإشراف الكامل علي إعداد الكشوف الانتخابية
للجنة القضائية، وهو ما أدي
لتعطيل دور النقابات في الإشراف علي الانتخابات،
وإعطاء الوزير المختص سلطة اختيار
رؤساء اللجان، وتحديد مقار اللجان الانتخابية
طبقاً لرغبات السلطة، بالإضافة إلى
تقليص اختصاصات مجالس النقابات.
قانون الطوارئ
يعتبر القانون (162) لسنة 1958، بشأن حالة الطوارئ،
أحد المآسي التي يعاني منها المصريون. حيث نعيش
منذ عام 1981 حالة طوارئ استثنائية. ويمنح
هذا القانون للسلطات الإدارية اختصاصات
واسعة. وأهم ما يلاحظ علي القانون انه لا
تتوافر فيه أي رقابة قضائية علي إعلان
العمل به؛ باعتبار أن إعلان العمل بحالة
الطوارئ من أعمال السيادة. ومؤدي ذلك
امتناع المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها.
كما لا يجوز فحص مشروعيتها بطريق
مباشر أو غير مباشر فيما يتعلق بإعلانها أو
بشروط إعلانها أو التدابير الصادرة
من سلطات الطوارئ؛ وهو ما يبين طبيعة نظام
الطوارئ وانه مظهر من مظاهر الحكم
الاستبدادي المطلق...
كما أن المادة الثالثة منه خولت لسلطة الطوارئ سلطة
اتخاذ تدابير استثنائية. أوردت منها ستة علي
سبيل المثال لا الحصر، حيث يجوز: وضع
قيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع،
والانتقال، والإقامة، والمرور. وتنفيذ أعمال
القبض والاعتقال وتفتيش الأماكن والأشخاص دون
التقييد بأحكام قانون الإجراءات
الجنائية، ومراقبة الرسائل والصحف والنشرات
والمطبوعات وكافة وسائل التعبير والدعاية.
وتحديد فتح
وإغلاق المحال العامة وتشمل المحال: كافة الأماكن المخصصة للتجمع
سواء كانت جمعيات أو نقابات أو اتحادات أو
نوادي أو مقاهي. بالإضافة إلى سلطة
الاستيلاء علي أي عقار أو منقول، والحق في سحب
تراخيص الأسلحة والذخائر وإخلاء
بعض المناطق أو عزلها.
ويجوز توسيع هذه الدائرة لصالح السلطات الإدارية،
ومنح سلطة الطوارئ القيام باتخاذ تدابير
شفوية، كما لا يسمح للمعتقل بتلقي زيارات
أو اتصالات إلا بعد (30 يوماً). كما يحق
الاعتراض علي القرارات الصادرة من المحاكم
بالإفراج عن المعتقلين. ولم يكتف قانون حالة
الطوارئ بأن يخالف مبدأ شرعية الجرائم
والعقوبات، وأن يمنح سلطات الطوارئ استثنائية
في التشريع والعقاب وعدم التقييد
بالشرعية الإجرائية، بل افتأتت علي السلطة
القضائية بإنشاء قانون استثنائي يتولى
الفصل في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأوامر
سلطة الطوارئ وجرائم القانون العام
التي تحال إليها. |