كان جالسا يتابع التلفاز.. لم يكن سعيدا .. كان حزينا ،
عضلات وجهه تتقلص ، والدموع تكاد أن تنزلق من بين جفنيه ..
كان يشاهد إحدى القنوات ، لم يكن ينصت إلى لغة التقرير
ولكن الصور المتتابعة لا تحتاج إلى تعليق أطفال الإيدز في إفريقيا الذين لا
يجدون علاجا ، وحرب الإبادة المنظمة في فلسطين بموافقة الحكومات ، والحرب
الأمريكية على العراق ... حرب استئصال وإبادة ، ضاربة بكل الأعراف والقيم
والقوانين الدولية ومعاهدات الأمم المتحدة عرض الحائط ؛ بل وضعت كل الشعوب
الرافضة للحرب تحت قدميها، ودبر أذنها بحجج واهية : تارة امتلاك العراق
للسلاح النووي والكيماوي ، ولما لم تجد شيئا قالت أن رئيسه دكتاتور وكأنها
لم تكن تساعده في حربه ضد إيران المسلم والجـار الجنب ومعها شرازم من
الدول العربية ...
حكومات ساعدت بالأموال ، وأخرى بالسلاح والذخيرة ، بل
وبفرقة من الجندرمة العسكرية ، خدمة لأمريكا أولا ، ولنظام العراقي ثانيا
... هل اكتشفت أمريكا فجأة أن صدام دكتاتور؟!! المسألة وما فيها أن مجموعة
من المجاهدين الأفغان العرب أبِقوا وضربوا بُرجَيّ التجارة العالمي ،
بنيويورك ، ووزارة الدفاع ، ونسيت أمريكا أن هؤلاء الآبقين هم صنيعتها
وخونة هذه الأمة ، خرجوا على الحكومات ، وأعملوا فينا القتل ، وعانت مصر
الكثير ، وطالبت حكومتها بمؤتمر دولي لمناقشة الإرهاب ، وتحديد المصطلحات
للتفرقة بين المقاومة المشروعة للاحتلال والإرهاب ، ووقفت أمريكا حجر عثرة
لأن معنى ذلك إعطاء المقاومة الفلسطينية مشروعية مرفوضة منها ومن إسرائيل
التي تتكفل بحمايتها ، ومساعدتها من كسرة الخبز حتى الصواريخ حاملة الرؤوس
النووية ، وكانت تبيت بليل لضرب أفغانستان مع حامد كرازاي تاجر الأحذية
الأفغاني ، ومع مطاريد العراق ، الذين امتطوا ظهور دبابات الغزاة ، فكل
مقاومة للاحتلال إرهاب ، وكل من يساعد المقاومة المشروعة فهو إرهابي زنيم
يجب خطفه وإيداعه سجن جوانتنامو ، وتعذيبه ، وانتهاك إنسانيته ، ووقفت
أمريكا لسوريا بالمرصاد لأنها تساعد المقاومة الفلسطينية ، وهذا حقها
فمازالت أرضها محتلة ، وتم مصادرتها من قبل العصابات الصهيونية ، وأمريكا
تنكر على سوريا تحرير أراضيها من يد المحتل الغاصب بقوة السلاح ، فبدلا من
أن يهب المجتمع الدولي ( الذي يصف نفسه بالمتحضر) لمساعدة سوريا وقفت
الحكومات الغربية الذيلية ضد الحق واختارت جانب الضلال والمصالح
الاستعمارية الصهيونية والإمبريالية الأمريكية ، لأنهم في النهاية أولاد
ثقافة واحدة ( الهيلينية) عنصرية/ استبعادية/استئصالية ، ومن سخرية الأقدار
أن أمريكا تنكر على لبنان انتخابات برلمانية في ظل الوجود السوري ، ولا
تنكر ذلك على الحكومة العراقية حينما تقوم بإنجاز انتخابات رئاسية
وبرلمانية في ظل الاحتلال الأمريكي المرفوض شعبيا ومحليا ودوليا ، وقانونيا
، أليس هذا عجيب كل العجب ؟!! والأدهى ينادون بحقوق الإنسان ، ثم يمارسون
ما ينافي هذه الحقوق وكأنهم لايعنيهم سوى حقوقهم هم ، أمّا حقوق الآخرين
فتأتي بعد حقوقهم ، ولكني أحيي كل إنسان غربي يقف بحق بجانب المناضلين
الذين يحملون البندقية والقلم للدفاع عن حقوق الإنسان أينما وجد ، في :
إفريقيا وأسيا وبلاد العرب ونصرة قبائل الغجر في المجر وفي أوربا كلها ،
وكلَّ المضطهدين في كل مكان من عالمنا التعس ، هذا عصر أمريكي صهيوني لعين
... يجب أن نكره إلى حـد المقت القوَي الإستبعادية الظالمة الباطشة
المهيمنة وأن نعمل على مقاومتها ، ومقاومة الأنظمة المتعاونة معها ،
بالإضراب والعصيان المدني والاعتصام متحدين مع كل المنظمات المدنية في كل
مكان من العالم ، وأن نمد الجسور شرقا وغربا ، لكشف الفساد ، ومساعدة كل
الشرفاء والمناضلين حتى المقاومة المسلحة في بلاد الرافدين ، ومناصرة سوريا
في محنتها مع الإمبريالية الأمريكية . وفي الداخل : الوقوف مع حق الإنسان
المصري في حياة كريمة ، وتعليم متطور ، وسكن آدمي ، وتأمين العمل دون تمييز
(ديني أوعرقي) ، ومقاومة مافيا الشركة المصرية للاتصالات وموبينيل وفودافون
، ومحتكري السلع ، ومستوردي السلع الفاسدة وغير المطابقة للمواصفات
القياسية ، وتشكيل هيئة لرفع قضايا للمطالبة بالحق المدني ضد الذين استولوا
على أرصدة المودعين بالبنوك ، أو المرتشين ، أو الذين تربحوا من وظائفهم
دون وجه حق ، وتحسين السجن الاحتياطي ، لحين البت في قضية السجين ، وتحسين
حجرات الحجز في أقسام الشرطة ، ومعاملة المواطنين معاملة آدمية ، مهما كانت
صفته ، أو منزلته ، ليعيش الإنسان آمنا ، دون تهديد ، ليضمن تعليما متطورا
ومناسبا ، ليعرف ماله من حقوق وما عليه من واجبات ، دون إخلال بالقيم
والمبادئ والأعراف ، وتأمين غذاء متنوع غير ملوث بالإشعاع الذري أو
الكيماوي ، والإصرار على محاكمة كل من أضر بالشعب المصري ماديا أو
معنويا
أحمـــد الشــــافعي كاتب وقاص
مصري