سخرية الأقـــدار 

احمد الشافعي

15 ديسمبر 2005

كان جالسا يتابع التلفاز.. لم يكن سعيدا .. كان حزينا ، عضلات وجهه تتقلص ، والدموع تكاد أن تنزلق من بين جفنيه ..

كان يشاهد إحدى القنوات ، لم يكن ينصت إلى لغة التقرير ولكن الصور المتتابعة لا تحتاج إلى تعليق أطفال الإيدز في إفريقيا الذين لا يجدون علاجا ، وحرب الإبادة المنظمة في فلسطين بموافقة الحكومات ، والحرب الأمريكية على العراق ... حرب استئصال وإبادة ، ضاربة بكل الأعراف والقيم والقوانين الدولية ومعاهدات الأمم المتحدة عرض الحائط ؛ بل وضعت كل الشعوب الرافضة للحرب تحت قدميها، ودبر أذنها بحجج واهية : تارة امتلاك العراق للسلاح النووي والكيماوي ، ولما لم تجد شيئا قالت أن رئيسه دكتاتور وكأنها لم تكن تساعده في حربه ضد إيران المسلم والجـار الجنب  ومعها شرازم من الدول العربية ...

حكومات ساعدت بالأموال ، وأخرى بالسلاح والذخيرة ، بل وبفرقة من الجندرمة العسكرية ، خدمة لأمريكا أولا ، ولنظام العراقي ثانيا ... هل اكتشفت أمريكا فجأة أن صدام دكتاتور؟!! المسألة وما فيها أن مجموعة من المجاهدين الأفغان العرب أبِقوا وضربوا بُرجَيّ التجارة العالمي ، بنيويورك ، ووزارة الدفاع ، ونسيت أمريكا أن هؤلاء الآبقين هم صنيعتها وخونة هذه الأمة ، خرجوا على الحكومات ، وأعملوا فينا القتل ، وعانت مصر الكثير ، وطالبت حكومتها بمؤتمر دولي لمناقشة الإرهاب ، وتحديد المصطلحات للتفرقة بين المقاومة المشروعة للاحتلال والإرهاب ، ووقفت أمريكا حجر عثرة لأن معنى ذلك إعطاء المقاومة الفلسطينية مشروعية مرفوضة منها ومن إسرائيل التي تتكفل بحمايتها ، ومساعدتها من كسرة الخبز حتى الصواريخ حاملة الرؤوس النووية ، وكانت تبيت بليل لضرب أفغانستان مع حامد كرازاي تاجر الأحذية الأفغاني ، ومع مطاريد العراق ، الذين امتطوا ظهور دبابات الغزاة ، فكل مقاومة للاحتلال إرهاب ، وكل من يساعد المقاومة المشروعة فهو إرهابي زنيم يجب خطفه وإيداعه سجن جوانتنامو ، وتعذيبه ، وانتهاك إنسانيته ، ووقفت أمريكا لسوريا بالمرصاد لأنها تساعد المقاومة الفلسطينية ، وهذا حقها فمازالت أرضها محتلة ، وتم مصادرتها من قبل العصابات الصهيونية ، وأمريكا تنكر على سوريا تحرير أراضيها من يد المحتل الغاصب بقوة السلاح ، فبدلا من أن يهب المجتمع الدولي ( الذي يصف نفسه بالمتحضر) لمساعدة سوريا وقفت الحكومات الغربية الذيلية ضد الحق واختارت جانب الضلال والمصالح الاستعمارية الصهيونية والإمبريالية الأمريكية ، لأنهم في النهاية أولاد ثقافة واحدة ( الهيلينية) عنصرية/ استبعادية/استئصالية ، ومن سخرية الأقدار أن أمريكا تنكر على لبنان انتخابات برلمانية في ظل الوجود السوري ، ولا تنكر ذلك على الحكومة العراقية حينما تقوم بإنجاز انتخابات رئاسية وبرلمانية في ظل الاحتلال الأمريكي المرفوض شعبيا ومحليا ودوليا ، وقانونيا ، أليس هذا عجيب كل العجب ؟!!  والأدهى  ينادون بحقوق الإنسان ، ثم يمارسون ما ينافي هذه الحقوق وكأنهم لايعنيهم سوى حقوقهم هم ، أمّا حقوق الآخرين فتأتي بعد حقوقهم ، ولكني أحيي كل إنسان غربي يقف بحق بجانب المناضلين الذين يحملون البندقية والقلم للدفاع عن حقوق الإنسان أينما وجد ، في : إفريقيا وأسيا وبلاد العرب ونصرة قبائل الغجر في المجر وفي أوربا كلها ، وكلَّ المضطهدين في كل مكان من عالمنا التعس ، هذا عصر أمريكي صهيوني لعين ... يجب أن نكره إلى حـد المقت القوَي الإستبعادية الظالمة الباطشة المهيمنة وأن نعمل على مقاومتها ، ومقاومة الأنظمة المتعاونة معها ، بالإضراب والعصيان المدني والاعتصام متحدين مع كل المنظمات المدنية في كل مكان من العالم ، وأن نمد الجسور شرقا وغربا ، لكشف الفساد ، ومساعدة كل الشرفاء والمناضلين حتى المقاومة المسلحة في بلاد الرافدين ، ومناصرة سوريا في محنتها مع الإمبريالية الأمريكية . وفي الداخل : الوقوف مع حق الإنسان المصري في حياة كريمة ، وتعليم متطور ، وسكن آدمي ، وتأمين العمل دون تمييز (ديني أوعرقي) ، ومقاومة مافيا الشركة المصرية للاتصالات وموبينيل وفودافون ، ومحتكري السلع ، ومستوردي السلع الفاسدة وغير المطابقة للمواصفات القياسية ، وتشكيل هيئة لرفع قضايا للمطالبة بالحق المدني ضد الذين استولوا على أرصدة المودعين بالبنوك ، أو المرتشين ، أو الذين تربحوا من وظائفهم دون وجه حق ، وتحسين السجن الاحتياطي ، لحين البت في قضية السجين ، وتحسين حجرات الحجز في أقسام الشرطة ، ومعاملة المواطنين معاملة آدمية ، مهما كانت صفته ، أو منزلته ، ليعيش الإنسان آمنا ، دون تهديد ، ليضمن تعليما متطورا ومناسبا ، ليعرف ماله من حقوق وما عليه من واجبات ، دون إخلال بالقيم والمبادئ والأعراف ، وتأمين غذاء متنوع غير ملوث بالإشعاع الذري أو الكيماوي ، والإصرار على محاكمة كل من أضر بالشعب المصري ماديا أو معنويا                  

أحمـــد الشــــافعي كاتب وقاص مصري                                                       

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون