يمر كل منا بلحظة حرجة ،
يتوقف فيها عند تقاطع طرق صغيرة ، ليسأل نفسه ، وحده ، من دون رقيب أو شهود
: أي طريق يتخذ ؟ . حين تكون هناك محفظة نقود ملقاة قرب
صاحبها المصاب في
شارع ، والناس ملتفون حوله وحولها ، فإن أعين الآخرين ، والضمير الجمعي
الذي يصيح " اجمعوا أغراض هذا المسكين لنعيدها لأهله " يمنعك من التقاط
المحفظة ووضعها في جيبك . اللحظة الحرجة تنشأ حينما يكون الإنسان وحده أمام
المحفظة الملقاة ، ومن ثم يبدأ في التفكير : في كل الأحوال ليس هناك ضمان
أن تعود المحفظة لأهل الرجل ، وربما يكون من الأثرياء ، لا يحتاج أهله لما
فيها من نقود ، بينما أنا في أشد الحاجة إليها . ألا يحتمل أن العناية
الإلهية قد وضعت تلك الأموال في طريقي لسد حاجاتي ؟ ثم ألا يمكن أن يكون
الرجل مقطوعا من شجرة ؟ فلمن ستعود النقود ؟ للحكومة ؟ ألست أنا أولى بها
في هذه الحالة ؟ . هذه اللحظات الصغيرة ، كثيرة في حياتنا ، حين لا يرانا
أحد ويكون علينا وحدنا أن نقرر : من نكون ؟
. في مسرحية "
اللحظة الحرجة " للكاتب العبقري يوسف إدريس تغلق الأسرة باب حجرة على ابنها
الشاب لكي تمنعه من المخاطرة بحياته في الكفاح المسلح ضد الإنجليز
.
لكن
الباب لم يكن مغلقا بإحكام . وكان بوسع الشاب عمليا أن يتذرع أمام نفسه بأن
الباب مغلق ، ومن ثم فإنه لا يستطيع الخروج للمشاركة مع الآخرين في صد
العدوان . وكان بوسع الشاب لو أراد أن يدفع الباب بكتفه دفعة بسيطة لينفتح
فينطلق إلي مواجهة العدوان مع الآخرين . ولم يكن أحد يراقبه ، كانت تلك
لحظته الحرجة الخاصة ، ولم يكن الباب في حقيقة الأمر سوى تجسيد لتلك اللحظة
، بوسعه إذا شاء أن يعتبره حاجزا ، أو أن يتجاوزه . عند يوسف إدريس ارتفعت
اللحظة الحرجة إلي مستوى علاقة الفرد بالوطن ،
مكثفة ، وحادة ، وعلى خلفية
تاريخية واجتماعية كبرى . هذا في الفن ، الذي يقوم بتكثيف الواقع ، وبلورته
، ورفعه إلي مستوى القضية الإنسانية العامة . لكن الأمر يختلف في الحياة ،
ويختلف في كل يوم ، ولا تحل اللحظات الحرجة بنا بهذه الصورة الحدية ،
القوية ، والدرامية الملهمة . اللحظات الحرجة في حياتنا تمر بنا متربة ،
ومهملة ، ومن غير أن يبدو أنها ستحدد الكثير في حياتنا . من منا لم يتعرض
مثلا لسؤال : هل تقبل الأموال غير النظيفة أم ترفضها وأنت في أشد الاحتياج
إليها ؟ ثم أن هذه الأموال تأتي في صور مراوغة ، تسمح للفرد أن يبرر لنفسه
قبولها بمئات الحجج .
أيضا فإن قبولك أو رفضك لهذه
الأموال لا يتقاطع مع قضايا كبرى . ولنفرض أن جهة عرضت عليك أن تكتب مقالا
في نعي أحد الشيوخ الحكام ؟ هل تقول لنفسك : ومن سيقرأ أو يرصد هذا المقال
؟ لم لا أكتبه ؟ أم ترفض مقالا قد يفتح لك أبواب الرزق ؟ هل تقبل أو ترفض
رشوة لا يراها أحد وهي في طريقها إلي جيبك ؟ هل تقبل أو ترفض الزواج من
امرأة ثرية لا تحبها لمجرد التخلص من أزماتك ؟ هل تقبل أو ترفض نفاق شخص
مسئول في غرفة مغلقة وأنتما وحدكما ؟ . اللحظة الحرجة التي صاغها يوسف
إدريس لحظة خاصة ، مثل اللحظة التي مر بها المخرج السينمائي العالمي إيليا
كازان عندما
حاكمت المكارثية في أمريكا
عددا ضخما من الكتاب والفنانين ، فأنكر نفسه وتحول تاريخه كله ، وتحول هو
نفسه إلي شخص آخر . لكن تلك اللحظة تأتي في حياتنا اليومية كعشرات من
اللحظات الصغيرة ، التي تبدو بلا قيمة ، ولا يترتب عليها تأثير خاص في
الواقع أو التاريخ ، لكن كل لحظة حرجة كهذه تصنعنا ، والطريق الذي نختاره
كل مرة يعبد طريقا كبيرا يتخلق فيه شخص ، أو شخص آخر . وعندما رفض الدكتور
عبد العظيم أنيس أن يقوم بتدريس ابنة الرئيس السادات ، كان عبد العظيم أنيس
يتخذ قراره
الصحيح
بمفرده ، وحده ، من دون شهود ، لنفسه ، لأنه كان واثقا أنه لا يربح شيئا
إذا كسب العالم وخسر نفسه . إن اللحظات الصغيرة تصنعنا ، وتخلق في مجموعها
الطريق والإنسان ، والمغني والأغنية ، وخطورة هذه اللحظات أنها تبدو في
حينها بلا بطولة ، وبلا خطورة ، مع أنها تشكل وستشكل صلب وجودنا كله ،
لأننا في كل لحظة من تلك اللحظات العابرة ندافع عن كل ما هو جوهري وغير
ملحوظ في حياتنا وحياة الآخرين . كن عطوفا على الآخرين حين تكون وحدك ، لأن
العطف ليس نوعا من الوجاهة أمام الناس ، واتخذ قراراك حين تكون وحدك ، لأن
اللحظات الحرجة الصغيرة قد تأكل الروح
كما يأكل الصدأ
الحديد .
أحمد الخميسي
. كاتب مصري